شريف طه - سوريا والعراق وليبيا .. بين الابتزاز والاعتبار - بوابة الفتح الالكترونية
شريف طه
2017-04-04 00:26:25

"مش أحسن ما نكون زي سوريا والعراق" جملة ترددت كثيرًا في السنوات السابقة، بعض من أطلقها أراد بها التذكير بأهمية الحفاظ على فكرة الدولة وتماسكها، وتماسك مؤسساتها الصلبة، وفِي مقدمتها القوات المسلحة..

كنت أحد من يستخدم هذا المقارنة تحذيرًا من بعض الموتورين الذين كانوا يلعبون على وتر انقسام الجيش إبان اعتصام "رابعة العدوية" وما تلاها، فقد كان قادة هذا الحِراك الصدامي يراهنون على ثلاثة أشياء: انشقاق الجيش، وتدخل الخارج، وازدياد أعداد المتظاهرين في الشارع؛ وفضلًا عن أن هذه المراهنات لم تكن واقعية ولا ممكنة؛ فقد كان تصور ذلك وتقَبُّله -بل والعمل عليه- كارثيًا بامتياز..

أن يفرح البعض ويُكَبِّر لشائعة وصول البوارج الأمريكية سواحل مصر لم يكن أمرًا عاديًا! ورواج  شائعة انشقاق "الجيش الثاني" بقيادة اللواء أحمد وصفي أو انشقاق "الحرس الجمهوري" بحجة رفضه للانقلاب على الدكتور مرسي والفرح بذلك كان مقياسًا واضحًا لحالة التحَلُّل الوطني التي تفَشَّت عند البعض؛ صارت الخصومة مع الدولة والوطن في خضم الصراع مع النظام.

 ومع انتشار هذه الروح في كثير من الشباب المحبط كان لزامًا علينا التذكير بخطورة هذا المسار، وأن غضبك لما يحدث من انتهاكات للحقوق المشروعة هو غضب مشروع بل وواجب، لكن لا يبيح لك هذا الغضب أن تتلاعب بمقدرات ملايين البشر فتغير الواقع السيئ  إلى ما هو أسوأ؛ وفقًا للقواعد المتفق عليها بين كافة العقلاء -بل العلماء- في مراعاة المصالح والمفاسد.

كانت تجربة الثورة السورية والليبية وما جرى للعراق بعد سقوط "صَدّام" كاشفًا عن حقيقةٍ لا مِراء فيها، وهي أن خيار الفوضى أسوأ ما يمكن أن نصل إليه، وأنه عندما يكون الخيار المتاح بين الدولة واللادولة؛ فلابد أن يكون الاختيار للدولة، أيًّا كان شكلها، فالاستبداد خير من الفوضى، ففي الثانية تنتهك الحقوق والحرمات أضعاف ما يحدث في حالة بقاء الدولة ولو كانت مستبدة. (وغَنِيٌّ عن الذكر أن هذا ليس محبة  لأحد الخيارين).

نعم، كنّا نعقد هذه المقارنة ردًّا على من يطالبوننا بمواجهة الدولة والمجتمع وأغلبية الشعب الرافض لاستمرارهم، كنّا ندرك مُبَكِّرًا موازين القوى التي تغَيّرَت داخليًا وإقليميًا، وأن واقعًا جديدًا قد فرَض نفسه، وعلينا أن نتعامل معه، في الوقت الذي كان البعض يمارس الخداع والكذب والتضليل على أتباعه ليدفعهم في طريق المَحْرَقَة؛ ليحسن وضعه التفاوضي! أو مُصَدِّقًا لما يطلقه من أوهام.

كنت أتألم حينما أَجِد شبابا مندفعًا يُهَوِّن من أن تؤول البلاد إلى المصير السوري أو الليبي، بل ويسخر من خوف الناس من هذا المسار المؤلم، لم يدرك هؤلاء قسوة التهجير والتشريد، ولا لوعة مفارقة الديار والأوطان، فضلًا عن خراب البلاد، وقتل ملايين الأبرياء! ولن أحدثك عن اختلال موازين القوى أكثر وأكثر بانهيار آخر جيش عربي متماسك في المنطقة.

نعم، تأَلَّمْنا لما حدث في "رابعة" وغيرها، ولكن لا يمكن أن يكون العلاج بمزيد من الخراب والمُضِيّ قُدُمًا في طريقٍ تسيل فيه الدماء أنهارًا!

نعم، اخترنا طريقنا الذي سَلَكناه لأننا أدركنا جَزْمًا أن هناك ما هو أسوأ من ذلك بكثير .. سيناريو الفوضى وحمل السلاح على غرار المشهد الأليم في سوريا وليبيا.

في المقابل فإن  الأنظمة العربية وأجهزة دعايتها حَوَّلَت الأمر لعملية ابتزاز للمواطن العربي؛ فلئن كان هذا مقبولًا في السِّجال المُشار إليه أعلاه، فإنه غير مقبولٍ من الدولة التي تملك مفاتيح الإصلاح ومحاربة الفساد وإصلاح المناخ السياسي وإشاعة العدل ورفع الظلم، ويصبح استخدامها هذه المقارنة نوعًا من الابتزاز، لإِسْكات المُعارِضين أو المنتَقِدين أو المُصْلِحين، ولسان الحال: "ليس عليكم إلا الرضا بالموجود، وإلا حَلَّ بكم مثل ما حَلَّ بالبلاد المجاوِرَة"، وهذه المُقَارَبة تغفل دور النظام المستَبِدِّ -في سوريا وليبيا- في المأساة الواقعة، وتُحَمِّل المسؤولية للشعوب، وكأنه ليس من حقها المُطالَبَة بالإصلاح والمُقارَنَة بالدول التي قدمت أنموذجا معقولًا للحكم الرشيد وحققت معدلات عالية في التنمية، ككوريا وسنغافورة وماليزيا، ونحوها من الدول التي بدأت نهضتها من قريب.

تتحمل الأنظمة المسؤولية بقتل الأمل في الإصلاح في نفوس الناس، فحتى الأنظمة المستَبِدَّة التي عندها قدر من العقلانية تُبقِي مساراتٍ يتنفس من خلالها الناس، وتمارِس القوى السياسية من خلالها شيئًا مما يحقق لها بعض طموحها، وحينما تغلق جميع مسارات التنفيس فإن الانفجار يكون وشيكًا وإن لم تسمع مقدماته.

لقد كانت شرارة الأحداث في سوريا بسبب تعذيب الأجهزة الأمنية لمجموعة أطفال، وخرج الأهالي في "دَرْعا" يطالبون بمحاسبة هؤلاء؛ فلم تتحمل أجهزة الأمن هذا وخرجت تفض مظاهراتهم بالرصاص الحي! وظنت أنها كلما قتلت أكثر كلما رضخ لها الناس أكثر!!

تتغافل هذه المقاربة أنه كان بالإمكان حل المعضلة السورية مُبَكِّرًا إذا لم يُختَزَل الوطن بأجمعه في شخص واحد، وأن يدرك الجيش أن ولاءه للشعب والوطن وليس للحاكم الفرد؛ ولهذا كانت كلفة التغيير في تونس ومصر منخفضة مقارنة بسوريا وليبيا.

لكي لا نصير مثل سوريا وليبيا؛ علينا ألا نقتل الأمل .. أن نسعى لمقاومة الظلم بكل جِدٍّ، ولكن بالعدل والحكمة والعقل.