م. أحمد الشحات - "فيلم العساكر".. بين الحقيقة والمؤامرة ! - بوابة الفتح الالكترونية
م. أحمد الشحات
2016-11-29 20:31:50


شاهدتُ فيلم العساكر الذي قامت قناة الجزيرة بعرضه علي شاشتها مساء يوم الأحد الموافق 27 - 11 - 2016، والتي ركزت فيه على فكرة التجنيد الإجباري للشباب المصري، وفيما يلي تقرير مختصر عن أهم الأفكار والعبارات التي وردت بالفيلم، مع تعليق عام على هذه الخطوة الجريئة:-

1 - تناول الفيلم مرحلة الكشف الطبي، وهي الخطوة الأولى التي يتم على أساسها تقسيم المتقدمين للخدمة العسكرية إلى لائق طبيًا يمكن قبوله بالقوات المسلحة، وغير لائق طبيًا يُعطى شهادة إعفاء نهائي لعدم صلاحيته الطبية للخدمة العسكرية، والقضية أنه ركز في عرضه لهذه المرحلة على كشف "التناسلية" الذي يكشف فيه الطبيب على مؤخرة الرجل لاستبعاد ذوي الميول الشاذة، وعرض فيه صور الشباب وهم عُرَاة من الثياب عدا "شورت" قصير يغطي العورة؛ والمراد من ذلك بيان حجم الإهانة والإذلال الذي يعانيه الشباب في هذا الكشف.

2 - انتقل الفيلم إلى مرحلة (مركز التدريب) وهي 45 يوم يقضيها المجندون في معسكر عام قبل التوزيع على الوحدات، وركز الفيلم على فكرة قلة الكفاءة وضعف المستوى داخل المعسكرات، وأن الكلام كله نظري، وأن تدريبات إطلاق النار والرماية وغيرها "فشنك"، وأن (صف الظابط) لم يكن يهمه تعليم العساكر بقدر ما يهمه جمع الفوارغ.

3 - ذكر الفيلم أن كلية الضباط الاحتياط هدفها أنها تؤهل الأفراد لحفلة التخرج التي يحضرها الوزير "مجرد شكل جمالي فقط دون إعداد حقيقي للفرد المقاتل".

4- تعرض الفيلم لمرحلة التوزيع على الوحدات، وهي المرحلة التي يَلقى فيها المجندون صورًا وألوانًا متنوعة من الذل والهوان، ابتداءً من "التشريفة" والتي عرض الفيلم صور العساكر وهم يزحفون على الأرض وهناك من يضربهم بالعصي على مؤخراتهم من الخلف، وصولا إلى باقي أعمال السُّخْرة والقهر داخل الوحدات.

5 - ركز الفيلم على أن معظم أوقات العساكر يقضونها داخل الجيش في الأعمال الغير عسكرية مثل أعمال النظافة، وحمل الطوب، وفي المزارع والمتاجر والمصانع، والأفظع من ذلك ما سماها: أعمال السخرة في شئون الضباط الخاصة، مثل قيادة السيارة، وشراء احتياجات المنزل، أو في غيرها من الأعمال الخاصة بالقادة والضباط، ووفقا للفيلم فـ"بما إن مفيش حرب فالجيش بيمارس حاجات تانية غير الحرب".

6 - تناول الفيلم الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وجهاز الخدمة الوطنية، وتعرض لدخولهما في المجالات الزراعية والصناعية والتجارية والتعدينية، وألمح إلى أن هذا يعد احتكارًا للأنشطة وتضييقا على المؤسسات المدنية.

7 - تناول الفيلم مرتبات العساكر المتدنية، مع استغلالهم في الأعمال الغير عسكرية مثل الخدمة في فنادق القوات المسلحة وغيرها.

8 - تناول الفيلم مصطلح "العسكري السّيكا" وهو العسكري المسؤول عن خدمة الضباط، ونوه إلى أن كثير من هؤلاء العساكر يصبحون في منزلة الخَدَم بالنسبة للضباط لدرجة تلميع "البيادة" الخاصة بهم.

9 - تناول الفيلم مصطلح "التفتيش" وأن التدريبات كلها بهدف الاستعداد لهذا اليوم، وعرج على أن مناظر المعدات التي تظهر في الصور يكون أغلبها مركبات مُعطَّلة ومتهالكة وقديمة من أيام 73، ولكنها "مدهونة" من الخارج لكي تبدو جديدة.

10 - تناول الفيلم مشهد الطعام السيئ والغير آدمي الذي يتناوله العساكر، والفرق الهائل بينه وبين "أكل الضباط".

11 - لم يكتفِ الفيلم بالتعرض للعساكر فقط، بل تناول شريحة (الصف ضابط)، وذكر أنها أكثر فئة مقهورة في الجيش من الضباط، وأكثر الفئات قهرًا للعساكر وللمؤهلات العليا؛ لما يحملونه من عُقَد نفسية تجاه الجميع.

12 - تناول الفيلم أنواعًا مختلفة من التكدير، وذكر منها الحرمان من نزول الأجازات، ثم ذكر حِيَل العساكر للتغلب على هذا الأمر، والتي منها تعريض النفس للإيذاء للنزول تحت بند "الأجازة المرضية".

13 - ذكر الفيلم كثرة حوادث الانتحار بين المجندين، وأن إدارة الجيش تستعين بشيوخ يعطون محاضرات للمجندين للترهيب من الانتحار.

عبارات وردت في الفيلم:

-          "التدريبات العسكرية لا تؤهل العساكر لإنهم يضربوا في حرب، بل آخرهم يضربوا في ميدان الرماية".

-          يمارس المجندون في الجيش "اللاشيئ".

-          وأنت في الجيش لا تفكر، "سلامة عقلك من التفكير".

-          "الجيش مبني على الخوف".

-          في الجيش "نفِّذْ وبعدين اتْظَلَّم".

-          "اخلع كرامتك على باب الوحدة".

-          "أرخص حاجة في الجيش هو العسكري، ولما تقوم الحرب العساكر هيا اللي حتموت".

ملاحظات :

-   معظم التصوير تم في أماكن عسكرية حقيقية، مع "تغمِيَة" صورة وجه المتحدث، وهذا أمر له خطورته بالطبع.

-   ركز الفيلم بشدة على صور الإهانة، المتمثلة في الضرب على القفا، والزحف على الرمل بدون ملابس، و"الشواية" على الأسفلت وهو التقلب تحت الشمس على الأسفلت لمدة زمنية معينة، وتعليق العسكري من رجله في السقف مع السب والشتم، وغيرها من الصور ليعطي انطباع أن العنوان الأساسي للخدمة العسكرية هو الإهانة والقهر والاستعباد.

-  جاء ختام الفيلم بشكل ماكر يخدم أحد الأهداف الأساسية لصناعة الفيلم؛ حيث قام بتجميع مقتطفات من نشرات الأخبار عن ضحايا المواجهات في سيناء، والتي أغلب ضحاياها من العساكر.

* لن نتحير كثيرا في محاولة اكتشاف أهداف قناة الجزيرة في عرض هذا الفيلم الخبيث في هذا الوقت؛ فالهدف الأول يبدو ظاهرًا في محاولة تشويه صورة الجيش المصري في عيون كثير من المواطنين الذين ينظرون له بعين التقدير والإجلال، حتى مع علم بعضهم بمثل هذه الممارسات التي يمكن أن يكون بعضها من باب حمل النفس على الشِّدّة والتخوشن، وبعضها تصرفات فردية شاذة لا يمكن تعميمها، وبعضها بالفعل يحتاج إلى تغيير ومراجعة.

* يبدو الهدف الثاني: تشجيع الشباب على التمرد على فكرة التجنيد الإجباري التي تُعَطِّل مسيرة حياته العملية دون أن تضيف له جديدًا لا في المعلومات العسكرية ولا في غيرها، فضلا عن العقد النفسية التي سيُحَمَّل بها، هذا ما يحاول أن يؤكد عليه الفيلم ويُرسّخه.

* بالإضافة إلى "دقِّ إسفين" التذمر والاحتقان بين طبقات الجيش المختلفة من العساكر وصف الضباط والضباط، وتشجيع الطبقات المقهورة على الانتصار لنفسها واسترداد حقوقها.

تحطيم فكرة "الثقة في الجيش المصري" الذي يحتل المركز الأول عربيًا بأنه غير ذي كفاءة، وأن مُعدّاته متهالكة وقدرته القتالية منعدمة، وأفراده ناقمين عليه غير محبين له.

باختصار شديد: يسعى الفيلم إلى زعزعة الثقة في آخر جيش عربي في المنطقة، غَضَّت "الجزيرة" الطرف عن قوات بَشّار العلوية الطائفية وما تقوم به من انتهاكات تجاه المدنيين العزل، ولو أرادت جمع مادة فيلمية عن ذلك لما وسعتها سلاسل، وغَضَّت الطرف كذلك عن قوات "الحشد الشيعي" وما تقوم به من حملات تطهير عرقي داخل العراق، بل تم دمجها حديثًا في الجيش العراقي ليتحول الجيش العراقي إلى جيش شيعي طائفي يقتل على الهوية ويبيد أهل السُّنّة.

* لم أطمع أن تنتج "الجزيرة" فيلمًا عن الكيان الصهيوني، فهذا من المحال صدوره؛ فكيف يتم ذلك وأراضيها حاملة لأكبر قاعدة أمريكية في المنطقة؟!، ولكن على الأقل كان الأشرف لها أن تتناول قضايا الأمة المُبَعثَرة هنا وهناك وأشلاؤها هنا وهناك بسبب ما أطلقته من عدوى "الربيع العربي" التي استغلت فيه القهر الذي تعانيه الشعوب من حكامهم؛ فهيّجَتهم كي يثوروا عليهم، لا لكي ينتقلوا إلى الأفضل، ولكن لكي يصيروا لاجئين في دول أوروبا، لا يجدون من يؤويهم أو يستقبلهم، أو لكي تنجرف بلادهم إلى بحر الفوضي والحرب الأهلية والانقسامات الداخلية، أو تدخل بلادهم في "أجندة" التقسيم المُدمِّرة؛ تطبيقًا لمبدأ تقسيم المُقَسّم وتفتيت المُفَتَّت.

* قد يقول قائل: ولكن الفيلم تناول أشياء من الحقيقة؛ نقول: "مَشَاهِد حق أُريدَ بها باطل"، فلم تأتِ هذه المشاهد في طور النصيحة، ولا من أجل الخوف على الجيش؛ وإنما أتت لتصُبّ البنزين على الجرح، ولتستغل الواقع الذي يشوبُه سوء في تدمير الواقع ذاته، لكي ينتهي بلا رجعه، وهذا مما يجب أن يدفع ذوو الرأي والأمر لليقظة والتنبّه لمعالجة ما في الواقع من أخطاء وتجاوزات؛ حتى لا تجد مثل هذه الدعوات الماكرة صدى عند بعض أبناءنا، نسأل الله السلامة والعافية.