د. ياسر برهامي - العشر الأواخر.. فرصة للانطلاق - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2017-06-15 05:16:57

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأعظم نعمة ينعم الله -عَزَّ وَجَلَّ- بها على عبدٍ مِن عباده أن يهديه للإسلام، وأن يوفقه للعمل بطاعته -سبحانه وتعالى- واتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

أعظم نعمة أنعم الله بها على أمة الإسلام، الرحمة المهداة والنور والبرهان، الرحمة التي بُعِثَ بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وبُعِثَ من أجلها، والنور والبرهان: الكتاب المبين؛ جعله الله -سبحانه وتعالى- حياةً للقلوب، وسببًا لسعادتها في الدنيا والآخرة، سببًا لنيل كل خير في هذه الدار وفي الدار الآخرة.

كذلك جعل الله -سبحانه وتعالى- القرآن الكريم نورًا للقلوب المؤمنة، وربيعًا لها، وذهابًا لهَمِّها وغَمِّها.

وحاجة الناس إلى القرب مِن الله -سبحانه وتعالى- أعظم مِن حاجتهم للطعام والشراب، بل والنَّفَس؛ حاجتهم وافتقارهم إلى أن يتأَلَّهُوا -إلى أن يتعبدوا- لله -عَزَّ وَجَلَّ-، أن يُؤَدُّوا حق الألوهية، أن يعرفوا حق ربهم -سبحانه وتعالى- ويؤدوه؛ حاجتهم إلى ذلك أعظم مِن كل حاجة؛ إذ لا حياة بغير العبودية، بأن تتوجه قلوبهم إلى الله -سبحانه وتعالى-.

لذا كان شهر رمضان، شهر الحياة، شهر القرآن: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185).

وإنما يَعرِفُ نعمة الله -سبحانه وتعالى- فَيَشكُرَها مَن ذاق معنى القرب مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ بتلاوة القرآن وسماعه، والاهتداء بنوره، ومعرفة الفرقان الذي في القرآن العظيم، حتى يفرِّق بيْن الحق والباطل، وبيْن الهدى والضلال، وبيْن السُّنة والبدعة، وبيْن الإيمان والكفر؛ حين يحصل للعبد هذا الفرقان وتحصل له أنواع الهداية والبَيِّنات؛ عند ذلك يعرف قدر النعمة فيشكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- حين يقول: "الله أكبر، ولله الحمد"، عندما يتم الله -عَزَّ وَجَلَّ- نِعمتَه بإكمال العِدَّة فإنه يقولها صادقًا مِن قلبه: "الله أكبر، ولله الحمد"؛ له الحمد -سبحانه وتعالى- على ما شَرَع لنا، وله الحمد -سبحانه وتعالى- على ما مَنَّ به علينا مِن إرسال رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإنزال الكتاب عليه، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) (الكهف:1).

رمضان شهر الانطلاق والتحرر مِن أسر الشهوات والعادات؛ إن الإنسان فيه طاقات كامنة، فيه رغبات وإرادات يدفنها أكثر الناس، ويغيرون مسالكها؛ فلا يعرفون عن هذه الإرادات وهذه الطاقات في الانطلاق والارتفاع، لا يعرفون عن ذلك شيئًا! إنما يعيشون كما وصف الله -عز وجل-: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف:179).

شهر رمضان شهر تحرر مِن أسر العبودية لغير الله.

العبودية لله -عز وجل- هي سبب راحة الإنسان، خلق عليها، فطر عليها، خلق مِن أجلها: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، قال -عز وجل-: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم:30).

إن الحواجز والعقبات التي تعترض طريق القلب في ارتفاعه وقربه مِن الله -عز وجل- عقبات كثيرة، أعظمها: الكفر والشرك والنفاق، ويليها بعد ذلك: البدع والضلالات التي هي فساد الاعتقاد، والتي في حقيقة الأمر هي منبعها الكفر والشرك والنفاق، وإن كثيرًا مِن الناس يضل بها، وهو يحسب أنه يُحسن صنعًا، ثم بعد ذلك الكبائر الباطنة: مِن الكِبْر والعلو، وإرادة الفساد، ثم بعد ذلك الكبائر الظاهرة: كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، ثم بعد ذلك الصغائر والذنوب: كلها حُجُب، كلها تمنع القلب مِن الانطلاق، ثم بعد ذلك فعل المكروهات، ثم بعد ذلك ترك ما هو أولى ومستحب، كل ذلك يحجب بدرجات متفاوتة، وإن كان مَن ترك المحرمات وفعل الواجبات نجا عند الله -سبحانه وتعالى-، لكن يفوته الربح!

والربح في التجارة مع الله -عز وجل- ربح عظيم: ألم تسمع قول الله -سبحانه وتعالى-: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (الأنعام:160)؟!

ألم تسمع قول الله -عز وجل-: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:261)؟!

ألم تسمع قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) (متفق عليه)؟!

ما أعظم مَن يتاجر مع الله -عز وجل-! (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (فاطر:29).

ألا يكفيك ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

عباد الله... الأعمال بالخواتيم؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ -يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ- فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ، فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي) (رواه مسلم).

ليلة القدر خير مِن ألف شهر، مَن حُرم خيرها فقد حُرم.

كل ليلة مِن ليالي العشر ليلة فاضلة، والعبادة فيها عبادة فاضلة مضاعفة -إن شاء الله-، ومَن قام رمضان قام ليلة القدر، ومَن قام العشر الأواخر قام ليلة القدر، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُرِيَها في العشر الأواخر، وتواطأت رؤيا أصحابه على أنها في العشر الأواخر، واعتكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العشر الأواخر مواظِبًا على ذلك؛ التماسًا لهذه الليلة المباركة التي (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان:4)، كما قال الله -سبحانه وتعالى-.

الله -سبحانه وتعالى- جعل الفضل لهذه الأمة بالمضاعفة في الحسنات لما علم مِن قلوبهم مِن حبهم لله -عَزَّ وَجَلَّ- وطاعتهم له، ورجائهم للقائه أكثر ممن كان قبلهم؛ فضاعف لهم في هذه المواسم، والأيام والليالي المباركة، حتى يسبقوا غيرهم فإنهم خير أُمَّةٍ أُخْرِجَت للناس، ودينهم خير دين، وكتابهم خير كتاب، ورسولهم خير الرسل، خير خَلْقِ الله -عَزَّ وَجَلَّ- على الإطلاق؛ أَيّ شرفٍ لهذه الأُمَّة، شرفها الله -عَزَّ وَجَلَّ- بهذه الخيرات، فسبحان الله! كيف يُعْرِض الأكثر عن هذا الخير؟!

اجتهدوا -عِبَادَ اللهِ- في الأيام والليالي القادمة، واعتبروا أن كل ليلة منها يمكن أن تكون ليلة القدر؛ فاعملوا على ذلك، ولعل الخير في إخفاء ليلة القدر، في أن يجتهد المسلمون في الليالي كلها، ولا يقوموا ليلة واحدة ويتركوا باقي الليالي، فإننا لاشك في حاجةٍ إلى العبادة، في حاجةٍ إلى تَنَفُّسِ قلوبِنا، في حاجةٍ إلى راحتها وسعادتها بالقرآن العظيم، في حاجةٍ إلى فضل الله ورحمته.

الله -سبحانه وتعالى- جعل في الصيام فرحة، وجعل في القيام فرحة، وجعل في الاعتكاف فرحة، جعل في كُلِّ طاعةٍ فرحة؛ لأنها مِن فضل الله ورحمته، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58).

بقيتْ ليالي معدودة، سرعان ما تَمُرّ، كما مَرَّ معظم هذا الشهر الكريم، والعمر يَمُرُّ، والإنسان إن لم ينتبه لمرور الليالي والأيام والشهور والأعوام انقضى عمرُه مغبونًا فيه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ) (رواه البخاري)، وقال: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني)، هكذا أَمَرَ النبي -صلى الله عليه وسلم-.

اغتنموا ما بقي مِن هذه الأوقات الفاضلة، وأروا الله -سبحانه وتعالى- خيرَ ما عندكم، وهو -عَزَّ وَجَلَّ- يجزي مَن آمن بأحسن ما عمل، ويُكَفِّر عنه أسوأ الذي كانوا يعملون، وسبحانه وتعالى عَفُوٌ كَريمٌ يحب العَفْو، ومِن حُبِّهِ للعَفْوِ شرع لعباده أسباب العفو، وفتح لهم أبواب التوبة، خَلَقَ بابًا للتوبة قِبَل المغرب يسير الراكب فيه مسيرة أربعين أو سبعين عامًا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا يزال مفتوحًا للتوبة حتى تطلع الشمس منه، جعل أنبيائَه وخَاصَّةَ رُسُلِه تَوَّابين وأَوَّابين ومُنيبين.

ولأنه -سبحانه وتعالى- يحب التوبة قَدَّرَ الذنوب على عبادِه المؤمنين، ليتوبوا إليه، ليغفر لهم -عَزَّ وَجَلَّ-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) (رواه مسلم).

هو -سبحانه وتعالى- يغفر الذنوب: (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) (آل عمران:135)؛ فجَدِّدوا التوبة على الدوام، واستعينوا بالله -سبحانه وتعالى- على طاعته، فإياه نعبد وإياه نستعين، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5).

لا توفيق لنا إلا بالله، (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود:88)، فأنتَ لا تكون إلا بالله، ولا ملجأ لك إلا إلى الله، قلبك لستَ تملكه، إنما هو بيد الله -عَزَّ وَجَلَّ-، بيْن إصبعين مِن أصابعه، يُقَلِّبُ قلوبَ العِبَاد كيف شاء، فأيّما قلب يريد أن يقيمه أقامه، وأيّما قلب يريد أن يزيغه أزاغه، يا مُقَلِّب القلوبِ ثَبِّت قلوبَنا على دينك.

نسأل الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يتم علينا نعمته، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.