شحاتة صقر - تربية الأولاد بين الألم والأمل (3)... اليتيم الحقيقي - بوابة الفتح الالكترونية
شحاتة صقر
2016-11-16 06:48:58


لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ  ... مِنْ هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلَا

إِنَّ الْيَتِيــــمَ لَـمَـــــنْ تَلْقَى لَهُ ... أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْـــــغُولَا

فقد يكون سبب ضياع الأبناء تقصير الآباء في الجلوس مع أولادهم، وبالتالي التقصير في إشباع الجانب العاطفي عندهم، فيلتقطهم أصحاب السوء فيُشبعون عندهم هذا النقص، وسبب ذلك التقصير أن بعض الآباء والأمهات تُلهيهم الدنيا عن أولادهم، فلا يكاد يجد الابن أباه أو أمه ليجلس معه فيعلمه أو يلاعبه أو يضاحكه، ولعل مما يلفت انتباهنا إلى هذا الجانب، قصة هذا هذا الطفل الذي أحرج أباه!

دخل الطفل على والده الذي أنهكه العمل، فمن الصباح إلى المساء وهو يتابع مشاريعه ومقاولاته، فليس عنده وقت للمكوث في البيت إلا للأكل أو النوم. قال الطفل: «لماذا يا أبي لم تَعُدْ تلعب معي وتقول لي قصة،  فقد اشتقْتُ لقصصك واللَعِب معك، فما رأيك أن تلعب معي اليوم قليلًا وتقول لي قصة؟».

قال الأب: «يا ولدي، أنا لم يعد عندي وقت للعب وضياع الوقت، فعندي من الأعمال الشيء الكثير ووقتي ثمين».

قال الطفل: «أعطني فقط ساعة من وقتك، فأنا مشتاق لك يا أبي».

قال الأب: «يا ولدي الحبيب أنا أعمل وأكدح من أجلكم، والساعة التي تريدني أن أقضيها معك أستطيع أن أكسب فيها ما لا يقل عن مائة ريال، ليس لديَّ وقت لأضيِّعه معك، هيا اذهب والعب مع أمك».

وتمضي الأيام ويزداد انشغال الأب وذات يوم يرى الطفل باب المكتب مفتوحًا فيدخل على أبيه فيقول: «أعطني يا أبي خمسة ريالات». فرد الأب: «لماذا؟ فأنا أعطيك كل يوم خمسة ريالات، ماذا تصنع بها؟ هيا اغرُبْ عن وجهي، لن أعطيك الآن شيئًا».

يذهب الابن وهو حزين، ويجلس الأب يفكر فيما فعله مع ابنه، ويقرر أن يذهب إلى غرفته لكي يرضيَه، ويعطيه الـخمسة ريالات. فرح الطفل بهذه الريالات فرحًا عظيمًا، ثم توجه إلى سريره ورفع وسادته، وجمع النقود التي تحتها، وبدأ يرتبها! عندها تساءل الأب في دهشة، قائلًا: «كيف تسألني وعندك هذه النقود؟». فقال الطفل: «كنت أجمع ما تعطيني للفسحة، ولم يبق إلا خمسة ريالات لتكتمل المائة، والآن خذ يا أبي هذه المائة ريال وأعطني ساعة من وقتك».

إن المتأمل في هدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يجد أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- رغم اهتماماته العظيمة كان يلاعب الأطفال ويداعبهم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- يُدْلِعُ لِسَانَهُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَيَرَى الصَّبِيُّ حُمْرَةَ لِسَانِهِ فَيَبْهَشُ إِلَيْهِ». (رواه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب "أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وآدابه"، وحسّنه الألباني).  (أدلع لِسَانه) أخرجه (فَيَبْهَشُ) أي يسرع. يقال للإنسان إذا نظر إلى الشيء فأعجبه واشتهاه وأسرع إليه: قد بهش إليه.

وعن أنس -رضي الله عنه- قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- يُلاَعِبُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَيَقُولُ: «يَا زُوَيْنِبُ، يَا زُوَيْنِبُ»، مِرَارًا». (رواه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"، وصحح إسنادَه الألبانيُّ).

وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ -رضي الله عنه- قَالَ: «إِنِّى لأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- فِى وَجْهِى وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، مِنْ دَلْوٍ فِى دَارِنَا». (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). مجَّ الشّرابَ ونحوَه من فمه: لفَظه: رمى به وألقى. المجَّة: اللفْظَة: الدَّفْعة.

إن ملاعبة الأطفال هي الطريق الأسرع إلى قلوبهم. فهذا رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- لم يهمل هذا الجانب العظيم؛ لأنه يدرك أن عالم الطفولة جزءٌ لا يُستهان به من عالم الإنسانية، وأن لهذا العالم خصائصه، وطبائعه التي ينبغي مراعاتها، وأن نحسن التعامل معها.

انظر إلى الأحاديث السابقة، تجده -صلى الله عليه وآله وسلم- يُخرِج لسانه، ويلاعب باللفظ: «يَا زُوَيْنِبُ، يَا زُوَيْنِبُ»، ويأخذ دفعة من الماء «مجّة» ويرميها من فمه في وجهه الصبي.

أفعال يسيرة لا تطلب مجهودًا، ولا تستهلك وقتًا، ولكن لها آثارها في نفوس الأطفال، ولها معانيها عندهم، ولها أثرها العظيم في التربية، وبعد هذه الملاعبة المحبّبة، يأتي دور التوجيه الذي سيجد له آذانًا مصغية، وقلوبًا واعية.

علينا أن ندرك أن حاجة الطفل إلى القُبلة الصافية، والابتسامة الحانية، والمداعبة اللطيفة أكبر من حاجته إلى أنواع الطعام والشراب، ومختلف أشكال الثياب، وغير ذلك الأمور المادّية التي لا قيمة لها كبيرةً في نفس الطفل.

فيا أيها الآباء، لاعبوا أبناءكم؛ تكسبوا قلوبهم.