د. خالد آل رحيم - قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا - بوابة الفتح الالكترونية
د. خالد آل رحيم
2016-09-16 10:05:08

آية عظيمة من آيات سورة هود تقص جانباً من حوار بين نبي الله صالح عليه السلام وقومه لما قالوا له (يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)

ووقفتنا مع هذه الآية هي قولهم: (قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا)

قال البقاعي: لما دعاهم إلى الحق، ونصب لهم عليه الأدلة بماهم معترفون به، وذكّرهم نعَمه، مومئاً إلى التحذير من نقَمِه، وسهّل طريق الوصول إليه، ما كان جوابهم إلا أن سلخوه من طور البشرية؛ فكان جوابهم أن قالوا (ياصالح) نادوه باسمه قلة أدب منهم وجفاء (قد كنت فينا) أي فيما بيننا إذا تذاكرنا أمرا، (مرجُوّا) أي في حيز من يصح أن يرجى أن يكون فيه خير وسؤدد ورشد صلاح، (قبل هذا) أي الذي دعوتنا إليه، فأما بعد هذا فانسلخت من هذا العداد (انتهي)

قال ابن سعدي: قد كنا نرجوك ونؤمل فيك العقل والنفع، وهذا شهادة منهم لنبيهم صالح أنه ما زال معروفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأنه من خيار قومه، ولكنه لما جاءهم بهذا الأمرالذي لا يوافق أهواءهم الفاسدة قالوا هذه المقالة التي مضمونها أنك قد كنت كاملا والآن أخلفت ظننا فيك وصرت بحالة لا يرجى منك خير. 

وكأني بهذا المشهد يتكرر في كل يوم، عندما ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم جبل الصفا  صائحا فى قريش: يابني عبد المطلب, يابني فهر , يابني كعب, أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتمونى ؟! فقالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا؛ فقال: (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)؛ فقام أبو لهب فقال: تباً لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا ؟!

فبعد أن كانوا يصفونه بالصادق الأمين صارو يصفونه تارة بالساحر وتارة بالمجنون وثالثة بالكذاب، لأنه أتي بما لا تهوى أنفسهم.

وكما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أنس رضي الله عنه أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسأله عن بعض الأمور .. فأسلم ثم  قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت; وإنهم إن يعلموا بإسلامي بهتوني، فأرسل إليهم، فسلهم عني ؛ فأرسل إليهم. فقال: أيّ رجل ابن سلام فيكم؟ قالوا: حَبْرُنا، وابن حبرنا، وعالمنا، وابن عالمنا. قال: أرأيتم إن أسلم، تسلمون؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. قال: فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لاإله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرُّنا وابن شرِّنا، وجاهلنا وابن جاهلنا. فقال: يا رسول الله، ألم أخبرك أنهم قوم بهت ,,

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: (بك خاصمت وإليك حاكمت)

 قال ابن حجر في فتح الباري: (وبك خاصمت) أي: بما أعطيتني من البرهان، وبما لقّنتني من الحجة .

يقول الدكتور ياسر برهامى: وأكثر الخلق يخاصمون غيرهم لحظوظ أنفسهم، وليس هذا من التسليم لله عز وجل, بل من أسلم لله فلا يخاصم إلا لله, فإذا خاصمنا لحقوق أنفسنا فقد ضاعت منا حقيقة الإستسلام لله عز وجل، وإذا خاصمنا بأنفسنا وبتدبيرنا ولم نستشعر فقرنا وعجزنا واحتياجنا التام وضرورتنا التامة لله وكلنا الله إلى أنفسنا، وأما المخاصمة لله فإن أهل الإيمان يخاصمون لله, أي لِحَقّه؛ فلا ينتقمون لأنفسهم ولا يغضبون لها، كما في حديث عائشة رضى الله عنها قالت: (ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه) ثم لابد أن يكون الإنسان في مخاصمته واختلافه مع خصومه وأعدائه أن يحاكمهم إلى أمر ثابت فيحاكم إلى الله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (وإليك حاكمت).

ولذلك أقر الشرع قبول الحق من شخص كائناً من كان، ومن أي طريق جاء فالله تعالى أقر قول بلقيس وهي كافرة لم تسلم لما قالت:  (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) فأقرها الله تعالى بقوله: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)

والنبي صلى الله عليه وسلم أقر أبا هريرة بنصيحة الشيطان فقال صدقك وهو كذوب,

لكن بعضهم تكون عنده مقدَّماً مادمت تبعاً لهواه، لكن عندما تخالفه  وتنصحه بما فيه فلاحه ونجاحه يبادرك بهذا الرد  (قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا) وكأن نصيحتك له هي الفصيل فى منزلتك عنده.

وكأنه جعل (هواه) مصدراً خامساً من مصادر الشريعة بعد الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

غفر الله لنا وللمسلمين.