شحاتة صقر - لا تهدِم الصومعة - بوابة الفتح الالكترونية
شحاتة صقر
2015-12-14 10:59:00

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ». فَقَالَ: «يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ». فَقَالَ: «يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ». فَقَالَ: «أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، (وَفِي رِوَايةٍ: فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا)؛ فَقَالَتْ: «اللهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ».
 
فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: «إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ»، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: «هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ»، فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَسَبُّوهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، (وَفِي رِوَايةٍ: فَجَاءُوا بِفُئُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ).
 
فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟». قَالُوا: «زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ». (وَفِي رِوَايةٍ: فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: «أَيْنَ الصَّبِيُّ؟». فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: «دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ». فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: «يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟». قَالَ: «فُلَانٌ الرَّاعِي». فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: «نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ»، قَالَ: «لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ». فَفَعَلُوا». (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
 
(الْمُومِسَاتِ) أَيِ الزَّوَانِي الْبَغَايَا الْمُتَجَاهِرَاتِ بِذَلِكَ. (بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا) أَيْ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ لِانْفِرَادِهَا بِهِ. (الْمَسَاحِي) جَمْعُ مِسْحَاةٍ وَهِيَ كَالْمِجْرَفَةِ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ حَدِيدٍ.
 
إن من يتأمل في هذه القصة يصدمه تصرفُ قوم جريج رضي اللهُ عنه فجريجٌ معروفٌ عندهم بالصلاح والتقوى، ورغم ذلك صَدَّقَ قومُه الشائعة التي أطلقَتْها امرأةٌ مشهورة عندهم بفجورها، وبدلًا من أن يتثبَّتوا من الخبر أو حتى يستجْوِبوا جريجًا عن تلك التهمة التي تطعن في دينه وعرضه، بدلًا من ذلك أخذوا يهدمون صومعته التي يعبد الله فيها، فبشهادة امرأةٍ فاسقة لا تُقبَل شهادتها شرعًا أصدروا حكمًا ظالمًا على وليٍّ من أولياء الله الصالحين متناسين ورعه وعبادته ومخالفين أمر الله في التثبت من الأخبار.
 
إن كثيرًا من الناس يقتدون بهَدْي قوم جريج في حكمهم الجائر، فبمجرد سماع خبر يطعن في أي شخص يصدقونه وينشرونه غير مُبالين بما يترتب على ذلك مِن طعنٍ في دينه أو تشويهٍ لسُمعته مخالفين بذلك نصوص القرآن والسنة الصحيحة في الأمر بالتثبت في نقل الأخبار، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6). وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواه مسلم). (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا) يَكْفِيه ذَلِكَ مِنْ الْكَذِب، فَإِنَّهُ قَدْ اُسْتُكْثِرَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَسْمَع فِي الْعَادَة الصِّدْق وَالْكَذِب، فَإِذَا حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَقَدْ كَذَبَ لِإِخْبَارِهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ.
 
ومن تلك النصوص قولُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا». (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (الْمَطِيَّةُ) بِمَعْنَى الْمَرْكُوبِ (زَعَمُوا) الزَّعْمُ: قَرِيبٌ مِنَ الظَّنِّ، أَيْ أَسْوَأُ عَادَةٍ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَّخِذَ لَفْظَ زَعَمُوا مَرْكَبًا إِلَى مَقَاصِدِهِ فَيُخْبِرَ عَنْ أَمْرٍ تَقْلِيدًا مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ فَيُخْطِئ وَيُجَرَّبَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ.
 
إن بعض الناس يهدمون غيرهم بنشْر الشائعات كما هدم قومُ جريج صومعته، فقد يهدم رجلٌ بيتَه بسبب كلمةٍ سمعها عن زوجته لم يتثبت منها، بل سار وراء سرابِ الشائعات فتكون النتيجة تفكك الأسرة وتشريد الأولاد، وبعض الناس قد يهدم دعوة قائمةً في مكان ما أو داعيةً أو عالمًا كان معروفًا عندهم بالعلم والتقوى لمجرد شائعات صدرت من أناس غير ثقات بل قد يكونوا معروفين عندهم بالكذب، أو على الأكثر هي مجرد أخبار مرسلة بلا سند لا متصل ولا منقطع.
 
وإن مخالفة الشرع بعدم التثبت من الأخبار قد يتسبب في خسارة بعض المؤسسات لكثير من كوادرها بل قد يتسبب القيل والقال في هدم تلك المؤسسة على رءوس القائمين عليها، بل يبلغ الأمر بالشائعات أنها قد تتسبب في تدمير جيوش بل دول بأكملها، فبعض الدول تستخدمها كسلاح فتاك في الحروب المعنوية أو النفسية التي تسبق تحرك الآلة العسكرية، والمتأمل في تاريخ الشائعات يجد أنها لم يَسْلَم منها حتى الأنبياء عليهم السلام والصالحين، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رُمي بالسحر والجنون والكذب والكهانة، وتفنَّن الكفار والمنافقون الذين مردوا على النفاق في صنع الأراجيف الكاذبة، والاتهامات الباطلة ضد دعوته صلى الله عليه وآله وسلم.
 
ويوسف الصديق عليه السلام نموذج الطُّهر والنقاء والعفة يُتهم في عرضه، وكذلك تُتَّهَم الصدِّيقة القانتة العابدة مريم والصديقة بنت الصديق عائشة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أدَّت الشائعة الكاذبة التي صُنعت ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه إلى تجمع أخلاط من المنافقين ودهماء الناس وجهَلتهم، وأصبحت لهم شوكة، وقُتِل على إثرها خليفة المسلمين بعد حصاره في بيته وقطْع الماء عنه.
 
وهناك أمرٌ يجب أن يفطن إليه كثيرٌ من رواد مواقع التواصل الاجتماعي وغيرهم من الذين يسيرون خلف الشائعات بالتصديق والنشر، وهو أن الناس ليسوا مثل جريج الذي رزقه الله عز وجل كرامةً من عنده، ظهرَتْ بها براءتُه لدرجة أن قومه عرضوا عليه أن يبنوا له صومعته من الذهب، وأمرٌ آخر وهو أن هؤلاء المروِّجين للشائعات يجب أن يضعوا نصب أعينهم أن الشائعات اليوم تنتشر انتشار النار في الهشيم، فقد تبلغ الآفاق في أيامٍ معدودة، ولن يمكنهم إن تابوا أو عرفوا كذب ما نشروه أن يوصلوا براءةَ مَن نالوا من أعراضهم لكل من علم بتلك الشائعات أو نشرها تبعًا لهم؛ فمجتمعات اليوم كثيرة العدد ليست كمجتمع جريج البسيط الذي انتشرت فيه براءته بسهولة.
 
 وليتذكر هؤلاء البغاة الذين يهدمون أعراض الناس ويطعنون في دينِهم موقفَهم أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
 
وفي ذلك اليوم قد يفلس هؤلاء البغاة بسبب بغيهم على عبادِ الله ثم يُلقَى بهم في جهنم، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟». قَالُوا: «الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ». فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِى يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِى قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّارِ». (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
 
   أمَا واللهِ إنّ الظلمَ شُــــــــــــــؤْمٌ        وَلاَ زَالَ المُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
 
إِلَى الدَّيَّانِ يَوْمَ الدِّيْنِ نَمْضِي        وعند اللهِ تجتمعُ الخصـــومُ
 
ستعلمُ في الحسابِ إذِ التقَيْنا       غدًا عند المليكِ مَن المَلومُ
 
والديَّان هو الله تعالى؛ كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني، أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ» .ومعنى الديَّان: المحاسِب المجازِي الذي يجازي الناس على أعمالهم يوم القيامة، وهو الملك المطاع القهار الذي يقهر الناس على طاعته .