م. أحمد الشحات - أخبار غير مثيرة للجدل - بوابة الفتح الالكترونية
م. أحمد الشحات
2015-12-06 13:22:00

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :-
كثيرة هي الأخبار التي تُعرض يومياً على شاشات التلفاز وعلى صفحات الجرائد، بعضها مفيد ونافع والأغلب الأعم لا قيمة له إن لم يكن ضاراً، وذلك في وسط إعلام تغيب عنه المهنية والنزاهة، وفى هذا المقال نتناول بعض المشاهد والأخبار التي فرضت نفسها على الساحة في الفترة الماضية، ولها علاقة بأمن واستقرار الوطن في الوقت الحالي ويرتبط بها مصير البلاد في المستقبل.
 
هجرة العقول :-
العقل هو أعز ما تملكه الأمم، وهو هبة ربانية مجانية، لا تحتاج منا سوى حسن الرعاية وحسن الاستخدام، والأمم التي نهضت بعد كبوة جعلت اهتمامها الأول ببناء الدولة والاعتماد على عقول المبدعين والمبتكرين في قيام النهضة، ثم جاءت وسائل اللهو والترفيه مكملة للحياة بعدما حصلت العناصر الأساسية للبقاء، فها هي ألمانيا تخرج من الحرب العالمية الثانية محطمة تماماً، فإذ بها تنهض خلال 50 عامًا فقط لتصبح قاطرة الاتحاد الأوروبي، وها هي اليابان تُضرب بالقنابل الذرية، ثم تصبح خلال نفس المدة من أولى الدول المصدرة للتكنولوجيا الحديثة بكل صورها.
 
والعقول في مصر بفضل الله ثرية جداً بل ربما نادرة في الكفاءة والابداع ولكن مصيرها هو الإهمال والتجاهل حتى تضمر أو تموت، وعلى أحسن الظروف تلتقطها مراكز الاستقطاب العالمية، التي أغلبها غربي وقليل منها عربي، فقد أعد الاتحاد العام للمصريين في الخارج إحصائية بشأن عدد العلماء والباحثين المصريين في الخارج، فجاءت مصر في المرتبة الخامسة من حيث عدد الدول المصدرة للكفاءات البشرية.
 
ومن هذه العقول المهاجرة الشاب الصغير صاحب السبعة عشر عاماً الذى سجل براءة اختراع دولية بعنوان " السد العربي الذكي" وهو مشروع يعمل على توليد الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحر بكفاءة عالية، وكالعادة لم يجد الشاب الصغير من يسمع صيحاته هنا، فلجأ إلى دولة عربية شقيقة لكى تتبنى مشروعاته وفى نفس الوقت يمثلها في المحافل الدولية.
 
لو كان هذا الشاب مغنياً أو ممثلاً أو لاعب كرة لنال من التكريم والحفاوة الشيء الكثير، ولحصل بجدارة على لقب النجم والفنان، ولحل ضيفاً على البرامج والقنوات، ولصار اسمه وصورته على أغلفة المجلات وصفحات الجرائد.
 
بل أقول لو كانت اسهامات ذلك الشاب الصغير في مجال المهرجانات الشعبية أو غيرها من الصور المبتذلة، لاستضافة الإعلامي فلان، ولرحبت به القناة علان، الذين كان تعاملهم مع حادثة المخترع الصغير في غاية العجب والغرابة، فمع أنه لم يتنازل عن الجنسية المصرية، ولم يبيع نفسه لدولة معادية، بل رفع علم دولة عربية شقيقة كان ممثلاً عنها في معرض دولي، إلا أن التهم بالخيانة وبيع الوطن كانت هي ديدن هؤلاء في برامجهم الصباحية والمسائية.
 
بعد ثورة 25 يناير كانت طاقة الأمل لدى الشباب إيجابية لأبعد مدى، واستشرفوا المستقبل بروح متفائلة، وظن الناس جميعاً أن الموازين في طريقها للاعتدال، فلا يليق مثلاً أن يكون لدينا كل عام مهرجان للسينما، ولا يكون لدينا في المقابل مؤتمر للعلماء أو الباحثين أو المخترعين، ما زالت أمامنا فرصة لاستنقاذ شبابنا من وحل الإحباط المدمر لآنه إذا سقط فيه فلن تقوم له قائمة بعد ذلك.
 
مرارة الاضطهاد :-
طالعتنا المواقع الإخبارية بمانشيت كبير مفاده أن الحكومة المصرية تستعد لإجراء أكبر حركة تطهير للجهاز الإداري للدولة من 4 آلاف إخواني يشغلون مناصب قيادية في الأحياء والوحدات المحلية وغيرها، وأنه جارى إعداد كشوفات بأسمائهم تحت إشراف جهات سيادية.
 
لن نناقش هنا فكر جماعة الإخوان الذى ناقشناه كثيراً قبل ذلك، ولن نختلف حول تسببهم في كثير من الأزمات التي مرت بنا، ولكن دعونا نتعامل بمعيار العدل والإنسانية، هل يمكن أن يُضطهد الإنسان لأجل أنه ينتمى لحزب أو جماعة؟ وهل يمكن أن يُحرم من حقوقه كمواطن بسبب هذا؟ وهل يمكن أن يُعاقب أحد بجريرة غيره؟ إذا كان من هؤلاء من ارتكب ما يستوجب العقاب فلن يمانع أحد في تطبيق القانون على المخطئ أياً من كان، أما أن تكون العقوبة جماعية وأشبه بعمليات التطهير فهذا لم يحدث في أشد فترات الدولة ظلماً واستبداداً.
 
هل يمكن أن يتم بناء وطن تحكمه هذه العقلية الإقصائية القاسية، لقد كان أحد أسباب رفضنا لقانون العزل السياسي لرموز الحزب الوطني ألا نعبر لمصر الجديدة وهناك بعض المواطنين يشعرون بالاضطهاد لمجرد انتمائهم لحزب كان شرعياً بالأمس القريب، فكيف بمن يحاول عزلهم عن الحياة، ضع نفسك أمام أسر هؤلاء الموظفين، كم من الآلاف سوف يتحول تلقائياً إلى قنابل موقوتة تتحين الفرصة للانفجار، وكم سيخسر النظام من مؤيديه ممن سيتعاطفون إنسانياً مع هذه الحالات، ثم هل لنا أن نتساءل كم من هذه الآلاف ممن وُضع اسمه ظلماً وزوراً، ونحن نعرف كيف تدق الأسافين وتروج الوشايات في المؤسسات الحكومية بين الموظفين بعضهم البعض.
 
تجاوزات الشرطة :-
رغم أن شرارة ثورة يناير كان أحد أهم أسباب انطلاقها موت كل من الشاب خالد سعيد والشاب سيد بلال تحت وطأة التعذيب داخل أقسام الشرطة مما أدى لوفاتهم، إلا أن الفلسفة الحاكمة لكثير من العاملين في هذا الجهاز يبدو أنها لم تتغير، وقد كان من المفترض أن يستوعب الجميع الدرس واضحاً، وهو أن الظلم سبب إلهى لانكسار الدول مهما كانت قوتها أو جبروتها، ومرت أحداث الثورة بحلوها ومرها، وبذل المخلصون جهداً جهيداً من أجل ترميم العلاقة بين الشعب والشرطة مرة أخرى، على أن يُطبق القانون على الجميع، وتختفى من ممارساتنا عقلية القرون الوسطى التي تعتمد على التعذيب والقهر والإذلال وغيرها.
 
إلا أنه وفى توقيت مريب وفى غضون أسبوع واحد تطالعنا وكالات الأخبار عن 6 حالات من التجاوزات الشرطية ضد المواطنين؛ وذلك بمحافظات الأقصر، والقليوبية، والإسماعيلية، وأكتوبر، تمثلت في تعذيبهم وإهانتهم، ما نجم عنه وفاة 3 أشخاص منهم.
 
ورغم توجيهات الرئيس لوزير الداخلية بإيقاف أي ضابط مخالف عن العمل واتخاذ جميع الإجراءات القانونية ضده، إلا أن الأمر أعقد من ذلك، فهناك اقتراحات كثيرة قُدمت بخصوص إعادة تطوير وتأهيل هذا الجهاز بشكل يتماشى مع القانون وحقوق الإنسان نأمل أن يُعاد دراستها على وجه السرعة حتى لا تُصاب بلادنا بتصدع غير محمود العواقب.
 
ضبابية الرؤية :-
وضوح الرؤية من أهم علامات النجاح، وعدم تحديدها علامة على الارتباك والتخبط، والمعيار شبه المتفق عليه بين مفكري السياسة والاقتصاد والاجتماع لتقييم أداء النخب الحاكمة، هو مقدار ما يشعر به المواطن العادي من رضا، هذا الشعور لابد أن يكون حقيقياً بحيث لا يصنعه الإعلام ولا التوجهات الحزبية ولا غيرها، بل ينبع من داخل المواطن ذاته.
 
وفى بلاد كبلادنا وبعد أزمات حادة عانى منها الاقتصاد على مدار خمس سنوات كاملة، لا يجدي الحديث حول الانتصارات ذات الطابع السياسي فقط، ولن يتحمل الناس كثيراً كلاماً معسولاً لا يجدون له واقعاً.
 
هنا تحتاج الحكومة لوقفة لتعيد ترتيب أولوياتها، وتنظيم أدواتها، وتحديد مشاكلها العاجلة والمزمنة، وإطلاع المواطنين على حقيقة الأوضاع بدلاً من الدائرة المفرغة التي نعيش فيها.
 
و إذا كانت الدولة قد دشنت بالفعل مشاريع كبيرة مثل قناة السويس وإنشاء محطات كهرباء وهذه المشاريع الجديدة كلفتنا مليارات الدولارات، فيجب أن تقف الحكومة وقفة متأنية قبل الإقدام على أي مشروع يحتاج إلى تمويل ضخم بالدولار في ظل أزمة الدولار الخانقة ومن هذه المشاريع حفر قناة جديدة شرق ميناء بورسعيد مع العلم أنها تحتاج أيضاً إلى كراكات تصل إلى 18 كراكة تحت قيادة التحالف الهولندي البلجيكي الإماراتي الذى يتقاضى رواتبه بالدولار أيضاً.
 
فاختيار التوقيت المناسب ومراعاة مصادر التمويل المناسبة لهذه المشروعات جزء رئيسي من التخطيط الناجح.