د. أحمد فريد - جمع القرآن - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2015-09-06 15:28:00

قال الحافظ: المراد بالجمع هنا جمع مخصوص، وهو جمع متفرقة في صحف، ثم جمع تلك الصحف في مصحف واحد مرتب السور، وقد جُمِع القرآن مرتين:
 
المرة الأولى: في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان الدافع لجمعه كثرة القتل في القراء يوم اليمامة، فخشي الصديق أن يذهب بذهاب حفاظه شيء من القرآن.
 
والجمع الثاني: في عهد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وكان الدافع لجمعه خشية اختلاف الأمة وهلاكها لاختلاف القراء في الأحرف، وقول بعضهم لبعض: قراءتي خير مِن قراءتك، فجمعهم على حرف واحد وهو حرف قريش كما سيأتي بالتفصيل في الباب المقبل إن شاء الله تعالى.
 
أما الجمع الأول لأبي بكر: فقد روى زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمانة فإذا عمر بن الخطاب عندهم قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن استحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير مِن القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير؛ فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل مِن الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به مِن جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، لم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما، فتتبعت القرآن أجمعه مِن العشب واللِّخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ" (التوبة: 138)، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر طوال حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه.
 
أما قصة جمع عثمان للقرآن فقد رواها أنس بن مالك رضي الله عنه، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان رضي الله عنه وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين؛ أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء مِن القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه مِن القرآن في كل صيحفة أو مصحف أن يحرق.
 
قال ابن الملقن: قال ابن بطال: في أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى، وأن ذلك إكرامًا لها وصيانة عن الوطء بالأقدام وطرحها في ضياع مِن الأرض، وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يحرق الصحف إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها «بسم الله الرحمن الرحيم»، وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله، وقول مَن حرقها أولى بالصواب، كما قاله ابن بطال.
 
قال الحافظ: قال ابن التين: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله عنهما: أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن، حين قرءوه بلغاتهم، على اتساع اللغات، فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض، فخشي مِن تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر مِن سائر اللغات على لغة قريش محتجًّا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم، رفعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت، فاقتصر على لغة واحدة، وكانت لغة قريش أرجح اللغات فاقتصر عليها.