م. أحمد الشحات - مجتمع العنف والرذيلة في دراما رمضان - بوابة الفتح الالكترونية
م. أحمد الشحات
2016-07-17 08:55:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:-
تُرى أكان صناع الدراما صادقون فيما ادعوه من أن أعمالهم الفنية هى صدى تطبيقي لما يدور فى المجتمع؟، وأن الدراما كي تعالج قضية ما لابد أن تصورها كما هي بكل مؤثراتها الواضحة وأحداثها الفاضحة؟، متعللين بأن هناك توجيه يأتي فى نهاية العرض –إن كان ثم ذلك– بالترهيب من هذه السلوكيات والتحذير منها؟.
 
فإذا أرادوا مثلا أن يعالجوا قضية المخدرات وانتشار تعاطيها بل والاتّجار فيها بين الشباب، تجدهم يصورون حياة هؤلاء بكل ما فيها من تفاصيل وإثارة وعوامل جذب وفتنة، تجعل المشاهد يذوب فى مجتمعهم ويتعايش مع بيئتهم ويتعلق بأشخاصهم، وتمثل حلقات المسلسل أفضل دعاية لشرب المخدرات وتعاطيها، ثم يأتي التوجيه في نهاية المسلسل وفي حلقته الأخيرة -ذرّاً للرماد في العيون-، أن هذا التاجر قد مات بجرعة مخدر زائدة، أو في أثناء إجراء صفقة خاسرة، أو أثناء تبادل لإطلاق النار مع الشرطة، وهم يزعمون أنهم بذلك قد عالجوا القضية وحذّروا منها.
 
كذلك في قضية العِرضِ والشرف، تجد المسلسل يصور حياة العاهرات والداعرات، ويعرض كافة تفاصيلها، وربما صورتهن الكاميرا وهن يمارسن الجنس أو مقدماته، ولا يفوت المخرج أن يجعل المشاهد متعاطفاً معهن، فهذه طردتها أسرتها وألجأتها إلى ذلك، وهذه تشتكي قسوة معاملة أخيها أو أبيها ففرت من المنزل من أجل ذلك، فلم تجد سوى طريق الرذيلة لتقتات منه وتعيش، وهذه مات عائل أسرتها وزوجها فاضطرتها ظروف الحياة أن تأكل بثدييها.
 
هذا هو وضع دراما المسلسلات في هذا الشهر الفضيل، هذا هو الشهر الذي من المفترض أن يتسابق فيه الجميع نحو الطاعة والعبادة ويهجروا ما ألِفوه من فضول العادات والمباحات، وهذه هي المسلسلات التي كان المشهور عنها قديماً أنها تكون في غالب الأحيان بعيدة عن الإسفاف والانحطاط، لأنها تدخل كل بيت، ويشاهدها أفراد الأسرة مع بعضهم البعض، هذا المشهور أصبح مغموراً في ظل السباق المحموم بين صناع الدراما حول تقديم كل ما من شأنه أن يغري ويثير.
 
ومن باب شهد شاهد من أهلها، وحتى لا نُتهم أننا ننظر إلى الأمور نظرة متعسفة ومتشددة؛ فلننظر إلى النُّقّاد المعتدلين في هذا المجال، لنرى مدى تقييمهم لما يطرحه التلفاز من مواد الإثارة في رمضان.
 
يقول أحمد العقدة تحت عنوان: " دراما رمضان 2016.. البروموهات جاهزة والمشاهد 18+ ":
 
"حفلت المشاهد الأولى عن الأعمال بمشاهد تُصنّف على أنها +18، سواءً من ناحية العنف، أو المشاهد المليئة بالإيحاءات الجنسية ومشاهد الرقص والتعري التي صوّرت في الملاهي الليلية، ورغم تنوع القضايا والأحداث التي تتناولها الأعمال، فإن عالم الليل والمخدرات حجز مكانه في صدارة عدد من المسلسلات، والتي تطرق بعضها للألفاظ الجريئة وعرض مشاهد العنف والبلطجة، وتعدد العلاقات النسائية وتعاطي المخدرات "[1].
 
وكتب عماد الدين صابر تحت عنوان: "دراما رمضان .. قليل من الفن، كثير من العنف":
 
"شعور بالاشمئزاز أصابني، خلال مشاهدتي لبعض الأعمال الدرامية، بعد خلو أكثريتها من مضامين ومحتويات هادفة، وبروز الحوارات المتردية والمتدنية التي حوتها، والايحاءات الجنسية، والألفاظ السوقية، والرقص والعري، وشرب الخمور، التي بنى صانعوها أعمالهم عليها، بهدف جذب المشاهدين، دون أي اعتبارات لحرمة شهر رمضان الكريم، وهو الأمر الذي يجعلنا نتساءل: أين هيئة الرقابة على المصنفات من هذا العبث الذي يدمر الفن المصري؟ .. ومن المسئول عن تصدير صورة مصر بالشكل السيء؟ .. وهل هناك مخطط غير معلن لتدمير القيم والأخلاق؟.
 
مما لاشك فيه أن الدراما في رمضان تغرد خارج السرب كما هو الواقع، فبدلاً من أن تساهم في تنشئة وبناء المجتمع، وتعزيز العادات والتقاليد والقيم الإيجابية، وإعلاء قيمة العمل، نراها تفعل عكس ذلك تماما، وهو ما يحدث الآن عبر كثير من المسلسلات التي تعرض حاليا على شاشات الفضائيات.
 
وعليه أصبح مطلوبا وبشكل فوري، وقفة جادة من الدولة لإجبار كُتّاب الدراما على الالتزام بميثاق شرف أخلاقي وفني، لتجنب تكرار مثل هذه المشاهد التي تخدش حياء المشاهدين، والتي تمثل خطرا حقيقيا على الأسرة والمجتمع "[2].
 
وقد اتهم المخرج والكاتب الإذاعي المصري رضا سليمان بعض مسلسلات رمضان، في بلاغ للنائب العام بنشر الرذيلة والألفاظ السوقية، وقال سليمان: "إن هذه النوعية من المسلسلات، تقضي على ما تبقى من أخلاق، ما يجعل الدراما مِعولاً للهدم، خاصة أنّ العمل يذاع في رمضان، دون مراعاة لآداب الشهر الفضيل.
 
وجاء فى موقع عيون، تحت عنوان: "الجنس والعنف شعار دراما رمضان":
 
"بعدما طرحت معظم شركات الإنتاج الإعلانات الترويجية للأعمال الدرامية في رمضان ، لفتتنا جرأة المشاهد الساخنة إلى جانب مشاهد العنف، وكأنهم يضعون عنواناً عريضاً لأعمالهم وهو رمضان تحت شعار العنف والإثارة، كاسرين التابوهات "السياسة – الدين – الجنس" ليحققوا ثورة من نوع خاص، يشكل الجسد فيها باستعراضه وإثارته حيزاً كبيراً لاستقطاب أكبر شريحة من المشاهدين.
 
ويبدو في النهاية أن موضوعات الدراما تشهد تحولاً جذرياً من حيث الطرح والتصوير والفنيات والدخول إلى غرف النوم، بل أكثر من هذا تصوير أحلام اليقظة ودغدغة الكبت الذي يعانيه شبابنا العربي".
 
إذن اتفقت كلمة الجميع من نقاد وكتاب وصحفيين أن أعمال الدراما أصبحت تقوم على محورين ثابتين، يتكرران في معظم الأعمال المعروضة، وهما الجنس والعنف، فإما أن تتلون الشاشة بالدماء فتنشر صور القتل البشع والإجرام الفظيع، والقسوة اللامتناهية، وإما أن تصور المشاهد العارية واللقطات الفاضحة في الملاهي الليلية وغرف النوم، متتبعين قصص الخيانة الزوجية، والانحراف الجنسي للشباب والفتيات قبل الزواج، وصولاً لتصوير العلاقات الشاذة بين الرجال والرجال، وبين النساء والنساء!!
 
هكذا ينظر ثلة من شُذّاذ الفكر والسلوك إلى المجتمع المصري المسلم الشرقي المحافظ -سمّوه كما شئتم-، لا أتطرق هنا لقضية الالتزام والتدين، وأن المشهور عن الشعب المصري أنه متدين بفطرته، بل أتطلع إلى تطبيق الحد الأدنى من المحافظة على العادات والتقاليد، وإلى المحافظة على الحياء!!
نعم، الحياء !!
 
الحياء الذي صورته أعمالهم القذرة أنه من موروثات الماضي البالية، وأنه لا مكان لهذه الكلمة في قاموسنا بعد اليوم، فانطلقت القاذورات من أماكنها العفنة لتنشر رائحتها الكريهة على عموم الخلق، وظهر أثر هذا الانحلال سريعاً على جيل كامل من الشباب والفتيات، في ألفاظهم، وملابسهم، وأفكارهم وسلوكياتهم.
 
لا أدري، من الذي يمكن أن نخاطبه في هذا البلد لكي يوقف هذا الإجرام وهذا الانهيار؟!
 
موضوع الأخلاق، "أمن قومي" يا سادة !! فإذا لم نتحرك فنحن على موعد مع سقوط حادّ ومدمر، لا يمكن إيقافه ولا معالجة آثاره.
 
أريد أن أسأل عن دور الأزهر، تلك الجامعة العريقة التي من مهامها الحفاظ على الدين والقيم والأخلاق، أود أن أهمس في آذان المسئولين هناك بأن الأعمال الدرامية المصرية أصبحت ذات تصنيف عربي مميز، في باب الجرأة والإثارة، وأن هذه الأعمال تُعرض في بلد الأزهر، وفي مدينة الألف مئذنة.
 
أريد أن أسأل عن دور الإفتاء ووزارة الأوقاف، وهل كان للأئمة والوعّاظ دور في تحذير الناس من هذا الإجرام العلني، أم أن الوزارة لديها ما يشغلها عن محاربة الفسق والعري والفجور؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] هافينغتون بوست عربي  .


[2] الاهرام اليومي.