د. أحمد فريد - الفرق بين الأحرف السبعة والقراءات السبع - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2015-09-18 22:27:00

كثير مِن الناس يخلط بين الأحرف السبعة والقراءات السبع، ونحن نُبَيِّن -بإذن الله تعالى- في هذا الباب الفرق بينهما، والله الموفق.
 
أما الأحرف السبعة: فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف».
 
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبَّرت حتى سلم فلبَّبته بردائه فقلت: «مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟» قال: «أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقلت:«كذبت؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت»، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله فقلت: «إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسله، اقرأ يا هشام»، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت»، ثم قال: «اقرأ يا عمر»، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذلك أنزلت، إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه».

 
قال الحافظ: قوله: «باب أنزل القرآن على سبعة أحرف»؛ أي: على سبعة أوجه يجوز أن يُقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تُقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة، فإن قيل: فإنا نجد الكلمات تقرأ على أكثر مِن سبعة أوجه؟

فالجواب: أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة، وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء، كما في المد والإمالة ونحوها، وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعين في العشرات والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين، وإلى هذا جنح عياض ومَن تبعه.
 
والذي يظهر -والله أعلم- أن القرآن نزل أولًا على حرف قريش؛ أي: لهجة قريش، ثم نزل على لغات ولهجات العرب المشهورة تسهيلًا للناس، ثم جمعه عثمان رضي الله عنه على حرف واحد، وهو حرف قريش، ولما أرسل عثمان رضي الله عنه المصاحف إلى الأمصار لم تكن المصاحف مشكولة ولا منقوطة، فاختلف القُرَّاء في قراءة مصحف عثمان، وكل قراءة توافق المصحف ويصح سندها وتوافق العربية فهي قراءة صحيحة، ومِن هنا نشأت القراءات السبع أو العشر باختلاف القراء، قال الزركشي: قال ابن حبان: «أقرب الأقوال إلى الصحة أن المراد به سبع لغات، والسر في إنزاله على سبع لغات تسهيله على الناس؛ لقوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) (القمر: 17)، فلو كان تعالى أنزله على حرف واحد لانعكس المقصود، قال: «وهذه السبعة التي نتجاولها اليوم غير تلك، بل هذه حروف من تلك السبعة، كانت مشهورة»، وذكر حديث عمر مع هشام بن حكيم، لكن لما خافت الصحابة مِن اختلاف القرآن، رأوا جمعه على حرف واحد من تلك الحروف السبعة: ولم يثبت مِن وجه صحيح تعيين كل حرف مِن هذه الأحرف، ولم يكلفنا الله غير ذلك، غير أن هذه القراءة الآن غير خارجة عن الأحرف السبعة.
 
وقال بعض المتأخرين: «الأشبه بظواهر الأحاديث أن المراد بهذه الأحرف اللغات، وهو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم وما جرت عليه عادتهم مِن الإظهار والإدغام والإمالة والتفخيم والإشمام والهمز والتليين والمد وغير ذلك مِن وجوه اللغات إلى سبعة أوجه منها في الكلمة الواحدة، فإن الحرف هو الطرف والوجه»، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) (الحج: 11)؛ أي: على وجه واحد، وهو أن يعبده في السراء والضراء، وهذه الوجوه هي القراءات السبع التي قرأها القُرَّاء السبعة، فإنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، وهذه القراءات السبع اختيارات أولئك القراء، فإن كل واحد اختار فيما روى وعلم وجه من القراءة ما هو الأحسن عنده والأولى ولزم طريقة منها، ورواها وقرأ بها واشتهرت عنه ونسبتت إليه، فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحد منهم حرف الآخر ولا أنكره، بل سوغه وحسنه، وكل واحد من هؤلاء السبعة روي عنه اختياران وأكثر وكل صحيح.
 
وقد أجمع المسلمون في هذه العصور على الاعتماد على ما صح عنهم، وكان الإنزال على الأحرف السبعة توسعة من الله تعالى ورحمة على الأمة؛ إذ لو كلف كل فريق منهم ترك لغته والعدول عن عادة نُشِّئُوا عليها من الإمالة والهمز والتليين والمد وغيره لشق عليهم.
 
ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن أُبي كعب أنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: «يا جبريل؛ إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط، فقال: يا محمد؛ إن القرآن أنزل على سبعة أحرف».
 
ونظم صاحب «الطيبة» ضابط قبول القراءات فقال:

وكل ما وافق وجه النحو *** وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن *** فهذه الثلاثة الأركان