د. علاء بكر - مجاهدة النفس بكثرة السجود (7) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2017-10-01 08:19:03

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمَن فضائل السجود خاصة "والصلاة عامة": ما يكون فيها ويعقبها مِن انشراح الصدور، وانفراج الهموم؛ ولذا كان دأب الصالحين أنهم إذا ضاقتْ عليهم الدنيا أقبلوا على الآخرة بالدخول في عالم الصلاة مِن قيامٍ وركوعٍ وسجود، قال الله -تعالى- لنبيه وللأمة مِن بعده: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (الحجر:97-98)، وقال -تعالى-: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا . وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) (الإنسان:24-26).

وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) (البقرة:153)؛ لذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وكان يقول لبلال -رضي الله عنه-: (يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، ويقول: (وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، ولا غرابة في ذلك؛ إذ إن العبد أقرب ما يكون إلى ربه وهو ساجد -كما جاء في الصحيح-.

ومَن يتأمل نفسه وهو في صلاته ساجد لربه، يدرك هذا القرب مِن وجوه، منها:

- أن السجود أبلغ صور الخضوع والتذلل؛ فللخضوع والتذلل صور أشدها السجود، والمؤمن يكثر مِن هذا السجود لله -تعالى- في ليله ونهاره، باختياره ورضاه، مع استشعاره عظمة هذا السجود لله -تعالى-، ويأبى أن يسجد لغيره كائنًا مَن كان.

- أن الساجد يجعل الله -تعالى- أمامه، ويقصر نظره تجاهه، على قطعة صغيرة مِن الأرض لا يتعداها، ولا يرى مِن الدنيا سواها؛ إذ الدنيا جميعها وراءه، فالله غايته، والدنيا وما فيها خلفه؛ لذا كان على المصلي النظر إلى موضع سجوده طوال صلاته لا يلتفت عنه، ولا يشغله عن انفراده بربه شيء، فلما أقبل الساجد على ربه بالكلية أقبل الله -تعالى- عليه، فجعله أقرب ما يكون إليه.

- أن الساجد مع كونه لا التفات له لغير الله، ولا تعلق له بالدنيا؛ هو مع ذلك يسبِّح الله -تعالى- بلسانه، ويذكره ويدعوه، وقلبه معلق بربه الذي يذكره، وهذه درجة عالية مِن تجرد العبد لله -تعالى-، وامتثاله لقول -تعالى-: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات:50).

- إن الساجد تكون حواسه وجوارحه خاضعة معه لله -تعالى-؛ نظره وسمعه ولسانه، قدماه وركبتاه، ويداه وجبهته وأنفه، وهي أبعد ما تكون مع طول هذا السجود عن المعصية أو الانشغال بغير الله -تعالى-.

- إن الإنسان حال سجوده يكون ملتصقًا بالأرض، وفي التصاقه بالأرض دلالة معنوية، تذكره بأصله بأنه خلق مِن ترابٍ، وأنه سيعود إليه بعد الموت؛ ففيه عند إدراكه وتأمله دعوة لذكر الموت والبلى، والنفور مِن الكبر والتعالي.

- فإذا تذكر العبد في سجوده أن الشيطان أمره الله بالسجود فأبى؛ فطرد مِن رحمة الله وأُبعد عنها، وأنه أمر بالسجود فسجد فتعرض لرحمة الله -تعالى- والقرب منه؛ أدرك فضل الله -تعالى- عليه، وعلِم أن الشيطان عدوه الأكبر الذي ينبغي عليه مخالفته وعداوته، فهو والشيطان على طرفي نقيض.

- فإذا تذكر العبد وهو ساجد أن الناس تُكب على وجوهها في النار يوم القيامة، كما في قوله -تعالى-: (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) (النمل:90)، وقوله: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) (الزمر:24)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) - أدرك أن سجوده هذا في الدنيا سبب -بفضل الله- في حجب النار عن وجهه يوم القيامة. (راجع في ذلك: "فقه السجود" تأليف: علي بن عمر بادحدح. ط. رابطة العالم الإسلامي).