د. رمضان النجدي - حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (6).. أيام التشريق والعودة إلى المدينة - بوابة الفتح الالكترونية
د. رمضان النجدي
2017-08-30 14:40:18

حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها (6)

أيام التشريق والعودة إلى المدينة


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فموعدنا مع الحلقة السادسة والأخيرة مِن "حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنك تراها"، وهي: "أيام التشريق والعودة إلى المدينة"، وقد تناولنا في الحلقة الماضية "يوم النحر وما تم فيه"، واليوم نتناول أيام التشريق وما تم فيها، ورحلة الإياب إلى المدينة المنورة.

- رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، وأنزل الناس منازلهم، فقال: (لِيَنْزِلِ الْمُهَاجِرُونَ هَا هُنَا) وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ (وَالْأَنْصَارُ هَا هُنَا) وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ (ثُمَّ لِيَنْزِلِ النَّاسُ حَوْلَهُمْ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

- واستأذن العباس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبيت بمكة ليالي مِنى مِن أجل سقايته؛ فأذِن له، وبات -صلى الله عليه وسلم- ليلة النحر عند أم سلمة -رضي  الله عنها-، ودخل عليه عندها وهب بن زمعة ورجل مِن آل أبي أمية متقمصين، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِوَهْبٍ: (هَلْ أَفَضْتَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟) قَالَ: لَا وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (انْزِعْ عَنْكَ الْقَمِيصَ) قَالَ: فَنَزَعَهُ مِنْ رَأْسِهِ وَنَزَعَ صَاحِبُهُ قَمِيصَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا) -يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءَ- (فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

- ودخل يوم الأحد 11 ذي الحجة -يوم الرؤوس- فصلى صلاة الصبح في مسجد الخيف مِن مِنى، فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: (عَلَيَّ بِهِمَا). فَأُتِيَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ: (مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟) قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: (فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ) (رواه مسلم)، وأمر -صلى الله عليه وسلم- بشر بن سحيم أن ينادي أيام التشريق: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- وأقبل ابن عباس -رضي الله عنهما- وقت صلاة الظهر على حمار، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يصلي بالناس في مِنى، فسار الحمار بيْن يدي بعض الصف الأول، ثم نزل عنه ابن عباس، فصف مع الناس، وكان -صلى الله عليه وسلم- يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا، ذاهبًا وراجعًا، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس؛ يأتي الجمرة الدنيا التي تلي مسجد منى، يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم يتقدم أمامها حتى يسهل فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف، ثم يأتي الجمرة الثانية الوسطى، فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، يقوم طويلاً، ثم يأتي الجمرة ذات العقبة مِن بطن الوادي فيرميها بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها.

- وعَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، سَأَلَهُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ لِيَرْكَبَ، قَالَ: (أَيْنَ السَّائِلُ؟) قَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ ‍‍ قَالَ: (كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ جَائِرٍ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

- ورخص -صلى الله عليه وسلم- لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما، ورخص للراعي أن يرمي في الليل، وقال: (الرَّاعِي يَرْمِي بِاللَّيْلِ، وَيَرْعَى بِالنَّهَارِ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني)، وفي هذا اليوم خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- "ويسمَّى يوم الرؤوس"، وخطب الناس على بغلةٍ شهباء وعليه برد أحمر، وعلي -رضي الله عنه- يبلغ عنه الناس.

- قال رافع بن عمرو المازني -رضي الله عنه-: أقبلتُ مع أبي وأنا غلام وصيف أو فوق ذلك في حجة الوداع، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب الناس على بغلة شهباء وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يعبِّر عنه والناس مِن بيْن جالس وقائم، فجلس أبي وتخللت الركاب حتى أتيت البغلة فأخذت بركابه ووضعت يدي على ركبته فمسحت حتى الساق حتى بلغت بها القدم ثم أدخلت كفي بيْن النعل والقدم، فيخيل إلي الساعة أني أجد برد قدمه على كفي! ولأن عجب رافع بن عمرو مِن برد قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فإننا نعجب مِن برد خلقه، وطيبه نفسه، إنها النفس الرضية والخلق العظيم أن يمضي -صلى الله عليه وسلم- في خطبته ويدع الغلام يمسح قدمه، ويدخل يده تحت شراك نعله وهو ماضٍ في شأنه معلمًا بحاله ومقاله.

- وهذا نص هذه الخطبة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ؛ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟)، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟)، قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟)، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: (أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟)، قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: (فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَبَلَّغْتُ؟)، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) (أخرجه أحمد بسندٍ صحيح).

- وطلعت شمس الاثنين 12 مِن ذي الحجة -ثاني أيام التشريق-؛ ففعل في هذا اليوم مثل ما فعل اليوم الأول مِن التشريق، يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا، ذاهبًا وراجعًا، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس؛ يأتي الجمرة الدنيا التي تلي مسجد منى، يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم يتقدم أمامها حتى يسهل فيقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف، ثم يأتي الجمرة الثانية الوسطى، فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو، يقوم طويلاً، ثم يأتي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي فيرميها بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها، وكان يصلي بأصحابه بمنى ركعتين.

- وطلعت شمس يوم الثلاثاء 13 ذي الحجة مِن السنة العاشرة مِن الهجرة، ففعل في هذا اليوم مثل ما فعل اليوم الأول والثاني مِن التشريق؛ يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا، ذاهبًا وراجعًا، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس؛ يأتي الجمرة الدنيا التي تلي مسجد منى، يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم يتقدم أمامها حتى يسهل فيقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف، ثم يأتي الجمرة الثانية الوسطى، فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، يقوم طويلًا، ثم يأتي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي فيرميها بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها.

- وقال أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: (وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ)، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ. (متفق عليه).

ثم قال: (نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ) يُرِيدُ المُحَصَّبَ. (متفق عليه)، حيث قاسمتْ قريشًا على الكفر، وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، ولا يؤوهم حتى يُسلِموا إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال عند ذلك: (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) (متفق عليه).

- وضرب أبو رافع -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم- قبة بالمحصب، فجاء فنزل، وصلى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ودخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عائشة ليلة الحصبة، وكانت قد طهرت بمنى، وطافت بالكعبة، والصفا والمروة يوم النحر، فقالت: يا رسول الله، أيرجع بأجرين وأرجع بأجر، تنطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج؟ قال: (إِنَّ لَكِ مِثْلَ مَا لَهُمْ)، فقالت: إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: (مَا كُنْتِ تَطُوفِينَ بِالْبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا) قَالتْ: لَا. فقال: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَرْدِفْ أُخْتَكَ عَائِشَةَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ فَإِذَا هَبَطْتَ بِهَا مِنَ الأَكَمَةِ فَلْتُحْرِمْ فَإِنَّهَا عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ. (رواه مسلم).

- قالت عائشة: فاعتمرتُ بعد الحج وطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم جئتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في منزله سحرًا، وذلك ليلة الحصبة، فقال: (هَلْ فَرَغْتُمْ؟) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، قالتْ عائشة: نعم. قال: (هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ) (رواه البخاري).

- وأذن في الرحيل في أصحابه إلى البيت، ولما أراد أن ينفر إذا صفية بنت حيي -رضي الله عنها- على باب خبائها كئيبة حزينة، فقال: (عَقْرَى حَلْقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا) ثُمَّ قَالَ لَهَا: (أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (فَانْفِرِي) (متفق عليه).

- ودخل يوم الأربعاء 14 ذي الحجة مِن السنة العاشرة مِن الهجرة، وارتحل الناس وركب -صلى الله عليه وسلم- إلى البيت مدلجًا، فمر بالبيت قبْل صلاة الصبح فطاف به، وكانت أم سلمة -رضي الله عنها- قد شكت إليه المرض، فقال: (طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ) قَالَتْ: فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. (متفق عليه). ولم تصلِّ حتى خرجتْ.  

- ثم انصرف الناس في كل وجه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ) (رواه مسلم)، ثم انصرف متوجهًا إلى المدينة بعد أن أقام بمكة عشرًا، وكان خروجه مِن مكة مِن الثنية السفلي، وحمل معه مِن ماء زمزم.

وبالروحاء عند العودة قال أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حِجَّتِهِ الَّتِي حَجَّهَا، فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ الرَّوْحَاءِ عَارَضَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امرأة لها صَبِيٌّ، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَقَفَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنِي فُلَانٌ، وَالَّذِي بعثك بالحق ما زال في حنق وَاحِدٍ مُنْذُ وَلَدْتُهُ إِلَى السَّاعَةِ، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا. فأكسع إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَسَطَ يَدَهُ، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّحْلِ، ثُمَّ تَفَلَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِيهِ-، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ نَاوَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِيَّاهُ فَقَالَ: خُذِيهِ، فَلَنْ تَرَيْ مَعَهُ شَيْئًا يَرِيبُكِ بَعْدَ الْيَوْمِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-.

قَالَ أُسَامَةُ -رَضِيَ الله عَنْه-: وَقَضَيْنَا حِجَّتَنَا، ثُمَّ انْصَرَفْنَا، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِالرَّوْحَاءِ، فَإِذَا تِلْكَ الْمَرْأَةُ أُمُّ الصَّبِيِّ، فَجَاءَتْ وَمَعَهَا شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أُمُّ الصَّبِيِّ الَّذِي أَتَيْتُكَ بِهِ. قَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ شَيْئًا يَرِيبُنِي إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ.

فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا أُسَيْمُ -قَالَ الزُّهْرِيُّ: وهكذا كان يدعوه به- نَاوِلْنِي ذِرَاعَهَا، قَالَ: فَامْتَلَخْتُ الذراع فناولته إياها -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَكَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: يَا أُسَيْمُ نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، فَامْتَلَخْتُ الذراع فناولته إياها فَأَكَلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ يَا أُسَيْمُ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قَدْ قُلْتَ نَاوِلْنِي، فَنَاوَلْتُكَهَا فَأَكَلْتَهَا، ثُمَّ قُلْتَ نَاوِلْنِي، فَنَاوَلْتُكَهَا فَأَكَلْتَهَا، ثُمَّ قُلْتَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، وَإِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانِ! فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَهْوَيْتَ إِلَيْهَا مَا زِلْتَ تَجِدُ فِيهَا ذِرَاعًا مَا قُلْتُ لَكَ.

ثُمَّ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا أُسَيْمُ: قُمْ فَاخْرُجْ فَانْظُرْ: هَلْ تَرَى مَكَانًا يُوَارِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَخَرَجْتُ، فَمَشَيْتُ حَتَّى حَسِرْتُ، وَمَا قَطَعْتُ النَّاسَ وَمَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَرَى أَنَّهُ يُوَارِي أحداً، وقد مَلَأَ النَّاسُ مَا بَيْنَ السَّدَّيْنِ. فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَهَلْ رَأَيْتَ شَجَرًا أَوْ رَجْمًا؟ قُلْتُ: بَلَى، قَدْ رَأَيْتُ نَخَلَاتٍ صِغَارًا إِلَى جَانِبِهِنَّ رَجْمٌ مِنْ حِجَارَةٍ. فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا أُسَيْمُ، اذْهَبْ إِلَى النَّخَلَاتِ فَقُلْ لَهُنَّ: يَأْمُرُكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَنْ يَلْحَقَ بَعْضُكُنَّ بِبَعْضٍ حَتَّى تَكُنَّ سُتْرَةً لِمَخْرَجِ رَسُولِ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وقل كذلك لِلرَّجْمِ فَأَتَيْتُ النَّخَلَاتِ فَقُلْتُ لَهُنَّ الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ تفاقرهن بِعُرُوقِهِنَّ وَتُرَابِهِنَّ حَتَّى لَصَقَ بَعْضُهُنَّ بِبَعْضٍ، فَكُنَّ كَأَنَّهُنَّ نَخْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقُلْتُ ذَلِكَ لِلْحِجَارَةِ. فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تفاقرهنَّ حَجَرًا حَجَرًا، حَتَّى عَلَا بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. فَكُنَّ كَأَنَّهُنَّ جِدَارٌ.

فَأَتَيْتُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خُذِ الْإِدَاوَةَ، فَأَخَذْتُهَا، ثُمَّ انْطَلَقْنَا نَمْشِي، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُنَّ سَبَقْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعْتُ الْإِدَاوَةِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَانْصَرَفَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَهُوَ يَحْمِلُ الْإِدَاوَةَ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ رَجَعْنَا.

فَلَمَّا دَخَلَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْخِبَاءَ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَا أُسَيْمُ انْطَلِقْ إِلَى النَّخَلَاتِ، فَقُلْ لَهُنَّ: يَأْمُرُكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ تَرْجِعَ كُلُّ نَخْلَةٍ إِلَى مَكَانِهَا، وَقُلْ ذَلِكَ لِلْحِجَارَةِ. فَأَتَيْتُ النَّخَلَاتِ فَقُلْتُ لَهُنَّ، قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تَفَاقُرِهِنَّ وَتُرَابِهِنَّ، حَتَّى عَادَتْ كُلُّ نَخْلَةٍ إِلَى مَكَانِهَا. وَقُلْتُ ذَلِكَ لِلْحِجَارَةِ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تفاقرهن حَجَرًا حَجَرًا حَتَّى عَادَ كُلُّ حَجَرٍ إِلَى مَكَانِهِ. فَأَتَيْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ" (أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العلية).

- فلما أتى -صلى الله عليه وسلم- ذَا الحُلَيْفَةِ، باتَ بِهَا، وَلَمَّا رَأى المَدِينَةَ، كَبَّرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وقال: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) (متفق عليه).

ثم دخلها نهارًا مِن طَرِيق المُعَرَّسِ، وخَرَج مِن طرِيق الشَّجَرَةِ. والله أعلم.

فالله أكبر ولله الحمد.

وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم. "1"


------------------
"1"
أصل هذه المقالات، من "زاد المعاد" لابن القيم -رحمه الله- فصل "في سياق حجه"، ورسالة لطيفة "حجة النبي كأنك معه" للدكتور عبد الوهاب الطريري، وكذا ذات العنوان على الشبكة للدكتور الغيلان، فقد اختصرتُ وحذفتُ وأضفتُ وعلقتُ ورتبتُ، وبالله التوفيق.