د. إبراهيم بركات - مِن دروس الحج: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ" - بوابة الفتح الالكترونية
د. إبراهيم بركات
2017-09-11 16:25:24

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ). قال نافع: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يَزِيدُ فِيهَا: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ" (رواه مسلم).

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أفْضَلُ الحَجِّ: العَجُّ والثَّجُّ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). أي: رفع الصوت بالتلبية، ونحر الهدي.

كلمات التلبية تعلو بها الحناجر، وترتج بها بقاع المناسك في ذل وخشوع للملك الديان؛ تسكب العبرات، وتعلو الأصوات، وتفرح قلوب المؤمنين وتسعد نفوسهم بأداء الفريضة، والاجتماع مِن كل بقاع الأرض؛ ليعودوا غانمين مأجورين، مغفورًا لهم.

ومما يجدر الإشارة إليه: الانتباه إلى الإحاطة والمعرفة لمعاني ألفاظ التلبية؛ للوصول إلى تحقيقها، والحياة عليها.

معاني التلبية:   

1- (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ): أي إجابتي لك يا ربي، وإقامتي معك، مأخوذة مِن: "ألبّ بالمكان"، وألب به إذا أقام به, ومعني التثنية: أي إجابة بعد إجابة، وإقامة بعد إقامة.

2- اتجاهي إليك وقصدي, مأخوذة مِن قولهم: "داري تلب دارك" أي: تواجهها, والتثنية للتأكيد.

3- محبتي لك يا ربي, مِن قول العرب: "امرأة لبة" إذا ما كانت محبة لولدها.

4- إخلاصي لك يا ربي, مِن: "لب الطعام ولبابه".

5- انقياد لك يا ربي بعد انقياد, مِن قولهم: "لبب الرجل" إذا قبضت على تلابيبه، ومنه: "لببته بردائه", والمعني: انقدتُ لك، ووسعت نفسي لك، خاضعة ذليلة، كما يفعل بمَن لبب بردائه، وقبض على ردائه.

6- أنه مِن: "لب بالمكان"؛ إذا أقام به ولزمه, والمعني: "أنا مقيم على طاعتك، ملازم لها".

7- مِن قولهم: " فُلَان رَخِيُّ اللَّبَب، وَفِي لَبَب رَخِيّ": أي في حال واسعة، منشرح الصدر, ومعناه: إني منشرح الصدر، متسع القلب؛ لقبول دعوتك وإجابتها، مُتَوَجِّه إِلَيْك بِلَبَبٍ رَخِيٍّ ، يُوجِد الْمُحِبُّ إِلَى مَحْبُوبه ، لَا بِكُرْهٍ وَلَا تَكَلُّف.

8- أَنَّهُ مِنْ الْإِلْبَاب ، وَهُوَ الِاقْتِرَاب، أَيْ: اِقْتِرَابًا إِلَيْك بَعْد اِقْتِرَاب، كَمَا يَتَقَرَّب الْمُحِبّ مِنْ مَحْبُوبه.

وأما زيادة عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "لبيك وسعديك": فهي مِن المساعدة، وهي المطاوعة, ومعناه: مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة, والياء في لبيك للتثنية, والتثنية للتكرير والاستدامة: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (متفق عليه).

وتحقيق معاني التلبية مِن صدق الاستجابة، وتصفية القصد والوجهة لله -سبحانه وتعالى-، وتحقيق المحبة الخالصة لله -عز وجل-، والانقياد التام لمحاب الله -تبارك وتعالى- بسعة صدر، وخضوع وخشوع، وذل مقيم على ذلك، ملازم لكل مراتب العبودية، منشرح بها صدره، يزداد قربًا على قربٍ، ويرفع سقف دعائه راجيًا رحمة الله -تعالى- في كل مناسك الحج مِن بداية ارتداء ملابس الإحرام، ورفع صوته بالتلبية، وطوافه بالبيت وسعيه، وكذلك في مِنى وعرفات، وحال ذبح هديه، ورميه للجمرات؛ حتى طوافه بالبيت مودعًا ليعود كما ولدته أمه نقيًّا مِن الذنوب، غانمًا سالمًا مأجورًا.

وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.