د. سيد عبد الهادي - أخلاق الأمم والحضارات - بوابة الفتح الالكترونية
د. سيد عبد الهادي
2016-10-30 13:04:57

يلتبس علينا كثير من المواقف السياسية لبعض الدول، وذلك لأننا نحاكمها إلى أخلاقنا الشخصية أو للأعراف العامة، ويغيب عنا أن ما يحدد معظم المواقف الدولية هي العقيدة والأيديولوجيا، أو هي المصالح العليا لكل دولة أو نظام حاكم وهي ما يصطلحون على تسميتها بـ "النفعية" أو "البراجماتية"، بل وحتى في الدول القائمة على عقيدة دينية فغالبًا ما تستغل العقيدة لخدمة هذه المصالح.

ولذلك تجد دولة ما تتخذ موقفًا مضادًا في قضية مشابهة، بل أحيانًا في نفس القضية لتغيير مصالحها. وهنا تجد الاصوات تتعالى بأن هذه سياسة "الكيل بمكيالين" المنافية للأخلاق والأعراف؛ وهذا يدل على سذاجة صاحبها وعدم معرفته بواقع وتاريخ أدعياء الحضارة الإنسانية، إذ الحرية والحقوق عندهم للإنسان في الأبيض فقط، وأما غيره فنجد الضمير العالمي يصمت أو يتوارى.

ماضٍ عريق

يحاول الغربيون دائمًا أن يطمسوا الحقائق المفزعة عن ماضيهم الدموي، وأنَّي لهم ذلك؛ فالتاريخ مليء بالحروب والمجازر التي قاموا بها.

الولايات المتحدة الأمريكية

هذه أمة قامت على إفناء السكان الأصليين "الهنود الحمر" قتلًا بالرصاص والقنابل، أو الحرب البيولوجية التي تفنن فيها الأوروبيون بنشر الجدري والحصبة والأوبئة التي لم يعرفها السكان الأصليون ولا مناعة عندهم ضدها من قبل.

ولم يُخيِّب الأحفاد ظن أجدادهم؛ فهاهم يمطرون هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين بأشنع سلاح عرفته الإنسانية، ورغم استسلام اليابان بعد القنبلة الأولى فلا بأس عندهم من حصد آلاف الأرواح على سبيل التجربة لسلاح جديد. وأما في فيتنام فتمت إبادة قرى كاملة بأسلحة محرمة دوليًا، مما دعا البعض من أبناء الشعب الأمريكي للمناداة بوقف هذه المهازل اللاإنسانية.

فرنسا "بلد النور"

فرنسا بلد النور –كما يحلو لأبنائها تسميتها– أضرمت النار في قلب العديد من البلدان لا سيما الأفريقية. فضلًا عن الجزائر الشقيقة التي قدّمت أكثر من مليون شهيد لم يتلقوا حتى الاعتذار من فرنسا إلى الآن.

بريطانيا "امبراطورية لا تغيب عنها الشمس"

ولكن كم حجبت شمس الحرية عن الملايين في الهند وإفريقيا، وابتدعت رحلات السفاري لاصطياد البشر وحملهم عبر المحيط كعبيد.

ولا تقل شراسة الأسبان والبرتغاليين عنهم؛ فمحاكم التفتيش بالأندلس لا يمكن محو ذكراها. وما فعله الروس زمن "ستالين" أو الالمان زمن "النازيّ" يخبرك عن الطبيعة الدموية لقادة و أنظمة هذه الدول قديمًا فما الحال حديثًا؟

الحرب بالوكالة

بعدما أصبح العالم "كحجرة صغيرة"، انتهجت الدول الاستعمارية وسائل غير مباشرة حتى لا تتلوث أيديها بالدماء..

فبعد العدوان على أفغانستان والعراق، انتهجت أمريكا واسرائيل وحلفاؤهم طريقة الحرب بالوكالة؛ فاستثمروا الحقد الشيعي الدفين على أهل السنة وأطلقت أياديهم العابثة في العراق، ثم في اليمن، وأخيرًا في سوريا -بالتعاون مع الروس- وكأن أمريكا قد غيرت الحليف الاستراتيجي بالمنطقة من دول الخليج إلى إيران.

والحقيقة أن "العقيدة الصليبية" التي صرح بها "بوش" الابن قد ظهرت، والمصالح الغربية قد تغيرت، فبعد أن كانت هذه الدول إلى عهد قريب تغازل "الدول البترولية" وتخدِّر حواسّها لتضعف درجة درجة، أصبحت تفاوض أحفاد الفرس لتقسيم المنطقة العربية.

إثارة الحروب والثورات

لم يعد يخفى على أحد دور السفيرة الأمريكية في العراق إبان حكم صدام حسين، إذ أوحت إليه أن أمريكا ستغض الطرف عنه إذا اجتاح الكويت؛ فكانت "حرب الخليج"، أكبر فتنة أصابت العرب في العصر الحديث، ومن وحي الفوضى الخلّاقة وبعد أن كانت الدول الغربية والشرقية تدعم الأنظمة الفاسدة التي تستنزف ثروات المسلمين وتزيد احتقان الشعوب -نظرًا لكثرة المظالم- فقد استغلت هذه الدول ذلك الغليان الشعبي -الذي أثمر عن العديد من الثورات بالمنطقة- بل قد يكون لها دور في إحداث شرارتها الأولى، ولا ينكر أحد نبل مقصد معظم الشباب الذين قاموا بالثورات العربية، ولكن مآلات هذه الثورات لم تخدم الشعوب العربية، وإنما صبت في خدمة المد الشيعي والدول الإستعمارية؛ فتحطمت ليبيا وسوريا واليمن، وتهدد استقرار مصر أمنيًا واقتصاديًا.

وقد كانت للمخابرات الأجنبية دورًا هامًا في صب الزيت على النار، ولعبت دور "الطرف الثالث" للإيقاع بين قوى الشعب المصري وإشعال نار الفتن بينهم. قال تعالى: "كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا"

صناعة "داعش"

تفتقت القريحة الجهنّمية للمخابرات الأجنبية عن أفضل وسيلة لمحاربة الإسلام، بتشويهه بيد من ينتسبون إليه -وما أيسر ذلك- عن طريق اختراق "الجماعات الصدامية" المنتسبة للجهاد، والقضاء على القيادات المختلفة، وإحداث الانشقاقات؛ لتصعيد قيادات مصنوعة مخابراتيًا، لتقدّم للعالم أسوأ صورة للمسلم الدموي الذي يقتل ويذبح أبناء جلدته قبل غيرهم.

ولا يستبعد على تلك المخابرات أن تقوم بالتضحية ببعض الأبرياء من أبناء وطنهم لتحقيق أغراضهم؛ فيتم تفجيرٌ هنا ومذبحةٌ هناك، وتُسهّل هذه الجرائم بغضِّ الطرْف عن المعلومات المخدرة منها، أو إضعاف الضوابط الأمنية قصدًا. فهم قوم لا يحجزهم أخلاق أو دين.

ومما يذكر في التاريخ أن بريطانيا لم تحذر الولايات المتحدة من هجوم اليابان على ميناء سيرل هاربر -رغم علمها به- "لتجرجر" أمريكا إلى الحرب وتضمن أقوى حليف. بل لقد ضحى "تشرشل" بمدينة إنجليزية -ترَكَها تُقصف بطائرات الألمان- حتى لا يشعروا أنهم قد كشفوا "شيفرتهم اللاسلكية".

أخلاق المسلمين

إن الحضارة الإنسانية في أشد الحاجة إلى أخلاق المسلمين الأوائل؛ وهذا يستلزم خروج العرب من كبوتهم أولًا -فهم قلب العالم الإسلامي- ثم انشغالهم الحقيقي بالدعوة إلى الإسلام والالتزام به في بلدانهم وجميع دول العالم، فيكفي ما أضعناه من دماء وجهود وأوقات وأموال في نزاعات داخلية أو سفاهات لا تنفع دينا ولا دنيا.

فلا أدري كيف تنفق الملايين على أفلام ومسلسلات ولعب؟! وكيف تَقر عين من يفعل ذلك وهو يرى إخوانه في سوريا والعراق تجري دماؤهم أنهارًا؟! أفلا يخاف نفس المصير؟ أم ظن أن الله -عز وجل- لن يحاسبه؟.

لابد لعقلاء العرب والمسلمين من وقفة رشيدة، يصحِّحون بها وضع بلادهم، أو سيكون مصيرهم كـ "الأندلس" أو أَمَرّ.