محمود البرتاوي - إِنَّمَا الدِّينُ النَّصْحُ - بوابة الفتح الالكترونية
محمود البرتاوي
2017-08-10 09:50:35


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن منزلة "النصيحة" في الإسلام منزلة عظيمة، بلغ مِن شأنها أن سمَّاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دينًا، بل حصر فيها الدين، فقال: (إِنَّمَا الدِّينُ النَّصْحُ(رواه أبو الشيخ، وصححه الألباني)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ(رواه مسلم).

بل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأخذ البيعة مِن الصحابة على النصيحة، كما في حديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه-، قال: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (متفق عليه).

- قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ: "مَا فَاقَ أَبُو بَكْرٍ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِصَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَلَكِنْ بِشَيْءٍ كَانَ فِي قَلْبِهِ. قَالَ: الَّذِي كَانَ فِي قَلْبِهِ الْحُبُّ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ فِي خَلْقِهِ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: مَا أَدْرَكَ عِنْدَنَا مَنْ أَدْرَكَ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ عِنْدَنَا بِسَخَاءِ الْأَنْفُسِ، وَسَلَامَةِ الصُّدُورِ، وَالنُّصْحِ لِلْأُمَّةِ" (جامع العلوم والحكم لابن رجب)

وقال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إِلَى عِبَادِهِ، وَيُحَبِّبُونَ عِبَادَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَيَمْشُونَ فِي الأَرْضِ بِالنَّصِيحَةِ".

والنصيحة سببٌ لنجاة العبد مِن الخسران، وبها يكمل دين العبد ويعظم إيمانه، وقد أخطأ مَن ظن أنه يسعه أن يكون في خيرٍ وعافيةٍ دون أن يكون له دور في هداية الخلق ونجاتهم، قال الله -تعالى-: (وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(العصر).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ(متفق عليه).

فالمؤمن ليس همه نجاة نفسه فحسب، بل همه أعظم مِن ذلك؛ أن يكون سببًا في هداية العباد ونجاتهم، يتأسى في ذلك بأنبياء الله ورسله الكرام الذين كانوا أعظم الناصحين للخلق؛ يصبرون على أذاهم، ويتلطفون في دعوتهم ونصيحتهم رجاء استجابتهم وهدايتهم، ويتأسى برسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كادت نفسه الشريفة أن تتلف حزنًا على رفض القوم لنصحه ودعوته لهم، فواساه الله -تعالى- بقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ(فاطر:8).

ويتأسى بصالحي المؤمنين كهذا العبد الصالح "مؤمن آل ياسين" الذي قال عنه ابن عباس: "نَصَحَ قَوْمَهُ حيًّا وميتًا"؛ لأنه جاء قومه ساعيًا ينصحهم بالإيمان بالله ورسله (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ... )، فما كان منهم إلا أن كذبوه وقتلوه (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(يس:20-26)؛ فتمنى أن لو عاد إلى الدنيا ليخبرهم بتكريم الله -تعالى- له رجاء أن يؤمنوا؛ فنصحهم حيًّا وميتًا!

بل ذكر الله -تعالى- لنا حال "الهدهد" الذي لم يتحمل أن يرى مَن يشرك بالله دون أن يحرك ساكنًا فعاد إلى سليمان -عليه السلام- محرضًا له: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ . أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(النمل:23-25).

وذكر الله -تعالى- كيف تنصح النملة لقومها: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)(النمل:18).

فكيف بعد ذلك لا يبذل المسلم النصيحة لعباد الله، ويذكِّرهم بحق الله عليهم؟!

نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا ممن يبذلون النصح ويقبلونه.