هيثم مجدي الحداد - مشروعية المشاركة السياسية في الأدبيات السلفية - بوابة الفتح الالكترونية
هيثم مجدي الحداد
2015-12-07 21:14:00

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد؛
يثار الجدل هذه الأيام عن الحكم الشرعي للمشاركة السياسية، ويُسلط الضوء على المشاركة السياسية لفصيل من التيار السلفي، متمثلا في حزب النور الذراع السياسية للدعوة السلفية التي نشأت في مدينة الإسكندرية بمصر، ويستنكر البعض تلك المشاركة السياسية، ويدعي البعض تبني التيار السلفي القول بالحرمة ثم تغيرت الفتوى كنوع من التنازل عن ثوابت الدين والدخول في عباءة التميع التي أصيبت بها فصائل واتجاهات إسلامية أخرى، والحقيقة أن الأمر يحتاج إلى إظهار حكم المشاركة السياسية عند التيار السلفي، والمسألة قديمة وليست بحادثة فقد تكلم فيها كبار مشايخ وعلماء التيار السلفي منهم الشيخ السعدي والشيخ أحمد شاكر والشيخ ابن باز والشيخ الألباني والشيخ العثيمين وغيرهم كثير، رحم الله الجميع.
 
وتدخل مسألة المشاركة السياسية تحت باب المصالح والمفاسد التي تكلم فيها كثير من علماء السلف؛ قال العز بن عبد السلام- رحمه الله تعالى :"واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد.. ولا يقدم الصالحَ على الأصلح إلا جاهلٌ بفضل الأصح، أو شقيٌ متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت، واعلم أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود". أ.هـ
 
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :"المصلحة المحضة نادرة، فأكثر الحوادث فيها ما يسوء ويَسُر، فيشتمل الفعل على ما ينفع ويُحب، ويراد ويُطلب، وعلى ما يضر ويُبغض، ويُكره ويُدفع، وهذا حال ما اجتمع فيه مصلحة ومفسدة في جميع الامور" .
 
فتاوى وأقوال علماء السلف المعاصرين لمسألة المشاركة السياسية، وقد استفدت معظمها من كتاب «مختصر الإسلاميين والعمل السياسي المعاصر» :
 
1- الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:
 
قال الشيخ السعدي في تفسيره لقوله تعالى: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} منها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها، وقد لا يعلمون شيئًا منها وربما دفع عنهم، بسبب قبيلتهم، وأهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب، رجم قومه، بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين، لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب، على حسب القدرة والإمكان فعلى هذا، لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية، يتمكن فيها الأفراد والشعوب، من حقوقهم الدينية والدنيوية، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم، الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجعلهم عملة وخدمًا لهم نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين، وهم الحكام، فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا، مقدمة والله أعلم أ.هـ
تأمل كلام الشيخ وهو يتكلم عن المسلم تحت ولاية الكافر فما بالك بالحال تحت ولاية المسلم !
 
2- الشيخ العلامة المحدث أحمد محمد شاكر-رحمه الله تعالى-
قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله في معرض كلامه عن الدعوة إلى العودة إلى التشريع الإسلامي وترك القانون الوضعي:
 
"وإذ ذاك سيكون السبيل إلى ما نبغي من نصر الشريعة السبيل الدستوري السلمي: أن نبث في الأمة دعوتنا ونجاهد فيها ونجاهر بها ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة ولئن فشلنا مرة فسنفوز مرارًا بل سنجعل من إخفاقنا إن أخفقنا في أول أمرنا مقدمة لنجاحنا بما يحفز من الهمم ويوقظ من العزم، فإذا وثقت الأمة بنا، ورضيت عن دعوتنا، واختارت أن تحكم بشريعتها طاعة لربها، وأرسلت منا نوابها إلى البرلمان؛ فسيكون سبيلنا وإياكم أن نرضى وأن ترضوا بما يقضي به الدستور، فتلقوا إلينا مقاليد الحكم، كما تفعل الأحزاب، إذا فاز أحدها بالانتخاب، ثم نفي لقومنا-إن شاء الله- بما وعدنا، من جعل القوانين كلها مستمدة من الكتاب والسنة"أ.هـ
 
3- الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز- رحمه الله- :
سُئل الشيخ ـ رحمه الله ـفي لقاء مع مجلة الإصلاح السودانية عن حكم دخول الدعاة والعلماء المجالس النيابية والبرلمانية في البلاد التي لا تحكم بشرع الله وعن الضابط في ذلك؟
 
فقال سماحته :" هذا الدخول خطير يعنى برلمانات ومجالس نيابية ونحوها، الدخول فيها خطير لكن من دخل فيها عن علم وعن بصيرة يريد الحق، ويريد أن يوجه الناس إلى الخير، ويريد أن يعرقل الباطل ليس الأصل هو الطمع في الدنيا، ولا الطمع في المعاش، وإنما قد دخل لينصر دين الله وليجاهد في الحق وفى ترك الباطل بهذه النية الطيبة، أنا أرى أنه لا حرج في ذلك، وأنه ينبغي حتى لا تخلو هذه المجالس من الخير وأهله... ولعل الله ينفع به حتى تحكم الشريعة بهذه النية بهذا القصد مع العلم والبصيرة" أ.هـ
 
4- الشيخ العلامة الألباني -رحمه الله-:
قال العلامة الألباني: "نحن لا ننصح مسلمًا أن يرشح نفسه في هذه الانتخابات في كل البلاد اليوم، لأن الحكومات لا تحكم بما أنزل الله، لكن أنا أعلم أن هذا الرأي لا يقتنع به كثيرون من طلبة العلم ومن الدكاترة، من كذا...، حينئذ سنرى في الساحة أناسًا يرشحون أنفسهم من الإسلاميين، سواء كانوا من هؤلاء أو هؤلاء أو هؤلاء،  حينئذ يجب علينا أن نختار من هؤلاء ... الأصلح، ولا نفسح المجال لدخول الشيوعيين والبعثيين والدهريين والزنادقة ونحو ذلك، ثم قال للسائل واضح؟! هذا هو رأيي، السائل: أنت تقول: يجب علينا أن نختار الأفضل منهم؟ الشيخ: أي نعم". أ.هـ
 
وعن خروج النساء للانتخاب قال رحمه الله : "إذا كن لا يختلطن مع الرجال، وكن متجلببات الجلباب الشرعي، فيجوز لهن أن يكثرن بأصواتهن أصوات الذين يختارون الأفراد السلفيين... ولا شك والحالة هذه أن الأصل أن لا انتخابات في الإسلام، لكن هذا لا يعني ألا نعالج المسألة الطارئة في حدود القواعد الإسلامية التي تصلح لكل زمان ومكان ... فإذا لا يشكلن على أحد أني متناقض، لا، لست متناقضا" أ.هـ
 
5-الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين:
"سئل الشيخ رحمه الله: ما حكم الانتخابات الموجودة في الكويت، علمًا بأن أغلب من دخلها من الإسلاميين ورجال الدعوة فتنوا في دينهم؟ وأيضًا ما حكم الانتخابات الفرعية القبلية الموجودة فيها يا شيخ؟
 
فقال الشيخ: أنا أرى أن الانتخابات واجبة، يجب أن نعين من نرى أن فيه خيرًا، لأنه إذا تقاعس أهل الخير من يحل محلهم؟ أهل الشر، أو الناس السلبيون الذين ليسعدنهم لا خير ولا شر، أتباع كل ناعق، فلابد أن نختار من نراه صالحًا
 
فإذا قال قائل: اخترنا واحدًا لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك، نقول: لا بأس هذا الواحد إذا جعل الله فيه بركة وألقى كلمة الحق في هذا المجلس فسيكون لها تأثير ولابد، لكن ينقصنا الصدق مع الله، نعتمد على الأمور المادية الحسية ولا ننظر إلى كلمة الله عز وجل ماذا تقول في موسى عليه السلام عندما طلب منه فرعون موعدًا ليأتي بالسحرة كلهم، واعَده موسى ضحى يوم الزينة في رابعة النهار وليس في الليل، في مكان مستوٍ، فاجتمع العالم، فقال لهم موسى عليه الصلاة والسلام: {وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} كلمة واحدة صارت قنبلة، قال الله عز وجل: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} الفاء دالة على الترتيب والتعقيب والسببية، من وقت ما قال الكلمة هذه تنازعوا أمرهم بينهم، وإذا تنازع الناس فهو فشل، كما قال الله عز وجل: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا}، {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى}، والنتيجة أن هؤلاء السحرة الذين جاءوا ليضادوا موسى صاروا معه، ألقوا سجدًا لله، وأعلنوا: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} وفرعون أمامهم، أثرت كلمة الحق من واحد أمام أمة عظيمة زعيمها أعتى حاكم.
 
فأقول: حتى لو فرض أن مجلس البرلمان ليس فيه إلا عدد قليل من أهل الحق والصواب سينفعون، لكن عليهم أن يصدقوا الله عز وجل، أما القول: إن البرلمان لا يجوز ولا مشاركة الفاسقين، ولا الجلوس معهم، هل نقول: نجلس لنوافقهم؟ نجلس معهم لنبين لهم الصواب.
 
بعض الإخوان من أهل العلم قالوا: لا تجوز المشاركة، لأن هذا الرجل المستقيم يجلس إلى الرجل المنحرف، هل هذا الرجل المستقيم جلس لينحرف أم ليقيم المعوج؟! نعم ليقيم المعوج، ويعدل منه، إذا لم ينجح هذه المرة نجح في المرة الثانية.
 
السائل: الانتخابات الفرعية القبلية يا شيخ
 
الجواب: كله واحد ، أبدًا رشح من تراه خَيِّرًا، وتوكل على الله"أ.هـ
 
موقف الدعوة السلفية في مصر من المشاركة السياسية :
"وأما عن حكم دخول هذه المجالس والمشاركة فيها فإن الحكم يختلف باختلاف الداخل والمشارك، وكما يقولون الحكم على شيء فرع عن تصوره ولكل صورة حكمها.
 
أولا: حكم الداخل والمشارك بغرض تحقيق الديمقراطية بإباحة التشريع لغير الله مادام كان حكمًا للأغلبية، فهذا شرك مناف للتوحيد إلا أن يكون صاحبه جاهلًا أو متأولًا ولم تبلغه الحجة فلا يكفر بعينه حتى تقام عليه الحجة الرسالية.
 
ثانيًا: الداخل والمشارك بغرض تطبيق الشرع بشرط إعلان البراءة من الأصل الذي قامت عليه المجالس من التشريع لغير الله فهذا من المسائل الاجتهادية المعاصرة وهو مختلف فيه بين العلماء المعاصرين على قولين:
 
القول الأول: أن المشاركة في ذلك بغرض تطبيق الشرع طاعة إذا كانت المصلحة في ذلك.
 
القول الثاني: أن المشاركة في ذلك لا تجوز، وهذه المشاركة من باب الذنوب والمعاصي وليست من باب الكفر والردة لأنه حقق البراءة اعتقادًا ولم يحققها عملًا .
 
موقف الدعوة: ترى الدعوة عدم المشاركة في هذه المجالس المسماة بالتشريعية سواء بالترشيح أو الانتخاب أو المساعدة لأي من الاتجاهات المشاركة فيها وذلك لغلبة الظن بحصول مفاسد أكبر بناء على الممارسات السابقة وإن كنا نقر أن الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة خلاف معتبر، ولو تفاوت بين الطاعة والمعصية، لأن كلا الفريقين يريد خدمة الإسلام ويقر بالبديهيات والمسلمات التي ذكرناها في أول كلامنا، وما نراه اليوم في الجزائر رأينا مثله بالأمس في تركيا وكيف أن الديمقراطية مثل صنم العجوة الذي كان يصنعه المشرك فإذا جاع أكله، فالحكام العلمانيون إذا أحسوا بأية خطورة على مواقعهم وأن الإسلاميين على مقربة من الحكم سيسارعون بحل المجالس النيابية والأحزاب ويكون الجيش مستعدًا دائمًا وفورًا لإجهاض هذه الديمقراطية التي اخترعوها، لهذا وغيره نرى أن الحل البرلماني على ضوء ما طارحناه ليس هو الطريق." أ.هـ (8)
 
كلام الشيخ محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله- في المشاركة السياسية :
"باختصار شديد نقول: إن الأقرب -والله تعالى أعلم- أن دخول البرلمان الأصل فيه الحظر، والدخول فيه نوع من الرخصة بشروط، والأصل الحظر للمحاذير الشرعية الكثيرة في الدخول في مثل هذه المجالس، لكن أقصى ما يمكن أن يقال: إن دخولها رخصة مشروطة بشروط كما سنبين ذلك إن شاء الله تبارك وتعالى.والكلام في هذا الموضوع فيه شيء من التحفز والانفعال لكثير من الناس، وعندما نختلف ينبغي أن يكون خلافنا راقيًا ومنضبطًا بآداب الشرع الشريف، فنحن لا نتناول القضية في ظل الانفعالات العاطفية والتحفز الذي قد يئول إلى تهارج وإلى تناكر، لكن نقول: إن قضية الترشيح لدخول البرلمانات لأجل التمكين للدعوة الإسلامية اختلف فيها العلماء المعاصرون، والتيار السلفي في الأعم الأغلب من حيث المبدأ يرفض الخوض فيها بإيجابية، وهذا الموقف في حد ذاته ناشئ عن اعتبارات سوف نذكرها إن شاء الله تعالى بالتفصيل فيما بعد، فالذي يتحصل باستقراء مواقف علماء السلفيين عمومًا في هذه القضية هو رفض الدخول كدعوة، لكن ممكن السكوت عن مشاركة أفراد وآحاد من الناس، فنحن مع ترجيح القول بتجنب المشاركة في هذه البرلمانات لكننا لا نضلل المخالف، وفي مثل هذه القضية لا يضلل المخالف؛ لأن سلوكه وموقفه ناشئ عن اجتهاد فقهي ونظر مصلحي، وينبغي أن تتسع صدورنا لاستيعاب أدلته وفهم وجهة نظره، فالمخالف لا يدخل وهو يقول: إنني أعطي حق التشريع للشعب ليحل أو يحرم، لكنه يقول: أنا أدخل؛ لأن نص الدستور أن الدين الرسمي للدولة هو دين الإسلام، وبالتالي ينبغي أن نلزم هؤلاء الناس بالالتزام بهذه المادة وتطبيقها، ونطالبهم بأن يغيروا كل شيء إلى ما يوافق هذا النص، حتى لا يصبح مجرد نص صوري شكلي لا أثر له في الناحية الواقعية، وللأدلة التي يذكرها من يحرمون الدخول في البرلمان أجوبة عنها للفريق الآخر سوف نذكرها إن شاء الله تعالى بالتفصيل فيما بعد " أ.هـ
 
وأخيرا، يتبين مما سبق أن مسألة المشاركة السياسية هي محل اجتهاد عند علماء التيار السلفي وترجع إلى قاعدة المصالح والمفاسد وإمكانية تقليل الشر ما أمكن، وليست كما يعتقد البعض أنها حرام قولا واحدًا وأن مشاركة السلفيين نوع من التنازل والتميع والانقلاب على القول بالحرمة.
والحمد لله رب العالمين.