د. هشام عزمي - العلم والإيمان (3) - بوابة الفتح الالكترونية
د. هشام عزمي
2017-10-21 08:28:59

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيعتبر هذا الباب -باب الخلط بيْن التفسيرات الغائية الإلهية والتفسيرات الكونية الطبيعية- مِن أعتى أبواب الضلال في فهم الرؤية الإيمانية الصحيحة، فعندنا في الإسلام هذا المفهوم المغلوط غير موجود إطلاقًا؛ لأننا نؤمن بأن الله قد أودع في الأشياء صفاتٍ وخصائص وأسبابًا حقيقية، والله مِن فوقهم بإرادته ومشيئته يُقدّر ويخلق، فإذا وجدنا لظاهرةٍ ما سببًا كونيًّا ماديًّا؛ فهذا لا ينقض خالقية الله -تعالى-، بل يؤكدها ويرسخها.

فلا شك أن الله هو الخالق، وأن الأسباب المادية مِن خلقه، لكنه جعل للكون نظامًا، وجعل مِن نظام خلقه أن الأسباب بالفعل مؤثرة بمسبباتها، وكل ذلك يرجع إلى تقدير الله وخلقه؛ وعليه فالأسباب ومسبباتها مِن خلق الله، والإيمان بقدرة الله لا ينافي الأخذ بالأسباب المادية، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- دخل الغار، وشاور الطبيب، ولبس الدرع، وحفر الخندق، ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي وهو مشرك، وقال: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) (متفق عليه).

الآن عندما ننظر إلى تاريخ العلم في الغرب، وننظر كيف كان العلماء الغربيون في الماضي يفسِّرون الظواهر الطبيعية، مثل: شروق الشمس وغروبها، وحدوث البرق والرعد، وغيرها، بأسبابٍ غيبية، وكيف أصبح تفسيرها بالأسباب المادية الطبيعية الآن، يمكننا أن نفهم كيف تشربت قلوب المنكِرين للغيب هذه الشبهة الخطيرة!

والحقيقة أنه لا تعارض بيْن الأسباب الغيبية والأسباب المادية؛ فيجوز أن يكون الشيء الواحد له أكثر مِن سببٍ غيبي أو مادي، بالضبط كما نرى أن معظم الظواهر والحوادث التي تقع في العالم لها أكثر مِن سببٍ مادي بلا تعارض بينها، فكذلك وجود أسبابٍ غيبية مع الأسباب المادية لا يفيد التعارض والتناقض إطلاقًا.

أذكرُ أني كنتُ أناقش عددًا مِن طلبة الجامعة في هذه المسألة، فضربت لهم مثلًا بالطالب الذي يرسب في أحد الاختبارات، قد يكون لهذا الرسوب أسباب مادية عديدة، مثل أنه لم يستذكر كل دروسه قبْل الاختبار، وأنه ظل ساهرًا فترة طويلة؛ فبالتالي لم ينل نصيبه مِن النوم قبْل الذهاب للاختبار، وأن الاختبار نفسه كان صعبًا أو أسئلته طويلة تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ للإجابة، وأن وقت الإجابة لم يكن كافيًا، إلخ.

فنحن نعزو رسوب هذا الطالب لكل هذه الأسباب المادية ثم لا نرى في تعدد هذه الأسباب أي تعارضٍ أو تناقضٍ، ولا يستوجب قبولنا لأي سببٍ أن ننفي ما عداه مِن الأسباب، فكيف لو أضفنا إليها بعض الأسباب الغيبية، مثل أنه لم يَسأل الله التوفيق، ولم يطلب منه العون، وأنه لم يؤدِ صلاة الفجر قبْل الاختبار، وأنه خاطب أمه بكلمات غير مؤدبة، وذهب للاختبار وقلبها ساخط عليه، إلخ.

فهل تتعارض هذه الأسباب الغيبية مع المادية؟!

أليس الأقرب للعقل أنها لا تتعارض ولا تتناقض ولا ينفي بعضها بعضًا؟

فأين يقع الإشكال إذن؟!

هذا ما نستكمله في المقال القادم -إن شاء الله تعالى-.