م. سامح محمد بسيوني - بوارق الأمل - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، ففي ظل ازدياد الشعور باليأس والإحباط عند الكثير في خضم تلك الأحداث المتلاحقة، وحالات الاحتقان المتزايدة والتضييقات المتتابعة؛ تظهر الحاجة المُلحة إلى بث بوارق الأمل فى نفوسنا جميعًا.

1-      نحتاج إلى بث الأمل؛ لأننا بشر يؤدي بنا الإحباط واليأس إلى العزوف عن القيام بالأدوار المنوطة بنا والواجبات التي في أعناقنا، ولسنا أكرم على الله –عزوجل- من صحابة نبيه -صلى الله عليه وسلم- الذين رجعوا من غزوة مؤتة منسحبين؛ فجلس بعضهم في بيته، ولم يخرجوا إلى الناس، ثم جاءوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وقالوا له: "نَحْنُ الْفَرَّارُونَ يا رسول الله، فقال: بَلْ أَنْتُمُ العَكَّارُونَ (أي الكرارون)، فاحتاجوا إلى أن يبث النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم الأمل من جديد.

2-      تظهر الحاجة إلى بث الأمل في نفوسنا؛ لأن الطريق لا يزال طويلًا، ويحتاج إلى إعادة ترتيبٍ للأوراق، وعلاج  للأخطاء، فحالنا اليوم كمن كان أمامه سلم طويل، فصعد عليه درجة تلو الأخرى حتى قطع درجات منه، لكنه تعجل الوصول بالقفز على درجات السلم أملًا منه في أن يصل إلى نهايته، ويرى قمته بعين رأسه، فلم تتحمله تلك الدرجات فهوى إلى أول السلم من جديد، وأصيب بكسور وجروح، فلو أصابه اليأس لمكث مكانه ينتظر الموت، ولو بُث فيه الأمل لسارع في تضميد جراحه، وعلاج كسوره، وانطلق في طريقه نحو القمة من جديد، لكن دون تعجل وقفز على درجات السلم، وحرق للمراحل وعدم مراعاة لطبيعة وواجب كل مرحلة، متعلمًا من قول القائل: "من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه".

هذا فيمن سقط تمامًا فأصابه ما أصابه، فما بالنا بمن استطاع -بفضل الله عليه- أن يحافظ على نفسه من السقوط وتشبث ببعض درجات السلم، وإن كانت أدنى مما كان عليه؛ فهو أولى وأولى ببث الأمل ليستمر في المسير.

3-      نحتاج إلى بث الأمل؛ لأن تصوير الأحوال بأنها ميئوس منها يكبل القدرات عن الانطلاق، ويوحي للنفس بالعجز، فيصنع الهزيمة النفسية الداخلية؛ التي تتلوها حتمًا الهزيمة الواقعية، فيؤدي ذلك إلى المزيد من التردي، ويتحول الدور الدعوي الإصلاحي -المفترض لنا القيام به-  إلى الدور التيئيسي الإفسادي الذي يساهم في الهبوط بالمجتمع إلى دركات أخرى أشد سوءًا.

4-      نحتاج إلى بث الأمل ولو في أحلك المواقف؛ لأن ذلك من صفات أهل الإيمان، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الأحزاب -والمسلمون محصورون في المدينة يواجهون المشاق والخوف والجوع والبرد القارس، وقد زلزلوا زلزالاً شديدًا، وبلغت القلوب منهم الحناجر- يبث في أصحابه الأمل، فحينما اعترضتهم صخرة كبيرة وهم يحفرون؛ ضربها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثلاث ضربات فتفتتت، وقال إثر الضربة الأولى: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة"، ثم ضربها الثانية فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض"، ثم ضرب الثالثة، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة ". 

بينما اليأس من صفات الكافرين كما قال تعالى: {إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}.

5-      نحتاج إلى بث الأمل في النفوس؛ لأن دين الله غالب في النهاية لا محالة، والإسلام منصورٌ لا محالة، وباق إلى قيام الساعة، لا خوف عليه من الفناء، كما قال الله تعالى: {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}، وكما قال صلى الله عليه وسلم: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به دين الإسلام، وذلاً يذل به الكفر"، وكما قال أيضا صلى الله عليه وسلم: "بشّر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة و النصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب".

إنما الخوف علينا نحن من الركون إلى الدعة والإخلاد إلى الأرض، وترك الفرص المتاحة أمامنا لإصلاح الأمور، فالفرص لا تموت، ولكن اليأس هو الموت بعينه، يخنق الأرواح ويحرمنا من المحاولة والنجاح.

 

إن الأمل يبعث في النفوس الصادقة: التمسك بهذا الدين، وبذل الغالي والنفيس في حمل مشاعل الهداية والتغيير دون النظر إلى كثرة الجراح أو التعجل بقطف الثمار التي هي بيد الواحد القهار.

فيا إخوتاه:

الأمل الأمل.. والعمل العمل.. والنصرة النصرة  لدين الله بإخلاص وتجرد،  وبكل ممكن ومتاح طبقًا للفهم السليم للشريعة الغراء، فقد قال الله تعالى على لسان نبيه عيسى عليه السلام : {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}، ولم يقل: (من أنصاري)، وكان الرد (نحن أنصار الله)، وليس: (نحن أنصارك)، فالنصرة الحقيقية لا تكون إلا لله، وعلى مراد الله وطبقا لشريعة الله؛ لا على أهوائنا وعواطفنا وآرائنا، فهل سننصر ديننا ونكمل سيرنا ونحيي الأمل في نفوسنا ونفوس إخواننا وأبنائنا من جديد؟!

وهل سنعمل فيما هو أمامنا من متاح كبير بعزم وصدق ويقين؟! فالأمل بلا عمل مجرد أماني وأحلام وسراب كبير.

 

كلُ جُرحٍ ســــوف يبرى   ...  فامتطى يا نفسُ صبرا

واملئي القــــــلب يقينا     ...  حطمي بالعزم صخـرا

واثبتى إن البـــــــــــلايا    ...  ترفــــــع المؤمن قدرا

واطردي الــيأس وقولي    ... لن يدوم الضعف دهـرا

إن تمـــــادى ليلُ بؤسٍ      ...  أخرج الإيمانُ فجــــرا

فالجائي لله صدقـــــــــا    ...  إنـه بالحــــــــال أدرى

واجعلي القرأن نهجـــــا     ...  واشرحى بالذكر صدرا

كي تذوقي بعـــــــد ضعفٍ ... حلَ تمكــــينا ونصــــرا