جمال فتح الله عبدالهادي - هُم لا يُنصَرُون - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

الصراع بين الحق والباطل قديم, وربما يضعف أصحاب الحق في بعض الأوقات, لكن لن يموتوا أبدًا, وهذا من فضل الله تعالى, لكن عليهم الأخذ بالأسباب, ثم التوكل على الله تعالى.

ولقد ظهر هذا جليًا فى تاريخ الاسلام منذ بداية الدعوة إلى يومنا هذا، وفي غزوة الأحزاب مثلًا من العبر والعظات الكثير؛ ولذا في وقت الأزمات على المسلم النظر والتدبر في تاريخ الإسلام وما مرت به الدعوة الاسلامية من أزمات, والتاريخ خميرة المستقبل, ودائمًا ما تظهر معادن الناس في الأزمات والمحن, ويظهر أهل الإيمان وأهل النفاق الذين في قلوبهم مرض.

تحدث القرآن عن غزوة الأحزاب, والقرآن يسجل الخالدات التي تسع الزمان والمكان, لكي يستفيد المسلمون من الدروس والعبر من الحوادث السابقة؛ فهم معرضون دائمًا لأن يُغزوا في عقر دارهم وفىي عواصم بلدانهم، ومعرضون أن يتكالب الأعداء جميعًا عليهم.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا).

قال أهل التفسير: يا معشر المؤمنين اذكروا نعمة الله تعالى التي أنعمها عليكم في المدينة أيام غزوة الأحزاب، حين اجتمع عليكم المشركون من خارج المدينة واليهود والمنافقون من داخل المدينة ومن حولها, فأحاطوا بكم, فأرسلنا على الأحزاب ريحًا شديدة اقتلعت خيامهم ورمت قدورهم, وأرسلنا ملائكة من السماء لم تروها, فوقع الرعب فى قلوبهم.

اذكروا إذ جاءُوكم من فوقكم من أعلى الوادي من جهة المشرق, ومن أسفل منكم من بطن الوادي من جهة المغرب, وإذ شخصت الأبصار من شدة الحيرة والدهشة, وبلغت القلوب الحناجر من شدة الرعب, وغلب اليأس المنافقين, وكثرت الأقاويل, وتظنون بالله الظنون السيئة أنه لا ينصر دينه, ولا يعلي كلمته.

في ذلك الموقف العصيب اختُبِر إيمان المؤمنين، ومُحِّص القوم, وعُرِف المؤمن من المنافق, واضطربوا اضطرابًا شديدًا بالخوف والقلق, ليتبين إيمانهم ويزيد يقينهم. 

تباينت المواقف, ولكل قوم قول, فكان قولُ المؤمنين "وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا".

لما شاهد المؤمنون الأحزاب الذين تحزبوا حول المدينة وأحاطوا بها، تذكروا أن موعد النصر قد قرب، فقالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله, من الابتلاء والمحنة والنصر, فأنجز الله وعده, وصدق رسوله فيما بشر به, وما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا بالله وتسليمًا لقضائه وانقيادًا لأمره.

وهذه ثمرة الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.

وأما قول أهل النفاق فكان "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا".

 يقول المنافقون والذين في قلوبهم شك, وهم ضعفاء الإيمان: ما وعدنا الله ورسوله من النصر والتمكين إلا باطلًا من القول وغرورًا, فلا تصدقوه.

وكان موقفهم يتسم بالجبن والإرجاف، وتخذيل المؤمنين، وانعدام الثقة بالله عند تعاظم الخطوب, والجرأة على الله تعالى بدل اللجوء إليه عند الامتحان.

 وهذا حال أهل النفاق في كل عصر ومِصر.

ولعلنا نأخذ العبرة من غزوة الأحزاب فيما يلي:

** تذكير المؤمنين بنعم الله عليهم.

** حض المؤمنين في كل زمان ومكان على التأسى برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أقواله وأفعاله وجهاده وكل أحواله.

** التعرف على نوايا المنافقين السيئة، وأخلاقهم الذميمة، وجبنهم الخالع، ومعاذيرهم الباطلة، ونقضهم للعهود.

** بيان سُنّه من سنن الله التي لا تتخلف, وهي أن العاقبة للمؤمنين والهزيمة لأعدائهم.

** مدح المؤمنين على مواقفهم النبيلة وهم يواجهون جيوش الأحزاب بإيمان صادق ووفاء بعهد الله تعالى.

اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب, اللهم اهزمهم وزلزلهم.

والحمد لله رب العالمين.