شحاتة صقر - "وجدي غنيم" واختلال الموازين! - بوابة الفتح الالكترونية
شحاتة صقر
2017-10-23 17:21:40

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ"وجدي غنيم" داعية إخواني، معروفٌ بشططه في مسائل التكفير، وتسرعه في تكفير المسلمين دون مراعاةٍ لضوابط الشرع الحنيف، ومِن ذلك تكفيره لأعضاء "حزب النور" لمجرد جلوسهم في مفاوضاتٍ في أواخر أيام حكم الدكتور "محمد مرسي"، حفاظًا على البلاد والعباد، ومحاولةً للإبقاء على بعض مكتسبات الثورة، ومواد الشريعة في الدستور، وحتى لا يُفسح المجال للعلمانيين للانفراد بوضع الدستور والتحكم في البلاد والعباد، وإنقاذًا لما كان يمكن إنقاذه مما ضيعه الإخوان بأخطائهم في الحكم، واستبدادهم بالرأي، وعدم قبولهم للنصيحة، وإصرارهم على المرور مِن طريق مسدود، فأنكر "وجدي غنيم" ذلك على أعضاء "حزب النور"، واعتبر جلوسهم في هذه المفاوضات مِن أعمال الكفر، وأطلق على حزب النور اسم: "حزب الزور والبهتان!"، واتهمهم بالخيانة؛ فوصفهم بأنهم خونة لله وللرسول وللمؤمنين!

ولكن عندما اتخذت "حركة حماس" التابعة للإخوان في فلسطين نفس موقف "حزب النور" في مصر، وسلّمت إدارة قطاع غزة طوعًا لـ"محمود عباس" ورفاقه، الذين يتهمهم "وجدي غنيم" وإخوانه بموالاة اليهود، وخيانة القضية الفلسطينية؛ انبرى "وجدي غنيم" مدافعًا عن حماس، ومنكرًا على مَن ينكر عليها فعْلَتَها، والتمس لها المعاذير مع أنها تفاوضت مع الذين تفاوض معهم حزب النور، واعتبر فِعلها مِن أفعال الاضطرار، وذلك لتوفير المرتبات، والكهرباء، والغاز، وحل مشكلة البطالة مِن وجهة نظره، وذهبَتْ مع الريح عباراتُ التخوين والتكفير التي اعتاد وجدي غنيم إطلاقها على مخالفيه، رغم أن ما  فَعَله حزب النور وحماس مِن بابٍ واحد، وهو: "مراعاة المصالح والمفاسد" الذي يجب أن تحكمه ضوابط السياسة الشرعية.

وقد ذكّرني موقف وجدي غنيم في اختلال الموازين بحوارٍ لي مع أحد إخوانه حيث حمَّل "حزب النور" و"الدعوة السلفية" خطأ امرأة منتقبة مجهولة الهوية، وادَّعى أنها محسوبة عليهم، وكأن النقاب حكْرٌ على الدعوة السلفية وحزب النور، وكأنه ليس هناك منتقبات بيْن الإخوان أو غيرهم! ولكنه على النقيض مِن ذلك عندما كلمْتُه عن خطأ واضح في العقيدة لأحد رموز الإخوان، قال: "إن هذا المسئول الكبير عندهم لا يمثِّل إلا نفسه!"، وقال: "إن خطأه لا يُحسَبُ عليهم".

فعجبْتُ مِن اختلال الموازين عنده، فقلتُ له: إن مشكلتكم في اختلال المقاييس، فمِن المعروف أن المتر مقياسه الثابت يساوي مائة سنتيمتر، ولكنه عند بعض الناس يختلف حسب الهوى؛ فتارة يجعلونه ثمانين سنتيمترًا، وتارة مائة وعشرين سنتيمترًا، وهكذا حسب موقفهم مِن الشخص الذي يحكمون عليه، فما يكون مقبولًا مِن البعض أو ممدوحًا منهم يكون مرفوضًا مِن غيرهم، وما يكون حلالًا على البعض يكون حرامًا على غيرهم، وهكذا!

فهذان نموذجان مِن جماعة الإخوان: أحدهما مِن القمة، والآخر مِن القاعدة؛ فأين الخلل الذي أوصلهما وغيرهما إلى هذا الخلل في الحكم على الناس؟!

وها هنا ملاحظات على كلام "وجدي غنيم" ألخصها في الأسئلة التالية التي نوجهها له، ولمَن ينتهج نهجه ممن لم نسمع لهم كلامًا في الإنكار على حماس، بينما علت أصواتهم بسبِّ ولعن وتكفير حزب النور؛ لعلنا نجد لها عندهم جوابًا:

أولًا: تكلمْتَ عن التثبت في معرض دفاعك عن حماس، واعتبرْتَ عدم التثبت مصيبةً، وأنكرْتَ على مَن يتّهمون حماس دون تثبُّت، وقلتَ إنه ينبغي أن نسمع مِن حماس قبْل أن نحكم عليهم!

آلآن قد تذكرْتَ التثبت؟!

تذكَّرتَ التثبُّت عندما تكلمت عن إخوانك؟!

تذكَّرتَ التثبُّت عندما شربتم مِن نفس الكأس الذي تسقون به غيركم؟!

أين كان هذا التثبت عندما كفَّرتَ أعضاء حزب النور؟!

وأين كان هذا التثبت عندما قام أحد الأندية بتكريم راقصة فشتمْتَ أعضاء حزب النور -كما هي عادتك في السب والشتم!-، ووصفْتَهم بأولاد الرقّاصة؟! رغم أن النادي ليس تابعًا لهم، ولا حضروا ذلك التكريم ولا أقروه؟!

ثانيًا: أين كان هذا التثبت عندما كفَّرتَ أحد الأشخاص وجعلتَ مِن أسباب تكفيرك له خبرًا ورد في صحيفة يهودية؟! فهل اليهود الذين كانت تحاربهم حماس عُدول عندك، صادقون لا يَكْذبون حتى تبني حكمك على كلامهم؟!

ثالثًا: إذا كان موقف حماس في فلسطين صوابًا مِن وجهة نظرك، وقد فعلوا ذلك مِن باب الاضطرار، وحفاظًا على البلاد والعباد، وقد تنازلوا عن الحكم مع أنهم يمتلكون قوة عسكرية، وكانت سيطرتهم كاملة على قطاع غزة؛ فلماذا لم تنصح إخوانك في مصر باتخاذ نفس الخطوة أيام الدكتور "مرسي" مع أنهم لم يكن لديهم مِن القوة العسكرية مثل ما عند حماس، ولم يكونوا حينها باعترافكم مسيطرين كحماس؟!

ولماذا لا تنصحهم الآن بذلك لكي يُخرِجوا إخوانك وإخوانهم مِن السجون ويحافظوا على كيانهم الدعوي ومصالح البلاد والعباد؟!

وهل توفير الكهرباء والغاز وحل مشكلة البطالة في فلسطين أهم مِن إخراج المسلمين في مصر مِن السجون؟!

فلماذا تطبق أحكام الاضطرار في فلسطين ولا تطبقها في مصر؟!

رابعًا: مَدَحْتَ تركيا وقطر في مساعدتهم للفلسطينيين، وهذا واجب عليهم وعلى جميع المسلمين، وأنكرْتَ على مَن يحاصرون غزة، ويساهمون في التضييق عليهم، وهذا حق نوافقك فيه، ولكن لم نسمع لك تعليقًا على القواعد العسكرية الأمريكية في قطر وتركيا، والتي قد تنطلق منها الجيوش الأمريكية لإبادة المسلمين؟! نريد منك بيانًا يوضِّح موقفك مِن ذلك بصراحةٍ!

رابعًا: قلتَ في معرض دفاعك عن حماس أنه لو أخطأ شخصٌ ما ننظر في تاريخه، وقلتَ: إن القاضي يصدر حكمه على اللص إن كانت له سوابق، وقلتَ: إن الأمر يختلف إذا كان السارق دكتورًا في الجامعة أو كانت أول مرة يسرق فيها هذا السارق، أو كانت الجريمة عفوية، فمِن أين لك هذا الكلام؟!

إن كنت تقصد إقالة عثرات ذوي الهيئات، فإن هذا في غير الحدود كالسرقة وغيرها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَقِيلُوا ذَوِى الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلاَّ الْحُدُودَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). وذَوو الْهَيْئَاتِ: هم أهل المروءة والصلاح الذين لا يُعْرَفون بالشر.

ومعنى الحديث: اعْفُوا عن زَلَّاتِهِمْ التي يَسْتَحِقُّون عليها الْمُؤَاخَذَةَ وَالتَّأْدِيبَ عَلَيْهَا ممَا يَتَوَجَّهُ فِيهِ التَّعْزِيرُ؛ أما الحدود فلا.

وفي الختام: أنصح "وجدي غنيم" ومَن هم على شاكلته في السب والشتم والتسرع في تكفير المسلمين، أنصحهم بالرجوع إلى كتاب: "دعاة لا قضاة" للأستاذ "حسن الهضيبي"، المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين، والذي تصدَّى فيه لفكر التكفير، كما أنصحهم بالرجوع إلى محاضرات "وجدي غنيم" في تسعينيات القرن الماضي، والتي كان يتكلم فيها عن سلوك المسلم الملتزم، والمحاضرات التي كان ينكر فيها على الجماعة الإسلامية وغيرها منهجهم الصدامي، وذلك أثناء دروس السيرة وغيرها.

هدانا الله وإياهم سواء السبيل.