م. أحمد الشحات - السياسة الميكافيلية .. هل تأثر بها الإخوان؟ وكيف يتجنبها حزب النور؟ - بوابة الفتح الالكترونية
م. أحمد الشحات
2015-12-21 11:31:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛
في هذا المقال نود أن نناقش من يطالبنا بالانسحاب والبُعد عن المجال السياسي بدعوى أن هذه الممارسة ملوثة وتحكمها القواعد القذرة التي لا تراعى مصلحة دين ولا دنيا.
 
نريد أن نبحث عن تلازمية النجاسة والسياسة، ومدى حتمية تلوث من خاض غمار الحياة السياسية بهذه النجاسة، وفى المقابل مدى فرص النجاح عند من يتمسك بمبادئه فى ظل عالم لا يعرف المبادئ ولا يحترم الأخلاق، وهذا ما سنتناوله فى السطور القادمة.
 
أولًا: أسس السياسة الميكافيلية:
تبدأ قصة اتهام السياسة بتهم القذارة والنجاسة وغيرها منذ عهد المدعو ميكافيللى ومنذ أن وضع كتابه "الأمير"؛ لأن ميكافيللى هو واضع قواعد الممارسة السياسية بصورتها التطبيقية، فقد كان يمتلك من الصراحة والجرأة الشيء الكثير، والمتأمل فى حال التجارب السياسية منذ ميكافيللى وحتى اليوم يجد أنه على الرغم من شدة تباين هذه التجارب فى باب الأيديولوجيات، إلا أنها عند الممارسة التطبيقية تكاد تتفق على مبادئ ميكافيلي النفعية، إذ يُعد مكيافيللي أحد الأركان التي قام عليها عصر التنوير في أوروبا الحديثة.
 
فمن هو ميكافيللى؟ ولماذا صار علمًا على النفعية والأنانية؟
 
ولد نيقولا ميكافيلي في مدينة فلورنسا الإيطالية عام 1469, وعاش في واقع سياسي بالغ الفساد, حينها كانت بلاده -إيطاليا- مقسمة لعدة إمارات يسود الخلاف والتنازع فيما بينها، وكان العنف والقتل من الأساليب الطبيعية للحكام، وأصبحت الخديعة والحيلة والغدر من أبسط الطرق للوصول إلى النجاح، كما كانت الأنانية تسيطر على أغلب الناس في ذلك الوقت، وكان ميكافيلي شديد التطلع لتوحد بلاده؛ لأنه غير راضٍ إلى ما آلت إليه الأوضاع من تفكك وصراعات وانقسامات واضطرابات.
 
ونتيجة لذلك قام ميكافيلي بإخراج كتابه المشهور "الأمير" وقد دونه من واقع خبراته بشئون السياسة والحكم آن ذاك، وسوف نتناول منه بعض الأمثلة ليتكشف لنا بعض ملامح منهجه وخلاصة فكره.
 
1- الأمير الجديد والتعامل مع المخاطر:
يقول ميكافيلي: إن الأمير الجديد يعيش في جو من المخاطر فمخاوف في الداخل تكمن في سلوك رعيته، ومخاوف من الخارج تتمثل في سلوك الدول المجاورة له، وبصدد ذلك فعلى الأمير أن يخشى كل خصومه، وكثيرًا من أصدقائه، ومعظم رعاياه، وعليه أن يتخلَّص من خصومه وحُسَّاده بكل ما أوتي من قوة.
 
وارتباطًا بذلك فقد التمس ميكافيلي العذر للحاكم الروماني -روميلوس- الذي قتل أخاه وشريكه في السلطة لكي يوطد أركان حكمه على أشلائه، وإن دوافع روميلوس -كما يقول ميكافيلي- حين أقدم على فعلته كانت نقية!
 
ويعلق على تلك الواقعة بقوله: "إذا كانت الواقعة تتهمه فإن النتيجة تبرؤه ذلك بأن الذي يستحق اللوم هو من يرتكب العنف بغرض التدمير، وليس الذي يستخدمه لأغراض خيِّرة"، فيرى إن لم يقدم -روميلوس- على فعلته فكان ما آل حكمه هو الزوال سريعًا.
 
ويقول أيضًا: على الأمير الراغب في عدم زوال سلطانه عدم التحلي بالفضائل ولا يعبأ بها؛ لأن الغرض من السياسة هو "الحفاظ على القوة السياسية وتدعيمها" وهو معيار نجاح السياسي أو فشله، بغض النظر عن ممارساته السياسية هل هي قاسية أو غادرة أو غير مشروعة.
 
2- الفصل بين السياسة والأخلاق:
يري ميكافيلى أنه على الأمير أن لا يكون طيبًا على الدوام في تعامله وعلاقته بـرعاياه، بل عليه أن يعرف متى يكون طيبًا ومتى يكون عكس ذلك، وكل ذلك وفقًا لما تقتضيه الضرورة ومصلحته أيضًا، وعلى الأمير أن لا يكون كريمًا على نحو يؤدي إلى فقره، لأنه إن أصبح فقيرًا انصرفت رعاياه عنه.
 
كما أن عليه أن يكون قاسيًا إزاء رعاياه، لأنه في وجهة نظره أن الرحمة تؤدي إلى الفوضى، أما القسوة فهي أساس النظام وعموده, بحيث إنها تقضي على الفتنة وتوحد الشعب فيقول: إن أصل البشر شريرون، حسودون، غيورون، نهمون في رغباتهم ساخطون دائمًا، ومنافقون، وخبيثون، ومبتذلون، يتسامحون بـمقتل أبيهم، ويجزعون إن سلبت أموالهم.
 
موجز القول: "أن تكون سياسة الأمير مع محكوميه لا تهتم ولا تعبأ بقضايا الأخلاق كشأن العدل، الظلم، الخير، الشر ... إلخ بحيث إن غاية الأمير النهائية هي التمكين لسلطانه، والتعظيم لقوته، ولكي يتحقق ذلك عليه اللجوء إلى العديد من الوسائل بغض النظر عن أخلاقياتها، فتحقيق ذلك الهدف ممكن أن يستدعي الأمير إلى اللجوء للرذائل".
 
3- امتلاك القدرة على التلون:
ذكر ميكافيلي أنه ينبغي للأمير أن يحافظ على العهد حين يعود ذلك عليه بالفائدة فقط، أما إذا كانت المحافظة على العهد لا تعود عليه بالفائدة فيجب عليه حينئذٍ أن يكون غدارًا.
 
لكنه يرى في الوقت ذاته أنه من الضروري أن يكون الأمير قادرًا على إخفاء هذه الشخصية. وأن يكون داعيًّا كبيرًا، ومرائيًّا عظيمًا، والناس كثيرًا ما يصلون في السذاجة إلى الحد الذي يجعلهم ينخدعون بمثل هذا الادعاء كثيرًا.
 
4- الجمع بين الإنسانية والحيوانية:
ينصح ميكافيلي "على الصعيد الخارجي" بأن ينهج الأمير نهج القدماء فيكون جامعًا في تصرفاته بين أسلوب الإنسان، وأسلوب الحيوان، وإن التجأ إلى سلوك الحيوان، فعليه أن يكون ثعلبًا وأسدًا في الوقت نفسه، حيث إن كان أسدًا فقط لما استطاع أن يكشف ما يوضع له من فخاخ، وإن كان ثعلبًا فقط لعجز عن مواجهة الذئاب.
 
فيجب أن يتحلى بالقوة والبطش كالأسد، والدهاء والخديعة والنفاق والمكر كالثعلب، أما بالنسبة لما يتعلق بـالعهود والوعود التي يقطعها الأمير على نفسه ينبغي عليه أن لا يراعي الضمير فيها لأن في ذلك تأثير سلبي عليه.
 
ويعزز ميكافيلي هذه النصيحة بقوله: "إن هذا الأسلوب لا يكون طيبًا لو أن الناس جميعًا كانوا خيرين، غير أنهم أشرار لا يراعون عهدًا لأحد، وبالتالي لا تراعي أنت ما قطعته على نفسك من عهود ووعود إزاءهم، كذلك بأن الوفاء هو من الصفات التي لا يتحلى بها بنو البشر، ومن هنا فمن غير الحكمة أن تراعي عهدًا أعطيته إذا كان في ذلك ما يضر بمصلحتك، أو إذا كانت الأسباب التي دفعتك إلى إعطائه قد اختلفت، وأنت لن تجد أية مشقة على الإطلاق في إيجاد الأعذار من أجل تزيين حنثك بالعهد".
 
من هنا صار عنوان المدرسة الميكافيلية فى السياسة أن «الغاية تبرر الوسيلة» مهما كانت هذه الوسيلة منافية للدين والأخلاق.
 
هذه القاعدة زعم ميكافيلى أنه استنبطها من الواقع، فهو مكتشف وليس مخترع، حيث إنه وجد أن الأغلبية العظمى من الناس لا تستند إلى مبادئ الحق والعدل والخير والفضيلة، بالإضافة إلى أن أكثر الحكام لم يكونوا شرعيين، ولم يكونوا ملتزمين بالمبادئ الأخلاقية الفاضلة، ومع ذلك استطاعوا أن يصلوا إلى الحكم، وأن يضمنوا استقرار الحكم في أيديهم، بخلاف الحكام الشرعيين، الذين كانوا يلتزمون بالمبادئ الأخلاقية الفاضلة فإنهم لم يحققوا لأنفسهم النجاح المطلوب، ولا المحافظة على الحكم، كمحافظة الساسة الخائنين الغدارين المرائين المنافقين الكذابين.
 
ومن هنا تقررت قواعد الممارسة السياسة لدى كثير ممن يمارسها، ثم تتعاظم الحاجة إلى قواعد ميكافيلى أكثر عند المنافسة السياسية الانتخابية، حيث تكون فى الأغلب الأعم ممارسات غير شريفة، تعتمد على الغش والخداع والكذب والتضليل، وينتشر فيها المال الحرام والرشوة الصريحة والتزوير المباشر فضلًا عن القمع والتهديد والبلطجة، وهذا يؤدى إلى جعل المجال السياسى بكل مكوناته مجالًا مسممًا سيئ السمعة، لا يحتضن سوى الفشلة والعجزة من أصحاب المصالح وطلاب الكراسى، وتتحول الممارسة السياسية من وسيلة للحفاظ على مقدرات الوطن وحفظ حقوق الضعفاء والمحتاجين، إلى وسيلة للنهب والسرقة وتخطى دولة القانون فضلًا عن الغرور الكاذب والانتفاش الأجوف الذي يصيب من يدخل فى هذا المجال.
 
ثانيًا: مظاهر تأثر الإخوان بالسياسة الميكافيلية:
وبالتالى يبقى السؤال قائمًا، هل أصبحت البيئة السياسية طاردة لراغبى الإصلاح الحقيقى؟ حيث إن فرص وصولهم لمواقع التأثير محدودة ومقيدة، ثم إذا وصلوا لن يستطيعوا تغيير الواقع من خلال وجودهم الضعيف وتمثيلهم المحدود.
 
قبل الإجابة، لعل من المفيد هنا أن نقوم بقراءة سريعة فى التجربة السياسية السابقة المحسوبة على جماعة الإخوان، لننظر هل استطاعوا أن يتجاوزوا الحتمية الميكافيلية عند الممارسة السياسية أم لا؟
 
الممارسة الإخوانية للسياسة في الحالة المصرية:
مارست جماعة الإخوان السياسة فى مصر منذ عهد الأستاذ حسن البنا رحمه الله فى عام 1936 وحتى عام 2013 الذى انتهى بهم نهاية درامية مؤسفة لم يكن يتخيلها أحد خصوصًا بعدما وصلوا إلى أوج مجدهم السياسى عبر تاريخهم كاملًا ربما لأول مرة فى العالم بهذا الشكل.
 
وبعيدًا عن التقييم التفصيلى لتجارب جماعة الإخوان السياسية عبر هذا التاريخ، إلا أن المراقب للحالة الإخوانية يستطيع أن يرصد عددًا من الملامح الأساسية لممارسة الإخوان السياسية كما يلى:
 
1- اضطراب الموقف من الدولة تبعًا لعلاقتهم بالحاكم:
وتستطيع أن ترصد فى ذلك مواقف عديدة تنتقل من أقصى درجات الحدة عنفًا وتطرفًا إلى أقصى درجات الليونة تسامحًا وقربًا، فمواقف الجماعة مع الحكام متأرجحة بدرجة كبيرة، وهذا التأرجح يؤثر في علاقتهم بالدولة، وقد تم هذا الأمر مع الملك ثم عبد الناصر ثم السادات ثم مبارك وأخيرًا مع السيسى.
 
2- سرعة التأثر بالبيئة السياسية والتلوث بسمومها:
لم يستطِع الإخوان أن يحموا أنفسهم من التأثر بطبيعة البيئة السياسية التى يتعاملون معها، وشيئًا فشيئًا تسربت إليهم نفس السلوكيات التى كانوا ينقمونها على غيرهم، لذلك تعجب الناس كثيرًا من الفترة الوجيزة التى حكمت فيها جماعة الإخوان، كيف حاولوا أن يسلكوا طريق الاستبداد رغم أنهم من أشد من اكتوى بناره، ولكن كان التطبع بطريقة أداء الحزب الوطنى له آثار واضحة في سلوكهم.
 
3- شدة التعجل والرغبة فى اختصار الخطوات:
رغم الممارسة السياسية الطويلة للجماعة إلا أنهم لم يصلوا إلى مستوى معقول من الرشادة السياسية، لذا فقد اتسمت تحركاتهم بكثير من الطيش والعجلة، مما عجل بانهيار مكتسباتهم.
 
4- اعتماد الخطاب الحماسي ودغدغة عواطف الجماهير:
بنى الإخوان منهجهم السياسى على أنهم معارضة، ومعارضة الإخوان قائمة على الظهور أمام الجمهور فى مظهرين؛ إما البطولة وإما المظلومية، وفى كلتا الحالتين يحتاج الخطاب إلى الحماسة والإثارة، وقد برعوا فى ذلك جدًّا، إلا أنهم تناسوا بعد وصولهم للحكم أن يغيروا من هذا الأسلوب، حيث كان تغييره حتميًّا لأنهم أصبحوا فى سدة الحكم، مما أدى إلى انكشاف هذا الأسلوب وفقدان فاعليته.
 
5- توظيف الدين لخدمة السياسة:
لم يفهم الدين فهمًا صحيحًا من ينادى بفصله عن السياسه، بل لن نتجنى إذا قلنا لم يفهم السياسة أيضًا، ولكن جماعة الإخوان وقعت فى المحظور الشرعى والسياسى عندما استغلت الدين بغية تحقيق أغراض سياسية، والساسة فى مصر يذكرون جيدًا ذلك الموقف الذى خرج فيه الشعب مؤيدًا لحكومة الوفد ضد الملك، وانطلقت المظاهرات تهتف "الشعب مع الوفد"، فما كان من الجماعة التى كانت تنعم بشهر عسل مع الملك، إلا أن جيَّشت المظاهرات التى تهتف "الله مع الملك"، ثم مرورًا بتوظيف الأدلة الشرعية والمواقف من السيرة والتاريخ، انتهاءً بتوظيف الفتاوى والشيوخ لصالح أغراضهم وهكذا.
 
6- الاستعداد للتنازل عن الثوابت:
تعرض الإخوان عبر تاريخهم السياسى لاختبارات حادة بهدف اكتشاف مدى قدرتهم على التعاطى مع النظام العالمى الميكافيلى، وهل لديهم موانع من التطبيع مع هذا النظام أم لا؟ وقد كانت الجماعة فى كل مرة تسارع الخطى لتقديم نفسها فى "ثوب متعلمن" يعطى بالمجان ما يُطلب منه وزيادة.
 
نخلص من هذا العرض السابق أننا فى مصر لم تمر علينا تجربة سياسية قائمة على أسس شرعية صحيحة، وتجربة الإخوان هى التجربة الوحيدة التى وُجدت تحت اسم الممارسة الإسلامية للسياسة، ولكنها للأسف لم تلتقَّ مع التجربة الإسلامية فى كثير من المنطلقات والمبادئ، وزاد الأمر صعوبة أن هذه التجربة قد انحرفت بعد ذلك انحرافًا خطيرًا جرها إلى منطقة العنف وإلى مربع استخدام القوة، فشوهت الفكرة التى كانت تحملها وشككت الجميع فى مصداقية هذا المنهج ومدى صلاحيته لممارسة السياسة من الأساس.
 
صُدم الجمهور فى جماعة الإخوان مرتين، الأولى عندما اكتشف أن شعار "الإسلام هو الحل" كان شعارًا انتخابيًّا محضًا، كما كان مشروع النهضة حبرًا على ورق، ومن هنا جاءت صدمة التستر خلف الدين واستخدامه لجلب الأصوات بغض النظر عن جدية الالتزام به، والصدمة الثانية عندما تحولت الجماعة إلى وحش كاسر يدمر ما حوله فى الصراع الدامى على الكراسى، وقد كانوا دائمًا ما يعيرون غيرهم بأنهم يحرقون أوطانهم رغبة فى الحكم، فإذا بهم يفعلون ذلك.
 
ثالثًا: كيف تجنب حزب النور السياسة الميكافيلية في الممارسة السياسية؟
نقول: لماذا يُصر حزب النور على البقاء فى المشهد السياسى حتى الآن رغم ضبابية صورة المستقبل؟
 
والإجابة: أن حزب النور لديه مشروع سياسي جديد، ليس جديدًا بمعنى أنه مخترع، ولكنه لون مختلف عن الأطياف السياسية الموجودة، الإسلامية منها وغير الإسلامى، هذا اللون يسعى بقوة ليحفر لنفسه خندقًا ثابتًا يبرهن فيه للدنيا، أنه ثمة ممارسة سياسية نظيفة، وأنه ليس شرطًا أن تتخلى عن مبادئك لكى تنجح فى المنافسة السياسية، وأن السياسة فى ذاتها بريئة من تهمة القذارة والحقارة وغيرها، إنما ينظفها أو يدنسها من يزاولها ويتعامل بها، ومن هنا يسعى حزب النور لخلق نوع جديد من الممارسة السياسية القائمة على مبادئ الشريعة الإسلامية، والتي لا ترى تعارضًا بين أن يكون السياسي محترفًا وماهرًا وأن يكون خلوقًا ومنضبطًا.
 
وتحت هذا العنوان العريض، يتفرَّع عن ذلك عدد من الأهداف الكبرى تتمثل فيما يلى:
1- واحد من أهم الأهداف الاستراتيجية الكبرى للحزب أن يسعى للحفاظ على تماسك الدولة المصرية ووحدتها، وحمايتها من مخاطر الانهيار أو الانقسام أو التفكك، وذلك من منطلق إدراكه للمخاطر الحقيقية المحيطة بالدولة المصرية وبالأمة العربية ككل.
 
2- يقوم الحزب على دعم الدولة المصرية من ناحية العناصر الأساسية اللازمة للبقاء، وذلك بخلاف كون الحزب يتوافق مع النظام الحاكم أم لا، وبالتالى فدعمه للدولة لا يعنى دعمه للنظام، كما أن معارضته للنظام لا تعني رغبته فى إسقاط الدولة.
 
3- يسعى الحزب إلى إنقاذ الدولة من براثن التدخل الأجنبى والهيمنة الخارجية، عن طريق اتحاد الدول والشعوب العربية وخصوصًا دول الجوار لمواجهة عواصف الفوضى الهدامة ومحاولات تمزيق خريطة الدول العربية والإسلامية.
 
4- الحزب له دور رئيسي فى الحفاظ على هوية الدولة المصرية وحمايتها من العبث، وتفعيل مواد الدستور التى تنص على مرجعية الشريعة، مع ترسيخ مبدأ أن يكون التشريع متوافقًا مع الشريعة وألا تكون القوانين متعارضة معها.
 
5- حزب النور هو الكيان الأمثل بالنسبة للأقباط، نظرًا لما يتمتع به الحزب من الوضوح والصراحة، والجمع بين احترام كل إنسان للعقيدة التى يؤمن بها دون أن يفرض على الآخرين الاعتراف بها، كما أنه يرفض أن تكون العقيدة محلًّا للمجاملة أو المساومة، ومن هنا جاء استقباله لبعض النصارى لممارسة السياسية تحت مظلة الحزب التى تجعل مرجعية الشريعة هى المنطلق فى العمل السياسى، ومما يشهد للحزب بذلك أن النصارى فى أكثر من مكان يذهبون  لقادة الحزب طلبًا للتحكيم عند النزاع سواء مع المسلمين أو بين بعضهم البعض.
 
6- حزب النور كان ولا يزال من أكثر الكيانات إدراكًا لمخاطر الفتنة الطائفية، والتى كان يقف ورءاها فى الماضى جهات مشبوهة تستغل الجهل وتوقد نار العداوة والحقد، ويؤكد أن التعامل الإعلامى الخاطئ هو أحد مسببات هذا الأمر، لذا فالوطن فى مخيلة حزب النور له مرجعية عليا هى الشريعة يعيش فيه المسلم وغير المسلم منضبطًا بهذه المرجعية دون أن يكون هناك أدنى تدخل فى حرية ممارسته لشعائره الدينية فى أماكن عبادته.
 
7- حزب النور يوفر فرصة للنساء لكى يمارسوا السياسة بشكل منضبط لا يوجد فيه اختلاط ولا تنازلات شرعية، مع توظيف ما لديهن من قدرات إبداعية وطاقات مخزونة فى خدمة قضايا المرأة فى شتى مناحى الحياة.
 
8- حزب النور هو الصوت الإسلامى الوحيد فى الممارسة الإسلامية الحالية، وعدم وجوده فى المشهد يعنى العودة إلى أن تكون السياسة حكرًا على ثلة من العلمانيين الأقحاح، وطلاب المناصب، وتجار المال السياسى مما يرسخ للقاعدة التى وضعوها أن السياسة لعبة قذرة، بالإضافة إلى أن انسحاب حزب النور من المشهد يعنى كتابة شهادة وفاة للتجربة الإسلامية فى السياسية.
 
مستقبل حزب النور السياسي في ظل الحالة الراهنة:
كما ذكرنا عبر فقرات المقال المختلفة أن الحزب لديه مشروع إصلاحى كبير، ويسعى لإيجاد نموذج جديد ومختلف فى الممارسة السياسية، ويرى ذلك واجبًا دينيًّا ومهمة شرعية لا يمكنه التخلي عنها، ولكنه فى المقابل يدرك أثر تغير موازين القوى فى القدرة على التسويق لهذا النموذج، ويدرك أيضًا مدى التخبط والاهتزاز الذي لحق بالممارسة السياسية خلال الخمس سنوات الأخيرة.
 
ومن هنا فالحزب لا يمكن أن يحصر نشاطه السياسى فى الانتخابات فقط، بل إن الحزب يرى أن دوره التوعوي فى المجتمع مهمة وطنية خطيرة تقاعس الكثيرين عن تأديتها، ولا يمكن ربط مشروعه الإصلاحى بمدة زمنية معينة، فنحن متعبدون ببذل الجهد، أما النتائج فليست لنا دخل بها لا كمًّا ولا كيفًا ولا زمنًا.
 
وليس من منهجه كذلك أن يفرض آراءه بالقوة، لأن المجتمع الصالح لابد أن يُبنَى على قاعدة صلبة من القناعات والمبادئ التى يتحرك بها الناس طواعية دون فرض أو إكراه من أحد.
 
وليس من منهجه كذلك أن يسعى لتغيير الواقع عبر تغيير قمة الهرم دون استعداد أو تأهيل للقاعدة الشعبية لتتفاعل مع هذا التغيير وتؤمن به، لذا فإن الأحزاب السياسية الحالية -فى معظمها- لا تصنع وعيًا ولا تنشر ثقافة ولا تختلط بالجماهير ولا تتفاعل معها، لأن أغلبها أحزاب نخبوية مكتبية تعمل بطريقة موسمية من أجل الأصوات الانتخابية فقط.
 
وبالتالى فلا ينبغى أن يربط أبناء حزب النور مستقبلهم السياسي بشكل الممارسة البرلمانية للحزب، والتى بطبيعة الحال تتأرجح زيادًا ونقصانًا حسب عوامل كثيرة ومختلفة من زمن لآخر ومن نظام لغيره.
 
حزب النور ماضٍ بإذن الله فى طريقه لا يعيقه عن تحقيق أهدافه شيء مهما كانت الظروف والأحداث، ومهما كانت التحديات والعقبات، لن نعلق آمالنا على مقعد فى برلمان أو فى غيره، ولن نلتفت لمكر هنا أو كيد هناك، إذ كل هذه الآلام تهون وتتلاشى ما دمنا متمسكين بمبادئنا، محافظين على مصداقيتنا أمام مجتمعنا، فرضى الله أولًا، ثم علاقتنا الطيبة بشعبنا الكريم، وما سوى ذلك فهى أمور سجال، تأتى لنا مرة وتذهب لغيرنا أخرى.
والله ولى التوفيق.