أسامة شحادة - الإمام الشافعي .. لماذا يحقدون عليه؟ - بوابة الفتح الالكترونية
أسامة شحادة
2016-10-24 22:38:45

الإمام الشافعي هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، فهو قرشي، ويلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في جَدِّه عبد مناف، ولُقب بالشافعي نسبة لجده شافع، ولد في غزة سنة 150هـ، ونشأ يتيماً فعادت به أمه لمكة وهو ابن سنتين؛ فنشأ فيها وتعلم القرآن والحديث، ثم رحل لبني هذيل، وكانوا أفصح العرب وأقام عندهم 17 سنة؛ فأتقن اللغة العربية حتى أصبح إماما فيها ثم رحل للمدينة وتعلم على يد الإمام مالك بن أنس هناك، ثم رحل لبغداد نحو سنتين، ثم عاد لمكة وفيها قابله الإمام أحمد بن حنبل الذي جاء للحج، ثم عاد الشافعي لبغداد شهراً، ثم رحل لمصر وبقي فيها حتي توفي سنة 204هـ.

وقد برع في العلوم الشرعية؛ فأسس علم أصول الفقه، وكان إماماً في التفسير واللغة، حتى أصبح ثالث الأئمة الأربعة المتبوعين في الفقه عند المسلمين، ولا تزال كتبه (الرسالة والأم وجماع العلم) لا يستغني عنها العلماء فضلا عن طلبة العلم.

وقد عرف العلماء للشافعي مكانته ومنزلته، فهذا الأصمعي إمام اللغة العربية يقول: صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس.

أما الإمام أحمد بن حنبل، وهو تلميذ الشافعي، فقد اختصر لنا دور الشافعي العلمي فقال: "ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله -عزّ وجلّ- يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها، فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى"، وقال الإمام أحمد أيضا: "كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، فهل ترى لهذين من خلف، أو عنهما من عوض". 

وحتى إمام المذهب الظاهري داود بن علي الظاهري يقول في فضل الشافعي: "للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقيمه وناسخه ومنسوخه، وحفظ الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف".

وقد تميّز الشافعي بمنهجية استقرائية للوحي الإلهي المتمثل بالقرآن الكريم والسنة النبوية، والاعتماد على اللغة العربية والقواعد الأصولية في فهم الدين والاجتهاد في المستجدات والنوازل، وبذلك يكون قد جمع بين فضائل مدرستي الرأي والحديث في مذهبه. 

وبسبب هذه القدرة العلمية الفذّة والإبداع المعرفي انتشر مذهب الشافعي في بلاد كثيرة جداً، وهو من أوسع المذاهب الفقهية انتشاراً في العالم الإسلامي، والمعتمد في الفتوى والقضاء في كثير من الدول الإسلامية، وشهد العالم كله قيام الحضارة الإسلامية وإبداعها وتميزها بناء على أسس فهم الدين والشريعة التي استنبطها الشافعي من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضوان الله عليهم وتعاقب العلماء على تطوير قواعد الشافعي والبناء عليها.

وهذا الدور المتميز للشافعي وعبقرية منهجه العلمي محل اتفاق وإجماع حتى من الباحثين غير الشرعيين، فهذا محمد عابد الجابري يقول عن الشافعي: "فإن الشيء الذي لا يقبل المناقشة هو أن الشافعي كان بالفعل المشرع الأكبر للعقل العربي" ويقصد بالعربي هنا العقل الإسلامي، أما حامد نصر أبو زيد فيعتبر أن الشافعي قاد "معركة صراع على صياغة قوانين الذاكرة الجمعية للأمة، أي قوانين تشغيل تلك الذاكرة، وصياغة الآليات التي على أساسها تنتج المعرفة".   

ولكن برغم كل هذا التميز والإبداع والفضل للشافعي إلا أن هناك حالة من الكره الشديد والبغض له، وكيْل التهم الباطلة والظالمة للشافعي تنتشر في كتابات منظري الحداثة والتنوير المعاصر دون مستند أو دليل علمي، فمحمد أركون يتهم الشافعي بأنه "ساهم في سجن العقل الإسلامي داخل أسوار منهجية معينة"، بالرغم من أن الشافعي تبنى وشجع الاجتهاد والقياس!

وممن يشارك في مهاجمة الشافعي الشاعر أدونيس فيقول عن فكره: "يعيد بصيغ أخرى إنتاج المعرفة السابقة، وبهذا المعنى نسميها شرحاً أو تفسيراً أو تشعيباً أو تفريعاً أو تنويعاً، لكن لا نستطيع أن نسميها معرفة جديدة"، والعجيب أن الشافعي أسس علما جديدا بالكامل وهو علم أصول الفقه، الذي يعدّ من أرقى العلوم وأدقها ولا يزال يتفوق على العديد من العلوم المشابهة له عند الآخرين، ولا تزال قواعد أصول الفقه التي وضعها الشافعي قادرة على تلبية الحاجة للاجتهاد ومعالجة النوازل والمستجدات العصرية.

أما محمد شحرور فيتهم آراء الشافعي بأنها سبب "بذور ذهنية التحريم في العقل العربي الإسلامي"، وهي تهمة كانت ترمى على غير الشافعي بحجة أنهم بدو أو من الصحراء، بينما الشافعي دوّن مذهبه القديم في بغداد، والمذهب الجديد دوّنه في القاهرة وهما من حواضر الإسلام الكبرى والمتنورة!

أما جورج طرابيشي فقد شبه الشافعي ببولس الذي حوّر المسيحية فيقول: "أعاد تأسيس الإسلام القرآني في إسلام صحابي أو حتى تابعي في انقلاب يشبه –أكثر ما يشبه- الانقلاب الذي نفذه بولس الرسول المؤسس الثاني للمسيحية، بتحويله إياها من مسيحية إنجيلية إلى مسيحية حوارية"، وهذه تهمة باطلة لا دليل عليها سوى الحقد والكره للشافعي وفكره.

ويلخص حسن حنفي موقف نصر أبو زيد من الشافعي فيجد أنه قدم الشافعي "باستمرار مجرح ومخون، ... فهو أموي، سلطوي، قرشي، عروبي، مناهض للعقل والاجتهاد، باحث عن عمل، وربما مرتزق يريد أن يقبض ثمن تأييده للأمويين"، وهذا كلام يكفي سرده لرده!

أما زكريا أوزون فقد بالغ في الوقاحة والهجوم والعداء للشافعي حتى أنه نفى معرفة الشافعي باللغة العربية! فقال: "إن أسلوب الشافعي متداخل ومضطرب وممل"، رغم أن الشافعي كان فحل العربية. وهناك نصوص كثيرة لشخصيات أخرى حداثية تحمل مثل هذا العداء والحقد على الشافعي، فلماذا يا ترى يكرهون الشافعي ويحقدون عليه؟

كان الحداثيون والعلمانيون يتهمون خصومهم الإسلاميين المعاصرين بأنهم ظلاميون ورجعيون، وأنهم متعصبون ومتشددون، وأصحاب فقه بدوي وصحراوي، ويقولون عن أنفسهم بأنهم لا يعادون الإسلام وإنما يعادون الداعشية والتطرف، وبالمقابل يدعون للوسطية والتسامح الإسلامي الذي يتمثل في المذاهب الأربعة ومنهج الأزهر وهو التابع للمذهب الشافعي. فكيف تستقيم لهم هذه الدعوة لالتزام المذاهب الفقهية ومنها المذهب الشافعي ثم نجد هذا الهجوم الشرس على شخص الإمام الشافعي ومنهجه وفكره؟ ولماذا يحقدون عليه؟

الإجابة سنجدها في كلام هؤلاء العلمانيين والحداثيين حين يحددون لنا ما يكرهونه في فكر الشافعي والتي يتمثل في ثلاثة أسباب بحسب د. أحمد قوشتي عبد الرحيم في كتابه "موقف الاتجاه الحداثي من الإمام الشافعي، عرض ونقد"، فالسبب الأول هو تأسيس الشافعي لمنهج علمي له قوانينه في فهم النص الديني، من خلال استقراء وتحليل منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم لقرب عهد الشافعي بعهد الصحابة والتابعين، والمنهج الذي رسخه الشافعي هو اليوم العقبة الكبرى أمام زحف المناهج الحداثية لقراءة النصوص الإسلامية بما يخرجها عن حقيقتها وطبيعتها، لذلك يعترف عبد المجيد الشرفي أن رواج القراءة الحداثية للإسلام لا تتم إلا بـ: "إعادة النظر في المنظومة الأصولية الموروثة عن الشافعي"، ولذلك طرح محمد شحرور بعض تهويماته في كتاب سماه "نحو أصول فقه جديد".

أما السبب الثاني فهو تأصيل الشافعي وتأكيده على مبدأ عمومية نصوص القرآن والسنة، والتي رسخها النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه ورسخها الصحابة في التابعين، فجاء الشافعي ودوّن ذلك ودلل عليه بمثل قوله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء: 107) وقوله تعالى: "وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ" (الأنعام: 19)، ولأن الوحي الرباني المتمثل بالقرآن الكريم والسنة النبوية هو الرسالة الخاتمة للبشرية كان لازماً أن يكون عاماً للبشرية كلها وللزمان القادم كله حتى يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، وهذا المبدأ هو ما يحاول الحداثيون هدمه بدعوى تاريخية القرآن والسنة وأنه ما جاء إلا لمرحلة زمنية محددة ولأهل الجزيرة العربية حتى يتمكنوا من ترويج الفلسفات العصرية العلمانية والحداثية، برغم تعارض هذه الفلسفات وتنازعها وفشل كثير منها في الواقع، وتسببها بالعديد من الكوارث الرهيبة كجرائم النازية في أوروبا، وإبادة الملايين في الصين باسم الثورة الثقافية، وقتل مئات الملايين في روسيا من أجل ترسيخ الشيوعية وفلسفتها الماركسية، وفي العصر الحاضر تفككت الأسرة وانتشرت أمراض الكآبة والوحدة بسبب فلسفات الفردية والمادية والحداثة وما بعد الحداثة.

أما السبب الثالث للكره الحداثي والعلماني للشافعي فهو تركيز أقطاب الحداثة والعلمانية على هدم وتقويض مؤسسي العلوم الشرعية لهدم كل المنظومة العلمية الشرعية التي تمنع المشروع العلماني الحداثي من التقدم في المجتمع الإسلامي إلا بالتحالف مع السلطوية المستبدة أو القوى الدولية الخارجية الإمبريالية!

ولذلك يستهدف منظرو الحداثة والعلمنة هدم ونبذ الشافعي، مؤسس علم أصول الفقه، والبخاري صاحب أهم كتاب في السنة النبوية، وسيبويه كأهم أعمدة فهم اللغة العربية، ليكون الإسلام والدين كلأ مباحا لكل سارح وسياجه مهدوم لكل لص وقاطع طريق!

ويرصد د. قوشتي في كتابه القضايا التي هاجم فيها رموز الحداثة الشافعي وفكره والتي تتمثل في:

- تأكيد الشافعي على عربية القرآن الكريم ولزوم ذلك في فهمه والتعامل معه، يقول عبد المجيد الشرفي: "إن المنهج اللغوي المتبع عند الأصوليين هو في حاجة إلى مراجعة .. لأن وظيفة اللغة اليوم اختلفت، وكذلك علاقة اللغة بالمعنى .. فإننا نساهم أيضا في إنتاج المعنى الذي تعبر عنه اللغة"، ومعنى هذا الكلام تبديل معنى النص القرآني والنبوي لمعنى حداثي حديث، وهذه قمة الفوضى في الدين، وقد رأينا نتائج ذلك في المعاني الحداثية الجديدة للحجاب عند شحرور والذي أصبح الحجاب عنه يساوى ملابس البحر النسائية!

- تقرير الشافعي حجية السنة النبوية وأنها جزء من الوحي الإلهي الواجب اتباعه اتباعا للآيات والأحاديث وفهم وعمل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، ولكن أركون يتهم الشافعي زوراً بقوله: "يعترف الجميع عموماً بميزة أنه فرض للمرة الأولى الحديث على أساس أنه المصدر الثاني الأساسي ليس فقط للقانون والتشريع وإنما أيضاً للإسلام"، ومن بطلان هذا الكلام التساؤل عن مصدر سلطة وقوة الشافعي ليفرض ذلك على كل المسلمين في زمانه وما بعده؟ وهذه التهمة تتصادم مع نص القرآن الكريم الذي يزعم أركون أنه وحده مصدر الإسلام والذي يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم: " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ " (النجم: 3-4).

- اعتماد الشافعي لحجية الإجماع اتباعاً لقوله تعالى: " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" (النساء: 115)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة" رواه الترمذي وصححه الألباني.

لكن أدونيس ينتقد تأييد الشافعي للإجماع باعتباره تفضيلا للجماعية على الفردية! أما الصادق النيهوم فيعتبر صنيع الشافعي بتقرير حجية الإجماع تكريسا للاستبداد! والعلة الحقيقية أن الشافعي يقرر أن الإجماع يلزمه الاستناد الشرعي ومن أهل العلم، وهذا ما يتناقض مع المرجعية الحداثية وتفتقده رموزها لتشارك في الإجماع تجاه مستجدات العصر!

- موقف الشافعي من تفعيل النظر العقلي في الاجتهاد والقياس، ولكن الشافعي متهم من الحداثيين بأنه "أراد الحطّ من قيمة الاجتهادات الشخصية من رأي واستحسان" كما يقول محمد سعيد العشماوي! وكل هذا بسبب أن الشافعي يربط بين النظر العقلي والاجتهاد والنص الشرعي، وهو ما يريد الحداثيون التحرر منه والانطلاق بلا قيود حتى لو عارض -اجتهادهم- القرآن الكريم والسنة النبوية في أصول الدين!

في الختام؛ إن هذا الكره والعداء للشافعي يكشفان زيف دعوى العلمانيين أن صراعهم هو مع الإسلام السياسي أو الوهابية والسلفية، أو ظلامية التطرف وداعش، وإنما الحقيقة أن صراعهم هو مع الإسلام نفسه والذي أجمعت الأمة عليه وشادت حضارتها وهويتها عليه منذ البعثة النبوية المباركة.