م. عبد المنعم الشحات - مؤتمر جروزني أم مؤتمر (بوتين – قاديروف) لمنع جهاد المحتل؟! - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أثار مؤتمر "من هم أهل السنة؟"، والمنعقد في العاصمة الشيشانية "جروزني"، في الفترة من25 إلى 27 أغسطس الجاري، الكثير من ردود الفعل في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

ولا خلاف أن غالب أهل الشيشان مسلمون، وأنهم يحبون الأزهر وعلماءه، وأنهم تعلموا أن عقيدة الأشاعرة هي العقيدة الحقة، فتمسكوا بها، ومثل تلك البلاد التي ينتشر فيها الإلحاد لهي من أولى البلاد بقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان تلبيس الجهمية:

"وذكر ابن خزيمة وغيره أن الإمام أحمد كان يحذر مما ابتدعه عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعن أصحابه كالحارث، وذلك لما علموه في كلامهم من المسائل والدلائل الفاسدة، وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة ونحوهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها المعتزلة والرافضة ونحوهم".


وبالتالي فلو أن جمعًا من علماء المسلمين ذهبوا إلى تلك البلاد للقيام بحقهم، وربطهم بالعالم الإسلامي، وتحذيرهم من تيارات الإلحاد والزندقة، ومن مشروعات تذويب الهوية، لوجب على جميع السلفيين أن يفرحوا بهذا، وأن يستبشروا، سواء أكان هؤلاء العلماء من العلماء السلفيين أم من الأشاعرة أو الماتريدية. (كما تقدم كلام ابن تيمية في ابن كلاب وأصحابه، وهو المذهب الأم الذي تفرع منه كل من الأشاعرة والماتريدية).

فالسلفيون عمومًا، والذين عنوا بتراث ابن تيمية وفهموا منهج السلف عن طريقه خصوصًا، تنقش في أذهانهم تلك المعاني الطيبة ويتعلمون منه: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، ويتعلمون منه: "قاعدة أهل السنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة"، ويعرفون من سيرته أن ابن مخلوف وغيره قد أفتوا بقتله عصبية، فلما دارت عليهم الدوائر وأراد السلطان أن ينتزع منه بفتوى بقتلهم فبالغ بالثناء عليهم، وحذره من أنه لا صلاح للناس إلا بهم.

إذن ما المشكلة؟


ثمة مشكلتان جوهريتان من حيث المبدأ، وأخريان من حيث المضمون:

أما الأولى: فهي عنوان المؤتمر "من هم أهل السنة والجماعة؟" وهو عنوان لا يليق أن يعقد له مؤتمر في بلاد تئن في واقع الأمر تحت احتلال روسي، وإن سمي "اتحادًا"!؛ لأنه اتحاد تم بعد أن تعرضت الشيشان عمومًا وجروزني التي استضافت المؤتمر خصوصا، لحملة إبادة من أشنع الحملات في التاريخ.

أما الثانية: فهي أن المؤتمر برعاية رسمية من الحكومة الشيشانية الموالية لموسكو، ومن موسكو ذاتها، باعتبار الوضع السياسى للشيشان كجزء من الاتحاد الروسي كما أسلفنا.

وأما من حيث المضمون فكانت هناك مشكلتان جوهريتان أيضا:

الأولى: أن المؤتمر شدد على أن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية.

الثانية: أن المؤتمر تجاوز نقطة تعريف أهل السنة إلى قضية الهجوم على جماعات، لم يسمها، ولكن وصفها بأنها جماعات منحرفة، تكفر وتقتل وتدمر و ... إلخ. وقد بدأ الخطاب في هذا الجانب قوي اللهجة، شديد التوتر. وبدت الجزئية الأولى جزئية ثانوية، مقارنة بتلك الجزئية الثانية.

وقد يقول قائل في النقطة الأولى:

وماذا تتوقع من علماء أشاعرة وماتريدية؟ وهل أجاب القوم إلا بما يعتقدون؟ وماذا لو كان السلفيون مكانهم ألن يبنوا ما يعتقدونه من لزوم اتباع المنهج السلفي، وأن الأحق بلقب أهل السنة والجماعة هم من اعتقد عقيدة الصحابة والتابعين، قبل أن يرد عليها الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؟

والإجابة:

أن هذا قد ينطبق على ما يقال في الأروقة العلمية، ولكن أن تأتي لقوم يعانون ما يعانون، ويتعرضون لحرب تغريب، ويتعرضون لحرب تشييع، لاسيما مع التعاون الوثيق بين النظام الإيراني والنظام الروسي، في كثير من المجالات، ومنه ضرب الشعب السوري، فتقيم مؤتمرًا لكي تعرّف من هم أهل السنة؟

وأريدك أن تسرح بخيالك ماذا لو كان السلفييون هم من عقد مثل هذا المؤتمر؟ وحاول أن تستجمع قواك التخيلية؛ لتستحضر ما كان سيقال عن فقه الواقع وفقه المآلات وفقه الأولويات وفقه الخلاف و و ...، وقد قدمنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في أنه يعتبر الكلابية والأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة في البلاد التي يشيع فيها الرفض والاعتزال، فقارن بينه وبين هذا المؤتمر لتعرف أن من خصائص أهل السنة: "أنهم يعرفون الحق ويرحمون الخلق" كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.



وأما المشكلة الثانية: والتي تتعلق بإلحاح المؤتمر على براءة أهل السنة من المتطرفين والإرهابيين، وهذه لا يمكن فصلها عن أن المؤتمر يتم برعاية بوتين وقاديروف، وعلاقة هذا بالحرب الشيشانية الأولى والثانية، كما نبينه في الفقرة التالية:

الحربان الشيشانيتان الأولى والثانية

الشيشان هي إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية، والتي كانت بدورها إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي، والذي تفكك مورثًا تركته لروسيا الاتحادية، وبدت عوامل التفكك تظهر على روسيا الاتحادية ذاتها، مما دفع روسيا إلى اتخاذ إجراءات عنيفة لوأد أي محاولة انفصالية، أو لتأديب رؤساء الجمهوريات الذين لا يلتزمون حرفيا بتوجهات "الكرملين"، وفي هذا الصدد غزت القوات الروسية الشيشان في عام 1994 بغرض عزل الرئيس جوهر دوداييف، فقام الجيش الشيشاني وتضامن معه الشعب، وانضم إليهم عدد من المجاهدين العرب لصد هذا العدوان، وكان أحمد قاديروف، والد الرئيس الشيشاني الحالي، مفتيًا للشيشان، وشارك في مقاومة العدوان الروسي.

وفي هذه الحرب أبلى القائد شامل باسييف بلاءً حسنًا، في الدفاع عن الشيشان، واستشعرت روسيا الخطر، واضطرت للتفاوض وإجراء محادثات سلام، لم يكن الغرض منها سوى التقاط الأنفاس، وترتيب مؤامرة للإطاحة بشامل باسيف وغيره، ممن صدوا الهجوم الروسي.

وفي عام 1997 تم توريط الجيش الشيشاني في داغستان، بطريقة تفوح منها رائحة المؤامرات، وتشير بعض التقارير إلى أن المقصود كان الإطاحة بالرئيس الشيشاني "مسخادوف" وأبرز قادته شامل باسييف.

وفي عام 1999 حدثت تفجيرات عنيفة فى موسكو، وزعمت موسكو مسئولية باسييف عنها، ومعه بعض المجاهدين العرب كـ "خطاب"، وعلى إثر ذلك قامت بغزو الشيشان، وهي الحرب الشيشانية الثانية، وهي الحرب التي أبلى فيها شامل باسييف بلاءً حسنًا، ولم يترك جروزني للروس إلا بعد مبالغة الروس في الإجرام وقتل المدنيين بأبشع صور القتل، وإلا فقد كان شامل و قواته صامدين تمامًا من الناحية العسكرية.

وانتهت الحرب بانتصار (قذر) لروسيا، على جثث الشيوخ والنساء والأطفال، وتم التمكين لأحمد قاديروف كرئيس للشيشان، كدولة ضمن الاتحاد الروسي.



من هو أحمد قاديروف؟

أحمد قاديروف كان مفتي الشيشان، إبان الحرب الأولى مع روسيا، وساهم في تجييش الشعب الشيشاني ضد روسيا، وفي الحرب الثانية وقف ضد الرئيس الشيشاني مسخادوف، وبعد مجزرة شنيعة نجحت روسيا في قتل شامل باسييف، وسيطرت على الشيشان، ومكنت أحمد قاديروف من حكم الشيشان، وقد برر قاديروف موقفه؛ من أنه طالب مسخادوف بالتخلص من شامل باسييف، ومن طرد المجاهدين العرب، لتفادي الحرب مع روسيا فرفض، فاضطر للدخول في حلف مع روسيا؛ خوفًا من سيطرة (المتشددين العرب)، الذين استعان بهم شامل باسييف على روسيا.

وبعد أن وصل للحكم تم اغتياله، وبعد قتله تم تصعيد ابنه رمضان قاديروف في عدة مناصب، حتى أصبح الرئيس الشيشاني الحالي.



الجهاد الشيشانى نموذج نادر لجهاد منضبط في الجملة

ويجب علينا أن نعترف بكل أسى أن كثيرًا من المسلمين قد أساؤوا إلى مفهوم الجهاد، حين سموا خروجهم على المسلمين في أوطانهم جهادًا، وأساؤوا إلى مفهوم الجهاد حين أقدموا على نقض العهود مع غير المسلمين، أو خفر الأمان الذي يعطى للسياح للدخول إلى بلاد المسلمين، أو غدر البعض بالبلاد غير الإسلامية التي تعطيه تأشيرة دخول إلى أراضيها، إلى آخر هذه الممارسات التي نشكو منها جميعًا.

والغرب محترف في ابتزاز المسلمين كلما أخطأ منهم واحد أو فئة، فإذا حدثت حادثة إرهابية باسم الجهاد في أي بلد غير إسلامي، نجد إنكارًا من كل الهيئات الدينية الرسمية والشعبية في العالم الإسلامي، وهذا جيد في ذاته، ولكن مع هذا يحمل كل المسلمين في كل العالم مسئولية هذه الأخطاء، في حين تتورط الأنظمة الغربية والشرقية -على حد سواء- في حروب إبادة ممتدة عبر عشرات السنين، وربما مئات أحيانًا، دون أن يعتذروا أو يتراجعوا، بل دائمًا ما يجعلون أدنى حادثة من أي مسلم مبررًا لاستمرار القتل. وهنا تكمن أهمية صور الجهاد المعاصرة المنضبطة مثل القضية الفلسطينية والقضية الشيشانية.


وبالطبع لا يمكن إحصاء كل التفاصيل التي حدثت في هذه القضايا عبر التاريخ، ولكن من حيث المبدأ، نجد أن القتال فيها في مواجهة عدو غاشم، لا تربطك به معاهدة أنت قد غدرت بها، بل هو من يغدر، وهو من يعتدي، فلا يكون القتل موجهًا للأمة أو لغيرها ممن له عهد أو أمان، وإنما يكون موجهًا لمن يستحق القتال بالمعايير الشرعية، بل وبمواثيق الأمم المتحدة.



ووجود هذه الصور واقعيًّا يرد على طرفين:

الأول: من يتغنى بنصوص حب الجهاد، ثم إذ به يجعله سفكًا للدماء بغير حق، وهؤلاء هم من أكثر الناس صدًا عن سبيل الله، ومن أبرزهم في زماننا "داعش"، والتي يظل المرء في حيرة من أمره لماذا أصر المؤتمر على تسمية أمر المتطرفين والقتلة، الذين يذمهم، ولم يذكر داعش ولو على سبيل المثال؟ (والإجابة واضحة أن الغرض الأصلي إلصاق تهمة الإرهاب بمن جاهدوا في مواجهة روسيا).

الثاني: فريق يطالب بإسقاط أبواب الجهاد من كتب الفقه، بل ربما تبجح بعضهم فطالب بحذفها من الكتاب والسنة {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}.

ولذلك يجب أن يدرك هؤلاء أن الجهاد هو مصدر عزة الأمة، وأنه باق إلى قيام الساعة، وأنه شُرِع لحفظ الدين والعرض والنفس والمال.


فائدة: حول موقف الأزهر من حذف أبواب الجهاد وموقف الشيخ أحمد الطيب في هذا المؤتمر:

وهنا لابد وأن نشيد بموقف الأزهر، الذي رفض حذف أبواب الجهاد من مناهجه، كما اقترح ذلك بعض العالمانيين في بلادنا، تحت ذات الذريعة: "مقاومة الإرهاب".

وأما في هذا المؤتمر، فقد كان موقف الشيخ أحمد الطيب ووفد الأزهر أكثر المواقف إنصافًا، حيث أصر الشيخ أحمد الطيب على أن يذكر أن: "أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث"، وهي عبارة تكون صحيحة تمامًا في مواجهة التشيع والاعتزال، فضلًا عن الإلحاد والزندقة، كما تقدم عن ابن تيمية. وهي بصفة عامة –من وجهة نظر أصحاب الحديث- أكثر رحابة، وأقرب إلى منهج الإمام الأشعري نفسه من المنهج الذي نشره أبوالمعالي الجويني، ومال فيه جدًا إلى الاعتزال، في حين أن الأشعري في كتاب الإبانة موافق تمامًا لأهل الحديث، وأهل الحديث يدّعون أن هذا هو آخر أحواله، وعلى ذلك قرائن كثيرة ليس هذا مجال تفصيلها.

وحتى على القول الذي ينصره عامة الأشاعرة اليوم؛ من أن المنهج الذي تصح نسبته للإمام الأشعري هو ما يوجد في كتابه "اللمع"، وإذا رجعت إلى اللمع ستجد أنه يسير على تأويلات ابن كلاب، ولكنه إنما يناظر بها المعتزلة لا أهل الحديث، وكأنه ليس في خطته ولا في مقصوده صرف أهل الحديث عن منهجهم، وهو ما أشار إليه الغزالي في: "فيصل التفرقة"، وصرّح به النووي في مقدمة المجموع، وحاصل كلامه أن من قدر على التسليم للظاهر دون حاجة إلى التأويل فهو أولى، وإلا فيجوز أن يلجأ إلى التأويل لرد شبه المبطلين. (والمقصود بهم الفلاسفة والباطنية والمعتزلة).

ومن هنا تكمن أهمية مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنها قادت كثيرًا من هؤلاء الأشاعرة المعتدلين إلى الرجوع إلى منهج السلف، من باب أنه استفرغ وسعه في "درء تعارض العقل والنقل"، فإذا درء التعارض بقي المجال مفتوحًا أمام إعمال ظواهر النصوص، إلا ما دلّ الدليل الظاهر على لزوم تأويله، كما بينه أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة المدنية وغيرها.


أهل الحديث يرون الجهاد مع كل بر وفاجر

عادة ما يُرمى السلفيون بالتشدد مع المخالف، وهذا ينشأ إما من إدراج بعض أهل البدع، بل غلاة أهل البدع، في السلفية زورًا وبهتانًا؛ كالخوارج وجماعات التكفير، وإما لتعميم بعض الأخطاء الفردية، وإما لأن السلفيين يدافعون عما يعتقدونه أنه منهج الصحابة والتابعين بقوة، وهذا لا يسمى تشددًا.

وإنما يختبر التشدد في فقه الخلاف، ودرجة عذر المخالف، وطريقة التعامل معه، وطريقة الجمع بين المصالح والمفاسد.

ومن دقائق العلم السلفي أن علماء السلفية عبر العصور قد بينوا خطورة البدع والمعاصي، وحذروا منها، وعندما وقع انحراف في نظام الحكم؛ من وجود بدع أو مظالم تعرض العلماء لمسألة الجهاد مع الحاكم المبتدع أو الظالم، ورجحوا الجهاد معه لحفظ الأمة، حتى ولو كان مقصرًا، ثم أدرجوا هذا المسألة مع كونها مسألة عملية في كتب العقيدة، ليعلم أنها معلم أصيل من معالم منهج أهل السنة والجماعة.

ويشبهها أيضا المراجعات التي قام بها علماء السلف للموقف من الخروج على أئمة الجور، ونهيهم عن هذا حفظًا لانتظام الدولة الإسلامية.

ثم وازن بين المنهج السلفي الذي يرى الجهاد مع كل بر وفاجر، ومن باب أولى من كان صاحب ديانة إلا أنه أخطأ في فهم الدين، وكيف طبق السلفيون هذا؟، وكيف أفتى وناظر وفصل في وجوب نصرة المماليك على التتار مع أنهم -المماليك- إنما كانوا يعظمون العلماء الأشاعرة، ومع أنهم كانوا متورطين في أنواع من المظالم؟.

وكذلك الحال بالنسبة للجهاد مع عماد الدين زنكي ونورالدين محمود ثم صلاح الدين -رحمهم الله- مع أن المدرسة النظامية التي تخرجوا منها كانت شديدة التعصب للمنهج الأشعري.

وثمة محك رئيسي يختبر به الفقه والعلم والحلم، وغيرها من الخصائص، وهو عندما يتعرض أحد (فرد أو كيان) لامتحان بسبب دينه أو منهجه، (كما رأيت في هذا المؤتمر من لهجة تحريضية على السلفيين)، وقد ضرب لنا الإمام أحمد والذي يمثل أحد أبرز العلامات على طريق المنهج السلفي مثالًا نادرًا في الثبات على الحق، مع ضبط للنفس، وحرص على استقرار الدولة والمجتمع، استحق بهما معًا أن يكون إمامًا عظيمًا من أئمة أهل السنة والجماعة، حتى صار المنهج ينسب إليه أحيانًا، كما فعل الإمام الأشعري في مقدمة الإبانة، فذكر أنه على طريقة الإمام أحمد رحمهما الله رحمة واسعة.



مؤتمر (بوتين- قاديروف) لمنع جهاد المحتل

عودة إلى السؤال: من هي تلك الجماعات، التي دندن المؤتمر على ذمها، ووصفها بالإرهاب؟ وهل يوجد في زماننا جماعات كهذه؟ ومن هم؟

في الواقع توجد جماعات كثيرة ممن يستحقون هذا الوصف، من أكثرهم خطرًا في زماننا داعش،ولكن مع أن المؤتمر الذي اتخذ شكلُا عالميًّا، ودعا ضيوفًا من مشارق الأرض ومغاربها، إلا إنه بدا في النهاية شديد المحلية، حيث كانت في طليعة توصياته إنشاء قناة فضائية شيشانية ترد على المتطرفين، وقد علمت من هم المتطرفون الذين حاربهم الجنرال بوتين (قبل أن يصبح رئيسًا)؟، ومن هم المتطرفون الذين فر أحمد قاديروف منهم إلى أحضان روسيا؟ وكيف وَلِمَ كانوا يقاتلون روسيا؟

إذن فقد كان المؤتمر مؤتمرًا لتدشين قناة فضائية، تحارب الماضي الشيشاني، وتحاول أن تمحو من الذاكرة الإسلامية عامة والشيشانية خاصة صورة من صور الجهاد الإسلامي الصحيح.



شر البلية ما يضحك.. مؤتمر برعاية بوتين وقاديروف يحارب الإرهاب

من المعهود أن نسمع القادة الإسرائيليين الصهاينة من حبهم وحب شعبهم للسلام، ومن شكواهم المرة من العرب "المتوحشين الإرهابيين" غير المحبين للسلام. يسمع العالم كله تلك الأسطوانة النشاز من باب التسلية أو المجاراة، والجميع يعلم من الإرهابي؟ ومن الذي استمر 70 عامًا يقتل النساء والأطفال والشيوخ؟ ومن الذي لولا الإرهاب الدموي القاتل ما قامت له دولة أصلًا؟ و مع هذا يصفق العالم لهذا الحديث المكرر مطالبين العرب الإرهابيين أن يتخلوا عن إرهابهم حتى يهنئوا بالسلام مع إسرائيل.

والأمر في روسيا مختلف بعض الشيء، فهم لا يحبون الكلام الكثير، هم يعملون في صمت، فيقتلون ويقصفون ويبيدون، ربما اكتفوا بعبارات مقتضبة: (نحن نحارب الإرهابيين).

وكما في سوريا تخرج الطائرات تضرب وتدمر؛ مساجد، مستشفيات، منازل، مخيمات، وتعود وقد سجل إعلام العالم كل شيء، ثم يخرج بيان مقتضب من القيادة الروسية؛ كل ما ضرب من أهداف كان فيه إرهابيون. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



شكرًا لمن صوب.. وننتظر الساكت.. ونعجب من دفاع من دافع!



قدمنا أن المؤتمر تثور حوله الكثير من علامات الاستفهام، فكيف إذن شارك فيه من شارك؟

لا تتعجل فأنت الآن تحكم على واقع رأيته، بينما من يوافق على المشاركة في مؤتمر يأخذ قرارًا بناء على غلبة ظن، وحرص، وتخمين، وبالتالي قد يكون رجا من ذهب منه خيرًا.

نعم كثير من علامات الاستفهام الدائرة حول المؤتمر كانت ظاهرة من قبل انعقاده ولكن يبقى أن البعض قد لا يكون لديه التصور الكامل عن المسألة، أو يكون قد غلب على ذهنه أن يقود سفينة المؤتمر في اتجاه نافع، إلى غير ذلك.

و لكن الآن وبعد أن انكشف الغطاء، ماذا سيفعل كل من شارك في هذا المؤتمر؟

يأتي في مقدمة المواقف المحمودة (بل لعله أن يكون الوحيد) موقف الأزهر وشيخه،

فلقد كانت كلمة الشيخ أحمد الطيب أعدل ما بلغنا من كلمات، وعرّف فيها أهل السنة بأنهم "الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث".

 ثم لمّا تمّ حذف "أهل الحديث" من توصيات المؤتمر أصدر الأزهر عدة بيانات لتوضيح الموقف، فجزاهم الله خيرًا.

وفي المقابل ذهب البعض وعاد دون أن يبين لنفسه موقفًا واضحًا من ملابسات المؤتمر وتوصياته.



 في حين دافع بعض المشاركين عن توصيات المؤتمر، أخص منهم:

(1) الدكتور حاتم العوني، حيث كتب على صفحته على الـ"فيس بوك":

"لقد حضرت مؤتمر الشيشان عن مفهوم أهل السنة والجماعة، وكنت حريصًا مع غيري على أن يخرج بتقرير يتسع فيه هذا اللقب ولا يضيق، لكن كان التوجه العام في المؤتمر على أن يقتصر على الأشعرية والماتريدية .وقد علقت بهذا الطلب في المؤتمر، وهو الطلب الذي يُدخل فيه المعتدلين من كل المدارس التي تعظم السنة والسلف، وقررت ذلك بتقرير علمي سوف أنشره قريبًا بإذن الله .ولذلك نشرت في حسابي في الـ"فيس وتويتر" تقريري قبل يوم من البيان الختامي، والذي كان مضمونه أن أهل السنة والجماعة هم عندي في هذا الزمان :كل من عظم السنة والصحابة والسلف؛ من معتدلي الأشعرية والماتريدية والسلفية والصوفية. ممن لا يكفر مخالفه، ولا يتديّن بسلبه المطلق لشيء من حقوق أخوته الإسلامية (حبًا وتعاونًا ونصرة) بحجة التضليل أو التكفير.
كنت أتمنى لو أن المؤتمر خرج ببيان أكثر اتساعًا للمخالف، لكني أعلم أن عامة السلفية لن يرضوا حتى لو أدخلوهم معهم؛ لأنهم كانوا وما زالوا يحتكرون هذا اللقب، ويبدعون ويضللون وربما كفّروا مخالفهم. فهم لن يرضوا إلا أن يكونوا هم وحدهم أهل السنة والجماعة.

فلا يحق لمن مارسوا التبديع والتضليل والإقصاء لعقود، أن يعيبوا من قابل إقصاءهم بإقصاء، وتضليلهم بتضليل، ولكن يحق لمن كان يتسع معتقدُه وتقريره وإنصافُه للجميع أن يكونوا تحت مظلة أهل السنة والجماعة أن يعتب على البيان: أنه قابل الإقصاء بإقصاء، والتبديع بتبديع).ا.هـ



ونلاحظ على هذا التعليق أنه عاتب المؤتمر -الذي كان عضوًا فيه- عتابًا رفيقًا رقيقًا، ثم بسرعة عاد وأنكر على الطرف الذي لم يفعل شيئًا أصلًا أنهم مارسوا الإقصاء فقال: (... فلا يحق لمن مارسوا التبديع والتضليل والإقصاء لعقود ...). والسلفيون، بدعوا ما بدعوا من المناهج؛ عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". فوجدوا مناهج لم يعرفها السلف يصرح أصحابها بذلك، ولكن يزعمون أن ثمة ضرورة ألجأتهم إليها، وحينما يعترض عليهم بضرورة لزوم منهج السلف قالوا: نعم، هو أسلم ولكننا انتقلنا منه إلى الأعلم والأحكم فالقول بأنه منهج مبتدع قد لا يزيد على كونه تقريرًا لواقع وإعادة صياغة لاعتراف من صاحبه.

و مع هذا فالسلفيون لاسيما مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، يعودون فيفرقون بين النوع والعين هذا من جهة، ومن جهة أخرى يقولون: إن الأشاعرة أهل سنة في مواجهة الشيعة والمعتزلة، ومن جهة ثالثة يقولون بالجهاد مع كل بر وفاجر، بينما الدولة التي كنت ضيفًا فيها، قامت على (القتال مع الروس) ضد (المتطرفين)، فمن الذي يُقصي الآخر؟

ثم إن الدكتور العوني لم يبين لنا تلك العقود التي مارس فيها السلفيون الإقصاء، أين ومتى كانت؟

و هل أفتوا مثلًا بقتل غيرهم كما فعل المعتزلة مع الإمام أحمد وبعض الأشاعرة مع الإمام ابن تيمية؟

هل منعوا العالم من الاستفادة من جهود علماء الفقه والحديث الذين انتحلوا قول الأشاعرة في العقيدة، أو أن الدنيا لم تسمع بجهود هؤلاء العلماء لعقود إلا من خلال نشر السلفيين لعلومهم؟

هل منع السلفيون غيرهم من الوظائف العامة، بل ومن الحق في الحياة أصلا، كما يمارس ضد أصحاب السمت السلفي في كثير من بلاد المسلمين؟

قد يقال إن الدكتور حاتم العوني يقصد الواقع السعودي، بينما حاله هو خير رد على ذلك، فهو صاحب منهج خاص في تناول تاريخ الفتنة بين الصحابة، وصاحب منهج خاص في تعريف أهل السنة، وصاحب رؤية نقدية لتاريخ الوهابية يميل فيها إلى إثبات تهم على الدعوة الوهابية، يوجد من صريح كلام شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب براءة منها حتى وإن وقع فيها من وقع.

المهم ورغم ذلك فحاله كما نعرف ويعرف هو قبلنا.

فهل هذا هو إقصاء السلفيين الذي استمر لعقود؟

فيا ليت الدكتور حاتم أن يناشد الشيشان (دعك من روسيا) أن تمارس شيئًا من هذا الإقصاء مع أهل السنة فيها.

 

 (2) الشيخ الحبيب الجفري.. حيث كتب على صفحته على ال"فيس بوك":

"انتقد البعض عدم إدراج معتقد أهل الحديث مع الأشاعرة والماتريدية في بيان مؤتمر "من هم أهل السنة؟"، والحقيقة هي أن أهل الحديث في مسألة الصفات كانوا بين مفوّض للمعنى ومؤول له، وهذا هو معتقد الأشاعرة والماتريدية، وشرح ذلك كان أحد أبحاث المؤتمر الذي سوف يتم نشره إن شاء الله.

أما المجسمة والمُشبهة الذين فسروا المتشابه بالمعنى الحسي، فوصفوا الله سبحانه وتعالى بالجلوس والانتقال بل وبالنسيان! والعياذ بالله تعالى من ذلك فليس مسلكهم هذا بمسلك أهل الحديث، وإن وقع شذوذ في ذلك من بعض المحدثين فهو استثناء بين جمهور المحدثين. لهذا فليس في التعريف إقصاء لأهل الحديث كما توهم البعض".

ويؤخذ على هذا التعليق أمور:

الأول: لماذا أهل الحديث يُكتفى بذكرهم ضمنًا على حد تأويله، هل لضيق الوقت أو المساحة أو ماذا؟ ولو افترضنا أنه كان مطلوبًا الاختصار، فكان الأولى الاكتفاء بواحد من الأشاعرة والماتريدية، لكونهما مدرستين للتأويل، ومذهب أهل الحديث هو التفويض -على حد زعمه-.

و مما يؤكد الإصرار على "حذف" كلمة "أهل الحديث" وأن الأمر لم يكن عرضًا أن شيخ الأزهر -وهو الرمز الأبرز في المؤتمر- قد ذكرها مرتين خلال الكلمة الافتتاحية وخلال كلمته أمام المؤتمر، فأصبحت حاضرة وماثلة ويكون ماتم هو "حذف" متعمد لها.

الثاني: أشد أنواع الإقصاء أن يحذف مذهب فلا يحكى أصلا، فضلًا أن يناقش، وهو ما فعله الشيخ الجفري، فالذي يفهم من كلامه أنه لم يوجد من السلف من أثبت المعنى وفوض في الكيف، والإثبات عنده إما أن يكون تشبيهًا أو تفويضًا.

 فإذن لماذا رد أئمة مذهبه على ابن خزيمة، وبالغوا في ذمه، فلو كان مفوضًا لما بالغوا في رد كلامه، فهل تراهم يعدونه مجسمًا؟.. "والعياذ بالله".

 طبعًا هو قام بحذف هذا الاختيار هروبًا من مناقشته وتعمية للمنهج الذي هو بحق المنهج الوسط الجامع بين المعقول والمنقول، وهو مذهب الصحابة والتابعين ومذهب الإمام أحمد.

ومعظم الأشاعرة الرافضين لكتاب "الإبانة" للأشعري يزعمون أنه كتبه تقية من الحنابلة، ومع أن هذا القول طعن في الإمام الأشعري قبل أن يكون طعنًا في الحنابلة، ولكن هذا يثبت أن الأشعري حينما كتب مذهب أصحاب الحديث وأظهر الانتماء إليه "تقية" على حد زعمهم، كتبه على منهج الإثبات وليس التفويض ولا التأويل.

الثالث: توهم أن الإثبات يقتضي التشبيه هو الآفة الرئيسية التي ألجأت البعض إلى التأويل والبعض الآخر إلى التعطيل بدرجاته ومنه التفويض ومناقشة هذه الشبهة لا تتسع لها هذه المقالة، ولا نظنه يخفى عليه تفنيد شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره لهذه الشبهة.

الرابع: القضايا التي حصل فيها خلاف ليست قضايا الصفات فقط، بل هي قضايا تتعلق بكثير من الأبواب ومنها باب القدر، والتي أثرت عقيدة الجبر "بكل درجاتها" في تخلف المسلمين، وأثرت في ترك الجهاد، وقادت بعض من اعتنقها إلى الدخول في طيّ الدول الاستعمارية قديمًا وحديثًا.

الخامس: كان من الحضور الدكتور حاتم العوني، وهو ممن يثبت الصفات وليس من المفوضة (فيما نعلم عنه)، ووفق كلامك لا يدخل الدكتور العوني في أهل السنة (ولا أناقش هنا مسألة أنه يعرّف أهل السنة بتعريف موسع، ولكن أناقش مذهبه هو في الصفات، وحكمك أنت على من يذهب هذا المذهب).



وأخيرًا فقد كتب الدكتور أسامة الأزهري تعليقًا رد فيه على انتقادات الإخوان للمؤتمر، بأن كل الانتقادات تناقض موقفًا سابقًا لهم، حيث سبق للشيخ القرضاوي الثناء على قاديروف، وهم الآن يستنكرون عقد المؤتمر في ضيافته، كما استنكر عليهم نعيهم عدم ذكر السلفية في حين أنهم يطعنون فيها ليل نهار، وهي إلزامات تلزم الإخوان بالفعل.

ولكن كنا ننتظر أن يرد الدكتور أسامة ردًا عامًا على هذه الاعتراضات من حيث هي، وموقفه منها، ولكن لمعتذر أن يعتذر عنه بأنه اكتفى ببيانات الأزهر فيقال لا بأس، ويبقى العتب عليه في نشره لرد الشيخ الجفري عن مسألة حذف أهل الحديث بكل ما فيها من أمور تكلمنا عليها قبل قليل.

وبعد، فهذه مناقشة موجزة حول المؤتمر، ولعل الله أن ييسر لنا  تفصيل بعض هذه الجزئيات لاحقًا.. إن شاء الله تعالى.