م. أحمد الشحات - في ذكرى مئوية التقسيم .. البلاد العربية إلى أين؟ - بوابة الفتح الالكترونية
م. أحمد الشحات
2015-12-12 09:22:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعد؛
بحلول منتصف عام 2016 يكون قد مر 100 عام على اتفاقية تقسيم الدول العربية واقتسامها من جانب الدول المحتلة الكبرى، والتي عُرفت باسم "سايكس بيكو"، وهي عبارة عن وثيقة سرية أبرمت في عام 1916، أثناء الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا العظمى وفرنسا، بموافقة روسيا على تفكيك الإمبراطورية العثمانية.
 
فبينما كان نشاط الصهيونية يتزايد في فلسطين بعد عزل السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1908، وبسبب الفساد والرشوة في الإدارة العثمانية، كانت الدوائر الاستعمارية الأوروبية ترسم الخطط السرية، فيما بينها، لاقتسام الدولة العثمانية، والتي كانت مظاهر تدهورها وانهيارها بادية للعيان. وهكذا، فقد توصلت كل من بريطانيا وفرنسا في 16 مايو 1916، إلى عقد معاهدة سرية لاقتسام المشرق العربي فيما بينهما، وذلك بينما كانت نيران الحرب العالمية الأولى مستعرة بين بريطانيا وفرنسا وحلفائها من جهة والدولة العثمانية وألمانيا وحلفائهما من جهة ثانية.
 
وجاءت هذه المعاهدة التي عرفت باسم معاهدة سايكس بيكو، نتيجة محادثات دارت بين ممثل بريطانيا سير مارك سايكس، وممثل فرنسا مسيو جورج بيكو، اللذين عرضا نتائج محادثاتهما السرية على روسيا القيصرية، فوافقت عليها في مقابل اتفاق تعترف فيه بريطانيا وفرنسا بحقهما في ضم مناطق معينة من آسيا الصغرى بعد الحرب، وظلت معاهدة سايكس بيكو سرًّا لا يدري به العرب، إلى أن نشرتها الحكومة السوفييتية في روسيا بعد الثورة الشيوعية سنة 1917.
 
وقد أدى الاتفاق إلى تقسيم المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة العثمانية وهي سوريا والعراق ولبنان وفلسطين إلى مناطق تخضع للسيطرة الفرنسية وأخرى تخضع للسيطرة البريطانية، وتم تقسيم الهلال الخصيب بموجب الاتفاق، وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعًا شرقًا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. إذ تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الإسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.
 
حينما تمت هذه المؤامرة كانت هي أقصى ما يمكن أن تحققه الدول الغربية وهي تلتهم تركة الرجل المريض، ومع ذلك لم يكن هذا هو نهاية المطاف بالنسبة لهم، بل كان فيما يبدو هدفًا مرحليًّا كان لابد منه حتى يتحقق لهم الهدف الأكبر وهو "تفتيت الدول العربية" وليس مجرد تقسيمها، هذا التفتيت المتوقع يُعد تأسيسًا لسايكس بيكو جديدة، تبتغي تأسيس نظام إقليمي بمنطقة الشرق الأوسط من قِبَل القوى العظمى الحالية عبر تقسيم دول عربية محورية على أسس عرقية ودينية وطائفية، لنشهد دول الطوائف والأقليات.
 
وطوال مائة عام مضت لم تدخر هذه الدول أي جهد لكي تصل إلى هدفها الثاني الذي يتمثل في تمزيق هذه الدول وتقطيعها إربًا إربًا تمهيدًا لابتلاعها كاملة بلا أي خوف أو تردد، سعت هذه الدول طوال الفترة الماضية لكي تصل إلى مرحلة "تصفير المخاطر والتهديدات" المقبلة إليهم من تلك الدول التي رغم أنهم قسموها وأشعلوا فيها النيران، إلا أنه ما زال بها أسباب للقوة، فما زال هناك صحوة إسلامية تنمو وتتصاعد، وصار هناك وعي عام وشعبي لم يكن موجودًا من قبل، وما زالت بعض الدول تحتفظ بتفوق عسكرى جيد، وقوة اقتصادية متماسكة، ونظم حكم مستقرة، من هنا كان لابد من عاصفة لتدمير ما تبقى من عوامل للقوة والبقاء، ولسحق أية أسباب للنهوض والتقدم.
 
سيكون من باب العبث إذا ظن ظان أن المخطط بدأ منذ سنتين أو ثلاث فقط بزعم أنه لم يكن يظهر لنا أحداث جسام تختطف الأنظار نحو هذه الكارثة؛ لأن ما ظهر مؤخرًا يُعد آخر حلقات المسلسل وليس أولها، والبداية الحقيقية له كانت قبيل إعلان الانسحاب الظاهري من البلاد التي كانت تحت قبضتهم، حيث حرصت هذه الدول أن تسلم البلاد إلى أنظمة ديكتاتورية قمعية ظالمة؛ حتى لا يتحقق على أيديهم أي نوع من أنواع الاستقرار، وإذا شذت القاعدة وأورثت الديكتاتورية بعض الاستقرار لطبيعة الشعب أو للظروف أو غيرها، تسارعت هذه القوى المحتلة لتدمير هذه البلاد قبل أن يستفحل أمرها وتستعصي عليهم، والعراق أقرب مثال على ذلك.
 
تناول هذه الجزيئة الكاتب البريطاني "روبرت فيسك" في مقاله الذي نشرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية وتمت ترجمته بمعرفة "هافينغتون بوست عربي"، وسوف نقتطع منه بعض الإشارات المهمة في هذا الصدد:
 
يشرح الكاتب الفلسفة التي سلمت بها بريطانيا مقاليد الحكم في البلاد العربية التي تركتها يقول: "دسَّت بريطانيا ملوكًا على العرب -لفَّقت نسبة موافقة وصلت إلى 96% في استفتاء لاختيار الملك الهاشمي، الملك فيصل، لحكم العراق في عام 1922- ثم زوَّدتهم بجنرالاتٍ وديكتاتوريات. عانت شعوب ليبيا، سوريا، العراق ومصر -التي غزاها البريطانيون في القرن التاسع عشر- من حكومات مزيفة، شرطة وحشية، صحف كاذبة وانتخابات شكلية، لم تعنِ "الديمقراطية" بالنسبة للعرب حريةَ التعبير وحريةَ انتخاب قادتهم؛ بل كانت إشارةً إلى الدول الغربية "الديمقراطية" التي استمرت في دعم الديكتاتوريات الوحشية التي قمعتهم".
 
ويشير إلى مؤامرة كل من بريطانيا وفرنسا في سايكس بيكو فيقول: "انتزعت الدولتان ولايات الإمبراطورية العثمانية المحتضرة وخلقت دولًا وهمية، حيث الحدود وأبراج المراقبة وتلال الرمل تفصل بين العشائر، العائلات والناس. كانت هذه الدول الوهمية من إنتاج الاستعمار الأنلكو- سكسوني".
 
ويمتدح -بدهاء ومكر- دور الثورات العربية في التمرد على الواقع السيئ فيقول: "الآن أعتقد أن ما تجلى في ذلك العام هو قناعة عميقة لدى العرب بأن المؤسسات التي بنيناها نحن الغربيين لهم قبل مائة عام عديمة القيمة، وأن البلدان التي منحناها لشعوب مصطنعة وحدود مصطنعة لا معنى لها، فهم يرفضون البنية التي فرضناها عليهم كلها". وقد كان من الممكن أن ننخدع بهذا الكلام، ونظن أن الرجل يحب الخير لبلادنا، رغم أن بلاده التي يعتز بالانتماء لها هي التي قسمتنا، لكن هذا الانخداع يجب أن يتلاشى إذا علمت أنه يَعُد مصر قد انتكست مرة أخرى وعادت إلى وصاية العسكر والإذعان الغربي بعد فترة قصيرة من حكومة الإخوان المسلمين المنتخبة.
 
ويُشير فى نهاية المقال إلى دور داعش فى هذا المخطط فيقول: نشر (داعش) في أوائل عام 2014 أحد تسجيلاته المصورة الأولى، أظهرت كاميرا محمولة بلدوزرًا يجرف حاجزًا رمليًّا يحدد الحدود بين العراق وسوريا. وبينما تقوم الآلة بهدم الحاجز، تنزل الكاميرا لتُظهر لافتة ملقاة على الرمل تقول: "نهاية سايكس بيكو".
 
نعم؛ ربما تسعى داعش إلى إنهاء سايكس بيكو بالفعل، ولكن لم يشأ "فيسك" أن يخبرنا: لأجل ماذا تفعل داعش ذلك؟ وما الذي يمنع أن يكون هدف داعش هو إنهاء سايكس بيكو القديمة؛ إذ إنها استنفدت أغراضها، ولكنها في نفس الوقت تساهم في تدشين سايكس بيكو جديدة، وأماكن وجود داعش وخريطة تحركها يشهدان بذلك.
 
ثم يعترف اعترافًا صريحًا في نهاية مقاله فيقول: "دعمنا لإسرائيل، التي لم تعين حدودها، يتماشى منطقيًّا مع رفضنا الاعتراف بأية حدود عربية، إلا إذا ناسبنا، فنحن الأوروبيين من يرسم الحدود، ونحن نحدد أين تبدأ الحضارات وأين تنتهي، ورئيس وزراء هنغاريا هو من يحدد بالضبط أن يضع قواته لحماية (الحضارة المسيحية). نحن الغربيين من يقرر حماية السيادة أو الاعتداء عليها في الشرق الأوسط".
فصول المؤامرة طويلة، "فصول المؤامرة طويلة، لعلنا أن نعود إليها في مناسبة أخرى بإذن الله.