علي حاتم - "استفت قلبك" والترويج المشبوه - بوابة الفتح الالكترونية
علي حاتم
2016-10-17 09:59:28

يتم الترويج في هذه الأيام ترويجًا مشبوهًا لحديث وابصة بن معبد -رضي الله عنه- حيث قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا وابصة، استفتِ قلبك، والبر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك"، ويتم الإعلان عن هذا الحديث على إحدى القنوات الفضائية وبصوت أحد الذين ينتسبون إلى العلم الشرعي، وقد سبق التحذير منه وهو نفسه الذي سيتحدث عن هذا الحديث من خلال تلك القناة التي تضغط في الإعلان على مقطع "وإن أفتَوك، وإن أفتَوك" وتكرره، وذلك في مسلسل سلخ الناس من دينهم ومحاولة عزلهم عن العلماء والدعاة الموثوق بهم والذين نذروا أنفسهم لتعليم الناس وهدايتهم إلى طريق الرشاد.

والحديث المشار إليه ليس مطلقًا، بمعنى أن كل إنسان يُباح له وفي كل وقت أن يستفتي قلبه، أو بمعنى آخر أن فتوى القلب هي البديل عن فتى العالِم أو تَرد فتوى العالِم، وهم يحتجون في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "وإن أفتاك الناس وأفتوك"، كلَّا وألف كلَّا!، فالحديث مقيد؛ فالذي يُباح له أن يستفتي قلبَه كما يقول المناوي -رحمه الله- هو صاحب النفس المطمئنة الموهوبة نورًا الذي يفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب، كما أن استفتاء القلب هنا لا يكون إلا في الأمور المشتبهة التي ليس فيها نص، أما ما جاء فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع فليس للمؤمنين إلا اتباعه وطاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا محل لاستفتاء القلب، وميل النفس إلى غير النص هنا إنما هو اتباع للهوى.

ويقول القرطبي تعليقًا على الحديث المذكور: هذا إنَّما يصحُّ ممَّن نوَّر الله قلبه بالعلم، وزيَّن جوارحه بالورع، بحيث يجد للشبهة أثراً في قلبه، كما يحكي عن كثير من سلف هذه الأمَّة.

وقال غيره من بعض أهل العلم: الذي اختلف فيه الإنسان يرجع فيه إلى أهل العلم ممن يثق بعلمه ودينه في أمر يعمل به، فإذا أرشده من يثق بعلمه ودينه أخذ به، وأما استفتاء القلب فالمقصود به أن الإنسان إذا سأل عن شيء وأُخبِر بأنه حلال وكان في نفسه شيء منه أو غير مطمئن إليه أو لديه من علمه الخاص في هذا الأمر ما يجعله غير مطمئن به فإن السلامة في ذلك ترك هذا الشيء الذي لا يطمئن إليه.

ويؤكد الشوكاني أن ما قام عليه دليل واضح من كتاب أو سنة أو إجماع فلا يدخل في هذا الباب شيء في قوله صلى الله عليه وسلم: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك".

هذا وينبغي التحذير من الذي ينادون بمراعاة الواقع على حساب النصوص الشرعية المحكمة ويحتجون بمثل هذا الحديث المشار إليه، بل إن العكس هو الصحيح بمعنى ضرورة الاهتمام بإعادة صياغة الواقع بناءً على أحكام الشريعة.

وما أحسن ما قاله العلامة العثيمين: "إن الواجب على من لا يعلم أن يتعلم، ومن كان جاهلاً أن يسأل، ولو أن الناس أخذوا هذا الحديث على ظاهره لكان لكل واحد مذهب، ولكان لكل واحد ملَّة، ولقلنا إن أهل البدع كلهم على حق لأنهم استفتوا قلوبهم فأفتتهم بذلك، والواجب على المسلم أن يسأل عن دينه، ويحرم على الإنسان أن يقول على الله بلا علم، أو على رسوله".

وهذا ابن القيم -رحمه الله- الذي أكد على أن فتوى المفتي لا تخلص المستفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف الفتوى، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، ثم تابع قائلا: "ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه أو عدم تقييده بالكتاب والسنة أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها؛ فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي يسأل ثانيًا وثالثًا حتى تحصل له الطمأنينة؛ فإن لم يجد فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها".