م. سامح محمد بسيوني - إشراقات رمضانية - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد،
فقد تمر آيات القرآن على الإنسان مرات ومرات ولا يلتفت إليها ولا إلى ما تحمله من معان وفتوحات، وما ذلك إلا لقسوة القلب وتغلب الذنب وسوء النفس، وقد يمنّ الله على أحدنا فتقع آية في قلبه رحمة له من ربه، لاسيما في مواسم الرحمات؛ فيستشعر بذلك سابق مرضه ويعرف أصل قيده، فيبكي على نفسه، ويتضرع لربه أن يمن عليه ويفك قيده ويفيض عليه من بركاته.
 
ولما كان رمضان شهر القرآن كان جلاء القلوب أسرع، لاسيما مع فضل الله على الإنسان بتتابع القرآن على القلب في التراويح والقيام.
 
وكان من الحكمة أن يقيد أحدنا ما قد يجده في قلبه من معان في بعض الآيات بعد رجوعه إلى معانيها من مظانّها في كتب التفسير، لعله يرجع إلى ما خطته يداه بعد ذلك فيعرف فضل الله وتعلو همته لمداومة العمل بها والاستمرار على ما كان منه في أحوال رمضان.
 
وها هي بعض الوقفات أشارك إخواني فيها لعل الله أن يعم نفعها ويفتح بها قلوبنا لتدبر كتاب ربنا ويحرك بها جوارحنا لنداوم علي العمل بها
 
إشراقة (1)
 
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان }
 
خُص رمضان بالقرآن ، وخصت الهداية بالقرآن، فمن اجتمع له شرف الزمان في رمضان ووفق لحسن التعبد فيه بالقرآن جُمعت له أسباب الهداية والإكرام؛ واستبان له الحق بأوضح بيان.
 
فاللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا.
 
إشراقة (2)
 
{ إِنَّ فِي هذا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ }
 
إن في هذا القرآن وفيما يذكر فيه من آداب وهدايات وعقائد وتشريعات لبلاغا وكفاية في الوصول الى الحق لقوم عابدين.
 
وخص العابد لأنه يكون أقرب إلى خشوع القلب ونقاء النفس مهيئا للتلقي والتدبر والانتفاع.
 
جعلنا الله وإياكم من عباده المخلصين الصادقين
 
إشراقة (3)
 
{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ }
 
القلب والنفس بذاتهما مظلمتان، فيهما من الجهل والظلم مالا يدفع إلا بالنور والهدى الذي يقذفه فيهما مولاهما ويمنحه إياهما لاسيما في أوقات الفتوحات بمواسم الخيرات.
 
لذا فمن لم يهده الله مع منة ربه عليه بهذه النفحات فلا هادي له وهو هالك جاهل حائر بائر في الدنيا والاخرة.
 
فاللهم لا تكلنا إلا أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك؛ فإنك إن تكلنا إلى أنفسنا تكلنا إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة وإنا لا نثق إلا برحمتك.
 
إشراقة (4)
 
{قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً}
 
الشاكلة: الطريقة والسيرة التي اعتادها صاحبها، ونشأ عليها.
 
قال الفراء: على طريقته التي جبل عليها.
 
وقيل: على السبيل الذي اختاره لنفسه.
 
فليختر أحدنا لنفسه؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم:
 
كما لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا ينزل الفجار منازل الأبرار، فاسلكوا أي طريق شئتم، فأي طريق سلكتم وردتم على أهله.
 
[أخرجه أبو نعيم في الحلية- حسنه الألباني]
 
فاللهم بلغنا وإياكم منازل الأبرار و اجمعنا وإياكم برفقة نبينا المختار صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا.
 
إشراقة (5)
 
لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)
 
أهل الباطل لا يبكون على شيء، وأصحاب الحق يراجعون أنفسهم ويجاهدونها خوفا من رب كل شيء.
 
فاللهم إنا نعوذ بك أن نقول زورا أو نخشى فجورا
 
إشراقة (6)
 
{ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  }
 
من جاهد نفسه واتبع وصايا ربه تبدلت أحوال القلوب لأجله و حاز مفاتيح الفرج في الدنيا و الثواب العظيم في الأخرة.
 
فانظر رحمني الله وإياك إلى قوله
 
{ادفع بالتي هي أحسن}
 
ففيه من المجاهدة والدفع والمشقة والصبر على مخالفة النفس الأمارة بالسوء ما الله به عليم
 
وقوله:
 
{فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}
 
ففيه من تغير الأحوال وتبدلها ما تحار فيه العقول؛ فمن أقصى درجات الكره (العداوة) إلى أقصى درجات الحب (الولاية)؛ فيا سبحان الملك عطاء من ربك سريعا علي ما كان من مجاهدة للنفس ومشقة علي مخالفتها.
 
:وقوله
 
{ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }
 
ففيه اصطفاء و بركة في الدنيا والأخرة ،فالصبر (مفتاح الفرج) في الدنيا، والحظ العظيم (الجنة) في الآخرة.
 
قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم.
 
وقال عمر بن الخطاب: "ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه"
 
وقال الشاعر:
إن العداوة تستحيل مودة ... بتدارك الهفوات بالحسنات
فاللهم اجعلنا من أهل الصبر والحظ العظيم.
وللإشراقات بقية بمنة الله ورحمته إن أفاض علينا وكان في العمر بقية.