م. سامح محمد بسيوني - مُشاهَدات مَجَرِيَّة - بوابة الفتح الالكترونية

مما لا شك فيه أن السَّفَر فيه الكثير من الفوائد والعِبَر، وقد حَثَّ الله -عزّ وجلّ- في غير موضع من كتابه الكريم على النظر والاعتبار من السير في الأرض فقال تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا...}، وقال: { فسيروا في الأرض فانظروا ...}

وقد يَسَّرَ الله لى السفر إلى دولة من دول شرق أوروبا، وهي دولة المَجَر، ذات المناظر الخَلَّابة والجمال الطبيعي والنظام البديع، وذلك في رحلة عمل استمرت بعض الوقت، فجالت في خاطري أثناء هذه الرحلة بعض المعاني والخواطر فأنتابتني رغبة في جمع تلك الخواطر والمشاهدات ووضعها بين يدى إخواني، تذكيرًا لنفسي ولهم بنعم الله علينا في بلادنا الإسلامية العربية، وتعميما للفائدة لعلها تكون دافعة للعمل نحو عودة عِزَّةِ أُمَّتِنا ..

 

١- بودابست عاصمة المَجَر مدينة من أجمل ما رأيت؛ نظامها وترتيبها ونظافتها وجمالها يبعث على الهدوء والسعادة النفسية، ومع هذا فالحياة فيها بغير وضوح لشعائر الإسلام الظاهرة ولا سماع للقرآن مع فقدٍ لمعنى الأُخُوّة الصادقة في الله عذابٌ واضطرابٌ نفسي حقيقي.

وقد صدق الله -عزّ وجَلَّ- في بيانه لحقيقة الفرح والسرور في قوله: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}؛ ففضل الله الإسلام ورحمته القرآن، فالحمد لله على نعمة الإسلام والقرآن وأُخُوَّة الدين.

 

٢- الأذان من أعظم شعائر الاسلام، وسماعه رمز لعزة الاسلام فى أي مكان، ولا يستشعر عِظَم كلماتِه وبهجة قلبه وعِزَّة نفسه بسماعه إلا من فَقَده، فسماعه خمس مرات فى اليوم والليلة حياة للروح في الجسد وقوة في النفس والبدن.

فالله أكـبر في المـآذن دعـوة ••• في كـل محرابٍ لها تـرداد

والحمد لله على نعمة الأذان وإظهار شعائر الاسلام في بلادنا.

 

٣- رؤية أوجه المؤمنين نعيمٌ من نعيم الدنيا، يُرَقِّقُ القلب وينيره، ورؤية أوجه الكافرين تُقَسِّي القلب وتُظْلِمُه، لذلك فاجتماع المسلمين وتلاقيهم في صلاة الجمعة بالمركز الاسلامي مما يُتَشَبَّثُ به ويُحرَص عليه من أغلب المسلمين هناك على اختلاف أطيافهم وجنسياتهم، فيأتون من جميع المُقاطَعات ليُصَلُّوا ويلتقوا ويتصافحوا ويتناصحوا، لأن ذلك بالنسبة لهم هو الزاد الذي يحفظ لهم أرواحهم في أجسادهم، وينير لهم قلوبهم في خضم تلك الظلمات المادية القاتلة المحيطة بهم، وصدق رسول الله (فالصلاة نور).

فالحمد لله على نعمة المجتمعات الإسلامية وصلاة الجماعة اليومية.

 

٤- أهم ما يميز المجتمع الغربي هو النظام والدقة المتناهية، واحترام العمل والمواعيد، والاهتمام الكبير بالتقدم العلمي، وهذا كله تلاحظه خلال أيام العمل الخمسة في الاسبوع، بينما إذا وصلت إلى عطلة نهاية الأسبوع ستجد أمرا آخر من العشوائية والتصرفات الصبيانية والأفعال الشهوانية بطريقة أقرب إلى البهيمية، في كل مكان، حتى في الطرقات والشوارع.

ستجد الكثير من هؤلاء القوم بالرغم من ارتفاع الحالة المادية والرُقِيِّ العلمي لهم إلا أنهم يعانون من فراغ وجفاف كبير في المشاعر، وتضيع بينهم أبسط الحقوق الأُسَرية والروابط الإجتماعية، فتجد المرأة في أعين الكثير منهم ما هي إلا وسيلة للإشباع الجنسي، حتى ولو وصلت لأعلى الدرجات العلمية أو العملية، فبمجرد ما يكبر سِنّها ويضيع جمالُها تجدها منبوذة بينهم؛ لا تجد أحَدًا يقوم على مصالحها أو رعايتها، حتى من أبنائها؛ ولذلك يلفت الانتباه بِشِدَّةٍ في الطرقات تلك العلاقة العاطفية الوفية التي تربط النساء الكبيرات في السن مع الكلاب -أعَزَّكم الله- فهن لم يجدن رفيقًا وَفِيًّا لهن يجالسهن ويمشي معهن ويؤنسهن إلا الكلاب.

فيا سبحان الله! والحمد لله على نعمة الاسلام وشِرْعَة الرحمن.

 

٥ - لاحظت -بما لا يدع مجالًا للشك عندي- أن انضباطهم في الأعمال والحرص على الرُقِيّ العلمي هدفه الأساسي هو تحصيل المال، الذي هو عندهم السبيل لتحقيق المتع الشخصية في هذه الدنيا الفانية.

لذلك صار مَثَل هؤلاء القوم عندي كأشبه ما يكون بذلك الطالب الذي استلم ورقة الامتحان فأحسن تسطيرها وترتيبها وقام بالكتابة فيها بأجمل الخطوط، ولكن كل ذلك لم ينفعه لأن الإجابة في الحقيقة كانت إجابة خاطئة.

 

٦- مشاعر مختلفة وعجيبة تنتابك وأنت تمر وترى ما يسمونه في المجر (ميدان الأبطال).

لأنه في الحقيقة بالنسبة لنا يجب أن يسمى (ميدان الأحزان)؛ فهو ذلك الميدان الذى انهزم فيه الجيش العثماني المسلم أمام الجيوش الأوروبية المسيحية في معركة تحرير المجر من قبضة المسلمين، وكأني بقول الشاعر:

إني تذكرت والذكرى مؤرقة ** مجدًا تَليدًا بأيدينا أضَعْناه

وصدق الله عزوجل إذ يقول: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم }

 فهلا عُدْنا لديننا وأتْقَنّا أعمالنا لنعود لعِزِّنا ونفوز بالسعادة في دنيانا وآخرتنا.