م. أحمد الشحات - إنقلاب "أنقرة" بين بائعي الوهم ومدمني الشماتة - بوابة الفتح الالكترونية
م. أحمد الشحات
2016-07-25 18:27:34

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:

في هزيع الليل، ووسط سكون المدن، وخلود المواطنين إلى النوم، قامت بعض فصائل الجيش التركي بإعلان توَلّيها مقاليد الحكم في البلاد، وتم الاستيلاء على مبنى الإذاعة والتليفزيون وإصدار البيان الأول منه، ولكن الانقلاب العسكري لم يستمر سوى ساعات قليلة، وبعدها توالت الأخبار عن إفشاله والقبض على القائمين عليه من جانب القوات الموالية للرئيس أردوغان.

 

بدأت الأحداث في مساء الجمعة الماضي الموافق 15/7/2016 حيث تحركت قوات من الجيش التركي (القوات الجوية - قوات المشاة) وأغلقت جسر البوسفور، مدعومة بعدد من المروحيات التي أطلقت النار على مقر المخابرات العامة ومبنى رئاسة الأركان التابعة للجيش التركي، مما أدى إلى اعتقال رئيس الأركان خلوصي آكار. وبعدها سيطرت تلك العناصر على مبنى التلفزيون وأعلنوا بياناً قالوا فيه أنهم سيطروا على مقاليد الحكم في تركيا، وأعلنوا الأحكام العرفية مستندين في بيانهم على اتهام حكومة "أردوغان" بالإضرار بالنظام العام للدولة.

 

وبعد إعلان البيان بدقائق ظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مداخلة عن طريق الإنترنت دعا خلالها الشعب التركي للنزول للميادين والتوجه لمطار "أتاتورك" وحماية الشرعية. وما هي إلا دقائق حتى توافدت أعداد كبيرة من المواطنين الأتراك إلى الشوارع رافضين تحرك الجيش. ومع منتصف الليل جاءت أولى الأصوات المؤيده لأردوغان من داخل الجيش، حيث أعلن قادة الصف الأول من الجيش التركي (القوات الخاصة – البحرية - الجيش الأول التركي) تبرؤَهم من الإنقلاب وولائهم للنظام، وقاموا بنشر قواتهم لردع قوات الإنقلاب، وحدثت مواجهات مسلحة جوية وبرية.

 

تطورت الأحداث بشكل سريع، وبدأت خسارة قوات الجيش التي أعلنت السيطرة على مقاليد الحكم، حيث أسقطت مقاتلات موالية لأردوغان طائرة تابعة للقوات المتمردة كما بدأت الشرطة في القبض على جنود تابعين للمتمردين، وبدأ المواطنون الأتراك التوجه نحو مقر التليفزيون الرسمي الذي سيطر عليه مجموعة من الجيش، وبعد دقيقة واحدة تم الإعلان عن تحرير رئيس الأركان خلوصى آكار من يد قوات الجيش المتمردة.

 

أعلن بان كي مون، رفض الأمم المتحدة لتحرك الجيش، وبعدها بخمسة عشر دقيقة أعلن رئيس الوزراء التركي القبض على عناصر وراء تحرك الجيش، وإقلاع طائرات عسكرية للتعامل مع مقاتلات القوات المتمردة. ثم أعلن رئيس الوزراء التركي السيطرة على الأوضاع من قبل القوات الرافضة لتحرك الجيش، وانتهت حركة التمرد في غضون ساعات.

 

 وفي يوم السبت اتهم أردوغان، حليفه السابق "غولن" المقيم في منفاه الاختياري في الولايات المتحدة منذ 1999 بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، وقال في كلمة ألقاها مساء السبت أمام آلاف من مؤيديه الذين احتشدوا في اسطنبول وسط أجواء حماسية "أتوجه إلى أميركا، أتوجه إلى الرئيس "باراك أوباما".. سلِّمنا هذا الشخص". حيث  اعتبر أردوغان محاولة الانقلاب "خيانة"، محملا أنصار "غولن" المسؤولية. وشدد في تصريحاته على أن الجيش التركي "سيشهد عملية تطهير لتنظيفه من الانقلابيين".

 

في المقابل لم يستبعد "غولن" أن يكون "أردوغان" نفسه هو من دبر المحاولة الانقلابية بقصد تثبيت دعائم حكمه، معتبرا أن هذا "الأمر ممكن". وقال "كمؤمن لا يمكنني أن أرمي الاتهامات بدون براهين، ولكن بعض القادة يدبرون هجمات انتحارية وهمية لتعزيز دعائم حكمهم وهؤلاء يدور في مخيلتهم مثل هذا النوع من السيناريوهات".

 

من بعدها قامت السلطات التركية باعتقال ما يقرب من تسعة آلاف من العسكريين منهم 100 من الجنرالات وكبار ضباط القوات المسلحة، وأقالت نحو ثلاثة آلاف قاضٍ ومدعٍ عام والعشرات من أعضاء المحكمة الادارية العليا، وأعضاء محكمة النقض. كما تم إيقاف 1500 من موظفي وزارة المالية، من مختلف الأقسام والدرجات الوظيفية، عن العمل بشكل مؤقت.

 

إلى هنا انتهى القدر الثابت والمشهور من المعلومات العامة التي تم تداولها على المواقع الإخبارية، وغيرها من وسائل المعلومات على الشبكة العنكبوتية، ومنذ ذلك الحين والتحليلات السياسية لم تتوقف، مدعومة بعدد لا بأس به من التكهنات والشواهد، وكذلك بعدد كبير من التخمينات والتوقعات، وكالعادة وقع كثير من الناس فى فخ "الرأي والرأي المضاد"، مع ما يتبع ذلك من تعصبات وتحيزات ظاهرة لا يكاد أحد يخفيها.

 

والحقيقة المؤكدة أنه ليست هناك معلومة مؤكدة، فحجم التضليل الإعلامي كبير جداً، ومواقع التواصل الاجتماعي تُدار عبر كتائب المؤيدين والمعارضين، بما لا يدع للشخص المحايد فرصة جادة لكي يبني من خلالها موقفاً سليماً أو يؤيد فكرة صحيحة.

 

وبالتالي فليس الهدف من المقال أن ننتصر لرأي أو ندعم تحليلا أو نؤيد توجها، فما زالت الأحداث ضبابية، والرؤى غير واضحة، وآلات التضليل الإعلامي تمارس عملها بمهارة وإخلاص، ولسنا ملامسين لما يدور على الأرض، وبالتالي فالموقف الصحيح هو التريث والهدوء حتى تتكشف الأمور.

 

نعم، هناك موقف مبدأي من الأحداث في ضوء المعلومات العامة المتوفرة للجميع، وهو ما عبر عنه بيان حزب النور بقوله:- "يحرص حزب النور على سلامة ووحدة الشعب التركي واستقراره، ونحمد الله أن جنب تركيا خطر الإقتتال والاحتراب الداخلي، وعصم وحفظ دماء ابنائها الذين اصطفوا جميعاً صفاً واحداً لتجاوز هذه المحنة وعبور هذه الأزمة بوعي وإدراك ومسئولية."

 

وبالتالي فليس الهدف من المقال تحليل الخبر، وإنما التعليق على بعض توابع الخبر، لنرى كيف تعاملت معه الأطراف المختلفة.

 

من ذلك، عدم قدرة كثير من الناس على مراقبة وضبط مشاعرهم، ولعل هذا الأمر من أخطر ما يُعرض شباب الصحوة الاسلامية للهلاك والضياع؛ فكثير من الناس تستفزه بدايات الأشياء، ولا يكون لديه من الحكمة والتريث والعقل ما يجعله يكبح جماح مشاعر غضبه أو فرحه.

 

والبعض يغيب عنه أدب التثبت والتحري، فيحدث بكل ما يسمع، وينقل كل ما يأتيه، ويردد ما يردده غيره، بلا تثبت فى معرفة الخبر ولا تحقق من صدق قائليه، ويغرق المجتمع في فوضى لا خطام لها ولا زمام.

 

إلا أن أبشع ما وقعت فيه النخبة المثقفة والجماعات المؤدلجة، وكثير من الإعلاميين والكتاب والصحفيين هو غياب الإنصاف والموضوعية، وغلبة الانحيازات الحزبية أو الفكرية على أبسط قواعد العدل ومبادئ الشفافية.

 

فهناك فريق من الكارهين لأردوغان وإدارته، بمجرد ما تواترت الأخبار بحدوث الاضطرابات في تركيا إلا وكانت الشماتة عنوان كلماتهم ومفتتح أحاديثهم، مع التلذذ بالتندر عليهم والتشفى فيهم، في سلوكيات مراهقية غاب عنها الخلق والمروءة، كما غابت عنها النزاهة والحيادية.

 

فليس هناك أي منطق يسمح بأن يفرح الإنسان بأن بلاداً شقيقة يثور فيها نزاع على السلطة، وتنزل فيها قوات الجيش إلى الشوارع؛ فالمنطق الإنساني يرفض ذلك ويأباه لأن الآلة العسكرية أداة قتل وفتك، ومتى نزلت فى مواجهة الشعوب فهناك مذابح بشرية وأنهار من الدماء من المتوقع أن تسيل، ولو نزلت فى مواجهة البعض من الشعب ومباركة البعض الآخر فهناك موعد مع حرب أهلية طاحنة تنتهي أيضاً على تلال من الجثث والأشلاء، ولو نزلت هذه القوات لتواجه بعضها البعض فهنا بداية مسلسل الانهيار والحروب المستدامة ومخاطر التقسيم والانفصال، فأيّ مصير مما سبق فرح به الشامتون وتهللت له أساريرهم؟!

 

ولو أعملنا منطق شرعية الصندوق ومباديء الديمقراطية التي يصدعوننا بها ليل نهار فهل تقبل مبادئُهم الديمقراطية أن تترك القوات المسلحة مهمتها الأساسية في حفظ البلاد وحماية الحدود لكي تنقضّ على سلطة شرعية أتت من خلال الصندوق في ظل انتخابات تتحلى بالنزاهة وغياب التزوير، وبدون أن تكون هناك اضطرابات داخلية أو أعمال احتجاجية من الشعب تستدعي تدخل القوات المسلحة تحت دعوى حفظ البلاد من الانهيار والفوضى.. أم هل الديمقراطية عندهم كصنم العجوى، على قدر ما يخلصون فى عبادته على قدر ما يسارعون في التهامه عندما يحتاجون لأكله؟!

 

على الجانب الآخر هناك طرف لا يقل خطراً ولا خللاً عن هؤلاء، وجد في الأحداث فرصة سانحة ليعطي من خلالها قبلة حياة لمشروعه الفاشل الذى بدأه منذ ثلاثة أعوام، فكأنه يريد أن يقول لأتباعه ها هي الانقلابات العسكرية تسقط، بل وتسقط فى سويعات قليلة، وبالتالي لم نكن مخطئين عندما قررنا مواجهة الانقلاب والوقوف أمام الجيش، فقد كنا على حق، والدليل هو ما حدث في تركيا!!

 

إذن فلماذا لم تحققوا نفس النتيجة طالما كان اجتهادكم صحيحاً؟، هنا تأتى الكلمة السحرية: "إنه الشعب، هناك شعب واعٍ مثقف متحضر، وهنا شعب مغيب مضلَّل لاحس للبيادة عاشق للذل"، وأعف أسماعكم عن أن تسمعوا باقي الأوصاف التي كأنها خرجت لتوها من "بالوعة للمجاري" أو مستنقع للقاذورات.

 

والحقيقة أن أحداث تركيا شاهدة عليهم لا لهم، وهي تؤكد القاعدة ولا تنفيها من الوجوه التالية :-

1)  لم يكن جيش تركيا على قلب رجل واحد في الانقلاب على "أردوغان"، بل كانت إحدى فصائل الجيش تقف وحدها أمام باقي الجيش، لذا كان أداؤهم ركيكا للغاية، فهم لم ينسقوا جيدا مع قادة الجيش الآخرين من أجل خلق مؤيدين كثر للحركة العسكرية، كما لم يكن هناك زعيم للانقلاب يلتف الجميع حوله، وبالتالي فما تم "محاولة متهورة" لا ترقى أن تكون انقلابا مكتمل الأركان، خصوصاً أننا أمام جيش له تاريخ عريق في الانقلابات العسكرية.

 

2)  كانت أجهزة الأمن الأخرى فى قبضة الرئيس؛ فالمخابرات والحرس الجمهوري والشرطة المدنية لم تكن مع الانقلاب، بل ساهمت في إنهائه سريعاً، فضلاً عن الجزء الأكبر من قوات الجيش الذي دفع بمعداته العسكرية لاحتواء حركة المتمردين.

 

3)  أما الشعب، فلم يكن غالبيته العظمى في عداء مع الرئيس؛ لاقتناعه أولا أنه جاء عبر الصناديق الصادقة، ولأنه حقق له أعلى معدلات الرفاهية والاستقرار والتقدم، ولأنه كان نائماً في بيته ولم يبيت النية للثورة على النظام ولا الانقلاب على الرئيس، ولأنه عانى من ويلات خروج البلاد عن المسار الطبيعي؛ فكان خوفه من الانقلاب حتى مع بغضه لأردوغان كخوف بعض الشعوب الأخرى من الثورة رغم غضبها من الأوضاع.

 

4)  ويبقى أن الشعب هناك لم يواجه الجيش بصدور عارية، بل واجهه كشعب –وليس كفصيل أو تيار– ومعه قوات الشرطة بكافة تسليحها، وقوات الجيش بكامل عتادها، وإلا فمن ينوي الانقلاب لا يعود إلا بعد أن يحقق هدفه حتى لو كلفه ذلك ما كلفه من الدماء، لأنه إما أن يفعل وإما أن يُفعل به، وهذه سنة الانقلابات.

 

أما عن الطريقة التي أدارت بها جماعة الإخوان الصراع مع الجيش في مصر قبل 3/7 ، فقد تناولناها كثيرا قبل ذلك، ولكن يكفي هنا من باب التذكير أن الجيش قام بإذاعة بيان رسمي يوم 24/6 وقال فيه أنه يمهل الرئاسة والمعارضة أسبوعاً ليصلوا فيه إلى حل للأزمة القائمة بينهم، ولم تنتبه الجماعة، بل جاء خطاب الرئيس مادحاً قوات الجيش "اللي زي الدهب"، ورجال الشرطة "اللي مش بيناموا".

 

ولما نزلت الملايين فى الشوارع يوم 30/6 ، رأت الجماعة أنهم 5 آلاف مأجور -فقط- سينصرفوا إلى جحورهم آخر اليوم، وانتهت مهلة الأسبوع، وجاءت مهلة أخرى من الجيش مدتها 48 ساعة فقط، أقنعت الجماعة أتباعها أن بيان الجيش موجه للمعارضين، وجاء "المانشيت" الرئيسي لجريدة الحرية والعدالة فى الصفحة الأولى : "الجيش يحمي الشرعية" .

 

فكيف نقارن رئيسا ناجحا محبوبا من أغلب شعبه، معه 10 سنوات من الانجازات الحقيقية، بالإضافة إلى أن مؤسسات الدولة معه وتؤيده، في مقابل من قام بالتمرد من شرذمة قليلة من الجيش شعرت أن مصالحها معه مهددة، برئيس آخر قليل الخبرة ضعيف الامكانيات، لم يقدم إنجازات تذكر، بل تعقدت الأزمات في عهده، ومعه مؤسسات لا تدين له بالولاء ولا تطيعه بل ترغب في إفشاله، وكثير من القوى السياسية ترغب في إسقاطه، فوجد نفسه في مواجهة الجيش والشرطة والقضاء والإعلام والأحزاب السياسية، وقطاع كبير من الشعب، ولكنه أصر على مواجهة كل هؤلاء بأهله وعشيرته ومن تمنى تحريكهم من عموم الشعب، فلما فشل في تحريكهم أطلق أتباعه عليهم عبيد العسكر وعشاق البيادة، والآن يعيدون تعبئة أتباعهم بهذه الروح المدمرة؟! فإلى الله المشتكى.