د. هشام عزمي - العلم والإيمان (2) - بوابة الفتح الالكترونية
د. هشام عزمي
2017-10-16 04:35:22

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

العلم يؤدي للإيمان:

يظهر مِن كل ما مضى -كما في مقالنا السابق- أن المخلوقات تدل على خالقها، وتدعو للإيمان به وبوحدانيته وربوبيته وألوهيته، وكمال صفاته، وأن القرآن يقرر هذه القضية أحسن تقرير، ويؤكدها أوضح تأكيد؛ بحيث لا يدع مجالًا للشك أو الارتياب في أن الاستدلال بما في المخلوقات مِن إبداعٍ ودقةٍ، وإحكام وإتقان، يدل على الخالق -تبارك وتعالى-.

ومما لا ريب فيه كذلك: أن العلم بما في المخلوقات مِن تصميمٍ وإحكامٍ، وإتقان ودقة بالغين، يزيد المرء بصيرة وإيمانًا، ومِن أبرز أدوات التعرف إلى ما في خلق المخلوقات مِن إحكامٍ وإبداعٍ: العلوم الطبيعية مِن "الفيزياء - والكيمياء - والأحياء"؛ فهي أدوات تكشف لنا ما في الكون الفسيح، وما في الأرض، وما في الكائنات الحية "خصوصًا الإنسان" مِن آياتٍ باهرة تدل على خالقها، وتدعو للإيمان به.

كما قال الشاعر:

تـأمـل سطـور الكائـنات فإنها                         مِن الملك الأعلى إليك رسائـل

وقد خط فيها لو تأملتَ خطها                         ألا كل شيء ما خلا الله باطـل!

فالاستدلال بالخلق على الخالق، طريقة شرعية صحيحة، وعقلية صحيحة: فهي شرعية صحيحة؛ لأن القرآن دلّ عليها وبينها، وأرشد الناس وهداهم إليها، وهي عقلية صحيحة؛ لأن كون الإنسان كان بعد أن لم يكن ومولودًا ومخلوقًا مِن نطفةٍ ثم مِن علقةٍ لم يعلمه الناس مِن خبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل علموه بعقولهم سواء أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أم لم يخبر، لكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر أن يستدل به، ودل عليه واحتج به، فهو دليلٌ شرعيٌ؛ لأن الشارع استدل به، وأمر أن يستدل به، وهو عقلي؛ لأنه بالعقل تعلم صحته.

والآيات القرآنية في هذا أكثر مِن أن تعد وتحصى!

فالمقصود هنا: بيان أن العلم سبيلٌ يؤدي بالمرء للإيمان بالله الخالق كما يقول د."مصطفى محمود": "العلم الحديث يصل إلى الله مِن خلال الميكروسكوب، والمبضع، والتلسكوب، وتأمل قوانين الذرة والفلك" (مصطفى محمود، الله).

"إله الفجوات المعرفية!":

مِن جهة أخرى كان اللاهوتيون النصارى قديمًا، كلما أعياهم تفسير ظاهرة ما -أو حادثة ما- قالوا: إن سبب ظهورها أو وقوعها أو حدوثها هو الفعل الإلهي المباشِر، المجرد مِن الأسباب المادية، فـ"قوس قزح" سببه أن الله خلقه ليكون علامة على كذا، وفيضان النهر سببه أن الله خلقه لأجل كذا، وكسوف الشمس وخسوف القمر، ونزول المطر، وغيرها مِن الظواهر كانت تفسَّر بإرادة الله وفعله المباشر، المجرد عن الأسباب المادية.

فلما تطورت العلوم، وعرف العلماء أن هناك أسبابًا مادية للكسوف والخسوف، والمطر والفيضان، وقوس قزح، إلخ، حلت الأسباب المادية محل السبب الإلهي، وتزعزعت الثقة بالله! لكن كانت ما تزال هناك ظواهر لم يتمكن العلم مِن تفسيرها، فكانت تفسَّر بأن الله هو الذي سببها، لكن ظلت العلوم تتقدم وتنمو، وتتطور على حساب الله، وكلما اكتشف سبب مادي لظاهرةٍ ما، كانت مكانة الله تتآكل وتضعف عند الناس، فهذا المفهوم الذي يقوم فيه الله بتفسير الفجوات المعرفية التي لم يملأها العلم، ولم تبلغها المعرفة العلمية في هذا الزمان - هو المقصود بمفهوم "إله الفجوات المعرفية!"، والذي يجعل الله عرضة للنقد والتشكيك مع كل تطور وتقدم للعلوم والمعارف العلمية!

وللحديث بقية -إن شاء الله-.