د. خالد آل رحيم - رحمة الله للعالمين - بوابة الفتح الالكترونية
د. خالد آل رحيم
2016-12-30 10:10:51

إن بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءت بعد أن مُلِأت الأرض ظلمًا وجورًا وكفرًا حتى أن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم جميعًا كما ورد عن النبي  الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمَقَتَهم, عربَهم وعجَمَهم, إلا بقايا من أهل الكتاب).

قال أبو الحسن الندوي: "وقصارى القول.. أن القرن السادس المسيحي الذي كانت فيه البعثة المحمدية وما يليه من فترة زمنية كانت من أحط أدوار التاريخ ومن أشدها ظلامًا ويأسًا من مستقبل الإنسانية وصلاحيتها للبقاء والازدهار" ا.هـ 

وكانت قريش تعيش أقوى صور الجاهلية التي دُوّنت في كتب التاريخ؛ وهنا نستخلص أن الوضع قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في أدنى مستوى من الانحطاط والانحلال العقدي والأخلاقي والسلوكي، وذلك من خلال نظرة الله تعالى لأهل الأرض فمقتهم، والمقت أشد الغضب، وبطبيعةالحال كانت الجزيرة العربية تعيش أحط أدوارها على مدار التاريخ.

وعلى هذه الجزيرة  تعيش "قُرَيش" وهي تمثل أقوى صور الجاهلية، وبعد ما ذكر من الجاهلية التي كانت تعيشها الإنسانية؛ كان لابد من تهيئة النبي -صلى الله عليه وسلم- لمجابهة هذه الحالة الخطيرة وهذا الانفلات الأخلاقى والعقائدي؛ ولذلك حبّب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- الخلوة ليتفرغ قلبه وعقله وروحه إلى ما سيلقى من أعلام النبوة؛ فاتخذ من غار حراء متعبدًا، لينقطع عن مشاغل الحياة ومخالطة الخلق؛ استجماعًا لقواه الفكرية, ومشاعره الروحية وإحساساتة النفسية, ومداركه العقلية.

يقول علماء التربية: والخلوة عندما تبنى على النظر والتفكر والتدبر لها أهمية قصوى، وكلما خلا الإنسان بنفسه بعيدًا عن الضوضاء كلما دعا ذلك إلى التعقل والتأني، كذلك يعطى تقديرًا وإجلالًا وتعظيمًا لله تعالى؛ ولذلك قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).

ومن أروع ما قرأت -تعليقًا على هذه الآية- تعليق الإمام ابن القيم رحمه الله حيث قال: إن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته؛ أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له فالذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم؛ لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، أما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته وهم أقل شرًا بذلك العهد من المحاربين له، أما المنافقون فحصل لهم -بإظهار الإيمان به- حقن دمائهم وأموالهم وأهليهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها، أما الأمم النائية فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض. (انتهى)