د. ياسر برهامي - (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (21) بَقِيَّةٌ في أحكام المُستَأمنين (12) - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2017-11-18 23:19:02

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

وَرَدَ في المَوسُوعة الكُوَيْتِيَّةِ أيضًا (ص 188-191) تحت عنوان "مُسْتَأمن":

"مَا يُرْضَخُ لِلْمُسْتَأْمِنِ مِنْ مَال الْغَنِيمَةِ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ بَاشَرَ الْمُسْتَأْمِنُ الْقِتَال بِإِذْنِ الإِمَامِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْل الذِّمَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّضْخِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُرْضَخُ لِلْمُسْتَأْمِنِ كَمَا لاَ يُسْهَمُ لِلذِّمِّيِّ" (انتهى).

"مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْتَأْمِنُ مِنَ الْكَنْزِ وَالْمَعْدِنِ:

إِذَا وَجَدَ الْمُسْتَأْمِنُ فِي دَارِنَا كَنْزًا أَوْ مَعْدِنًا، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلُّهُ؛ لأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْغَنِيمَةِ، وَلاَ حَقَّ لأَهْل الْحَرْبِ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ رَضْخًا وَلاَ سَهْمًا.

وَإِنْ عَمِل فِي الْمَعْدِنِ بِإِذْنِ الإِمَامِ، أُخِذَ مِنْهُ الْخُمُسَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَهُ؛ لأَنَّ الإِمَامَ شَرَطَ لَهُ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا شَرَطَ، كَمَا لَوِ اسْتَعَانَ بِهِمْ فِي قِتَال أَهْل الْحَرْبِ فَرَضَخَ لَهُمْ، فَهَذَا مِثْلُهُ" (انتهى).

(قلتُ: وفي معنى هذا الكلام، شركات البترول والتنقيب عن المعادن العالمية التي تعمل في بلاد المسلمين بإذن الحكومات فيُلتَزَم لها بما تم الاتفاق عليه، وهذا يُبنى على المصلحة -كما هو واضح-؛ لأن الإمام إنما يشرط ذلك للمصلحة؛ فلابد أن تُرَاعى في ذلك مصلحة المسلمين، ومصلحة البلاد بأعلى ما يمكن مِن شروط).

"تَحَوُّل الْمُسْتَأْمِنِ إِلَى ذِمِّيٍّ:

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَأْمِنَ يَصِيرُ ذِمِّيًّا: بِأَنْ يَمْكُثَ الْمُدَّةَ الْمَضْرُوبَةَ لَهُ، أَوْ بِأَنْ يَشْتَرِيَ أَرْضَ خَرَاجٍ وَوُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ، أَوْ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةُ الْمُسْتَأْمِنَةُ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا؛ لأَنَّهَا الْتَزَمَتِ الْبَقَاءَ تَبَعًا لِلزَّوْجِ" (انتهى).

"اسْتِئْمَانُ الْمُسْلِمِ:

إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ دَارَ الْكُفَّارِ بِأَمَانٍ صَارَ مُسْتَأْمَنًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى اسْتِئْمَانِهِ أَحْكَامٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أ- حُرْمَةُ خِيَانَةِ الْكُفَّارِ وَالْغَدْرِ بِهِمْ:

نَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ الَّذِي دَخَل دَارَ الْكُفَّارِ بِأَمَانٍ خِيَانَتُهُمْ؛ فَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَفُرُوجِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)؛ وَلأَنَّهُ بِالاِسْتِئْمَانِ ضَمِنَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَتَعَرَّضَ بِهِمْ، وَإِنَّمَا أَعْطَوْهُ الأَمَانَ بِشَرْطِ عَدَمِ خِيَانَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ، فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى، وَلاَ يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ.

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ حَالَةَ مَا إِذَا غَدَرَ بِالْمُسْلِمِ مَلِكُهُمْ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ أَوْ حَبَسَهُ، أَوْ فَعَل غَيْرُ الْمَلِكِ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ؛ لأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ.

فَإِنْ خَانَ الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ الْكُفَّارَ، أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ، أَوِ اقْتَرَضَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ إِلَى أَرْبَابِهِ؛ فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إِلَى دَارِ الإِسْلاَمِ بِأَمَانٍ أَوْ إِيمَانٍ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلاَّ بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِمْ؛ لأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، فَلَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَال مُسْلِمٍ؛ وَلأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ إِذَا دَخَل بِأَمَانٍ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ وَأَخْرَجَ إِلَيْنَا شَيْئًا مَلَكَهُ مِلْكًا حَرَامًا -لأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْغَدْرِ-؛ فَيُتَصَدَّقُ بِهِ وُجُوبًا، وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ" (انتهى)

(قلتُ: هذا الموضوع في غاية الأهمية؛ إذ أن دخول المسلمين إلى بلاد الكفار أصبح اليوم متكررًا جدًّا، وعامة مَن يدخل بلادهم، يدخل بجوازات سفرٍ مِن بلاده التي تربطها ببلاد الكفار معاهدات ومواثيق، أو يدخل بتأشيرة، أو كلا الأمرين معًا؛ وهذا يجعله بالتأكيد في حكم المستأمن؛ يحرم عليه الغدر والخيانة، ولا يبيح له شيئًا مِن أموالهم ولا دمائهم ولا فروجهم؛ خلافًا للعمليات الإجرامية -التي تقع على سبيل نقض العهد- ممَن دخل بلاد الكفار بأمانٍ ثم يغدر بهم ويقتلهم، ويفجِّر في أماكن مختلفةٍ مِن مجتمعاتهم، فيترتب على ذلك مِن المحرمات الشرعية -مِن الغدر والخيانة- ثم المَضَرَّة على المسلمين -في بلادهم، وفي بلاد الكفار على الأقليات الإسلامية التي تتضرر أعظم الضرر- ثم مِن تشويه صورة الإسلام، وكل هذا نابعٌ مِن الغدر والخيانة التي وقعتْ ممَن دخل بلادهم بأمان، ولا يُلْتَفَتُ إلى القول بأن وجود التأشيرة وجواز السفر ليس بأمانٍ؛ فإن هذا كلام في غاية الفساد، كما هو معلوم مِن أن الذي يحصل على تأشيرةٍ لبلاد الكفار لا بُدَّ وأن يكون قد وَقَّعَ على الشروط المؤكِّدة على عدم الاعتداء عليهم، بل لو لم يوقِّع لفظًا -ولم يكن مذكورًا في اللفظ- فهو معلوم في المعنى كما نص العلماء، ولا يصلح في ديننا الغدر).

"ب- مُعَامَلاَتُ الْمُسْتَأْمَنِ الْمُسْلِمِ الْمَالِيَّةِ:

نَصَّ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَدَانَ حَرْبِيٌّ الْمُسْلِمَ الْمُسْتَأْمَنَ دَيْنًا بِبَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، أَوْ أَدَانَ هُوَ حَرْبِيًّا، أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ مَالاً، ثُمَّ خَرَجَ الْمُسْلِمُ إِلَيْنَا وَاسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ فَخَرَجَ إِلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا، لَمْ يُقْضَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ.

أَمَا الإِدَانَةُ: فَلأَنَّ الْقَضَاءَ يَعْتَمِدُ الْوِلاَيَةَ، وَلاَ وِلاَيَةَ وَقْتَ الإِدَانَةِ أَصْلاً عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِذْ لاَ قُدْرَةَ لِلْقَاضِي فِيهِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ وَقْتَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ، لأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ أَحْكَامَ الإِسْلاَمِ فِيمَا مَضَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ فِيمَا يُسْتَقْبَل.

وَأَمَّا أَنَّهُ لاَ يَقْضِي بِالْغَصْبِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَلأَنَّ الْمَال الْمَغْصُوبَ صَارَ مِلْكًا لِلَّذِي غَصَبَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْغَاصِبُ كَافِرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ مُسْلِمًا مُسْتَأْمَنًا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، لِمُصَادَفَتِهِ مَالاً مُبَاحًا غَيْرَ مَعْصُومٍ، فَصَارَ كَالإِدَانَةِ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يَقْضِي بِالدِّينِ عَلَى الْمُسْلِمِ دُونَ الْغَصْبِ لأَنَّهُ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الإِسْلاَمِ حَيْثُ كَانَ.

قَال الْحَصْكَفِيُّ نَقْلاً عَنِ الزَّيْلَعِيِّ، وَالْكَمَال ابْنِ الْهُمَامِ: وَيُفْتَى بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالدَّيْنِ دِيَانَةً لاَ قَضَاءً، لأَنَّهُ غَدْرٌ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ رَدُّ مَا أَخَذَ إِلَى أَرْبَابِهِ" (انتهى).

(قلتُ: لا شَكَّ أن الصواب هو قول الشافعية والحنابلة، والمُرَجَّحُ عند الحنفية ديانةً، وهو: وجوب الرد؛ لأنه غَدْرٌ، وهذا أمر واضح جَلِيٌّ في عقد الأمان؛ فلا يَحِلُّ به مال الكفار، والله أعلى وأعلم).

"ج- قِتَال الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمِنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ:

نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَغَارَ قَوْمٌ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى أَهْل الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الْمُسْلِمُ الْمُسْتَأْمَنُ، لاَ يَحِل لَهُ قِتَال هَؤُلاَءِ الْكُفَّارِ إِلاَّ إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لأَنَّ الْقِتَال لَمَّا كَانَ تَعْرِيضًا لِنَفْسِهِ عَلَى الْهَلاَكِ لاَ يَحِل إِلاَّ لِذَلِكَ، أَوْ لإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَهُوَ إِذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ، لَيْسَ قِتَالُهُ لِهَؤُلاَءِ إِلاَّ إِعْلاَءً لِلْكُفْرِ" (انتهى)

(قلتُ: "تنبيهٌ في غاية الأهمية: وهو أن المسلم المقيم في بلاد الكفار -على أيِّ حالٍ- لا يحل أن يكون جنديًّا لهم، معينًا لهم على قتالٍ -ولو على قتالِ كفار آخرين-؛ وبذلك تعرف بطلان فتاوى مَن أفتى المسلمين بجواز المشاركة في جيوش البلاد التي يقيمون فيها مِن بلاد الكفار في قتالهم ضد غيرها مِن البلاد، فضلًا عن أن يكون ذلك قتالًا ضد بلاد المسلمين لغرض احتلالها وقتل أهلها ونهب ثرواتها؛ بل هذا في الحقيقة مناقضٌ لأصل الدين، وذلك لقول الله -عَزَّ وجَلَّ-: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (النساء:88-89)").

"وَلَوْ أَغَارَ أَهْل الْحَرْبِ الَّذِينَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ مُسْتَأْمَنُونَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسَرُوا ذَرَارِيَّهُمْ، فَمَرُّوا بِهِمْ عَلَى أُولَئِكَ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ، وَيُقَاتِلُوهُمْ إِذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ؛ فَتَقْرِيرُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ تَقْرِيرٌ عَلَى الظُّلْمِ، وَلَمْ يَضْمَنِ الْمُسْلِمُونَ الْمُسْتَأْمَنُونَ ذَلِك لَهُمْ، بِخِلاَفِ الأَمْوَال؛ لأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالإِحْرَازِ وَقَدْ ضَمِنُوا لَهُمْ أَنْ لاَ يَتَعَرَّضُوا لأَمْوَالِهِمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ ذَرَارِيَّ الْخَوَارِجِ؛ لأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ" (انتهى).

(قلتُ: تَنَبَّهْ إلى قولِ أهل العلم: "وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ، وَيُقَاتِلُوهُمْ إِذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ؛ فَتَقْرِيرُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ تَقْرِيرٌ عَلَى الظُّلْمِ"، وهذا يدلنا على أنهم إذا عَجَزوا عن نقض العهود والقتال فهم معذورون لعجزهم، وتتضمن أنه لا يجوز لهم أن يُقاتِلوهم وهم ما زالوا على عَهْدِهم؛ بل لابد أن يَنْبذوا إلى الكفار عَهدَهم، ويعلنوا انتهاء الأمان لهم؛ فإذا فعلوا ذلك -عند ذلك- يَحِلُّ لهم مُناصَرَةُ إِخوانِهم المسلمين، وذلك مُوافقٌ لقول الله -عَزَّ وجَلَّ- في سورة الأنفال: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) (الأنفال:72).

تنبيهٌ ثانٍ: قوله عن ذَرَارِيِّ الْخَوَارِجِ مِن "أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ": هذا قولُ جماهيرِ أهلِ العلم، في أن الخوارجَ -وإن كانوا مِن شر أهل البدع، ووَرَدَ فيهم من الذَمِّ، وأنهم "كِلابُ أَهْلِ النارِ"، وأنهم "يَمْرُقون من الدِّين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ"- فإن جمهورَ أهلِ العلمِ على أَنَّهُم ليسوا بكفارٍ، وأما الأحاديثُ الصحيحةُ الوارِدَةُ في أنهم "يَمْرُقون من الدِّين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ" فإنها مَحْمُولَةٌ على مَن كان مُنَافِقًا في الباطن، أو مَن أُقيمَت عليه الحُجَّةُ وثَبتَتْ رِدَّتُه، بعد إقامة الحُجَّةِ، واستيفاءِ الشروط وانتفاء الموانع؛ وأما قَبْلَ ذلك فيُعامَلون كما عَامَلَهُم عَلِيٌّ -رضي الله تعالى عنه- مِن أَنَّهُم مِن أهلِ الإسلام، وإن اسْتَحَقُّوا العُقوبة في الدنيا والآخرة).

"د- قَتَل الْمُسْتَأْمَنُ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا آخَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ:

نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل مُسْلِمَانِ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَقَتَل أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَعَلَى الْقَاتِل الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ، أَمَا الْقِصَاصُ فَيَسْقُطُ لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إِلاَّ بِمَنَعَةٍ، وَلاَ مَنَعَةَ دُونَ الإِمَامِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي الْوُجُوبِ؛ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَأَمَّا وُجُوبُهَا فِي مَالِهِ فَلأَنَّ الْعَوَاقِل لاَ تَعْقِل الْعَمْدَ.

وَفِي الْقَتْل الْخَطَأِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَالْكَفَّارَةُ، أَمَا الدِّيَةُ فَلأَنَّ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالإِحْرَازِ بِدَارِ الإِسْلاَمِ لاَ تَبْطُل بِعَارِضِ الدُّخُول إِلَى دَارِ الْحَرْبِ بِالأَمَانِ، وَأَمَّا فِي مَالِهِ فَلِتَعَذُّرِ الصِّيَانَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ مَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلإِطْلاَقِ قَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) (النساء:92)، بِلاَ تَقْيِيدٍ بِدَارِ الإِسْلاَمِ أَوِ الْحَرْبِ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَتَل بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ قَذَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ زَنَوْا بِغَيْرِ حَرْبِيَّةٍ، فَعَلَيْهِمْ فِي هَذَا كُلِّهِ الْحُكْمُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ لَوْ فَعَلُوهُ فِي بِلاَدِ الإِسْلاَمِ، وَلاَ تُسْقِطُ دَارُ الْحَرْبِ عَنْهُمْ فَرْضًا كَمَا لاَ تُسْقِطُ عَنْهُمْ صَوْمًا وَلاَ صَلاَةً وَلاَ زَكَاةً، وَالْحُدُودُ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ كَمَا هَذِهِ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ حَدُّ الزِّنَا لَوْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ إِذَا ادَّعَى الشُّبْهَةَ" (انتهى).  

(قلتُ: الصحيح مِن هذه الأقوال، هو قول الشافعية في أن دار الحرب لا تُسْقِطُ عنهم فَرْضًا كما لا تُسْقِطُ عنهم صومًا ولا صَلاةً ولا زَكَاةً، والحدود فَرْضٌ عليهم؛ فمن ارتكب جريمةً في دار الكفر يستوجب بها الحَدَّ -إذا تَمَكَّنَ المسلمون منه في دار الإسلام- وَجَبَ إقامةُ الحَدِّ عليه، والله أعلم).

خاتمة:

قد أَطَلْنَا النَّفَسَ في بيانِ أَحْكَامِ المُستَأمنين؛ وذلك لأن رُوحَ الفِقْهِ الإسلاميِّ لا بُدَّ وأن تُؤخَذَ مِن مَجموعِ كلامِ الفُقَهاء، وهي تخالف كثيرًا جِدًّا ما انتشر في وَسَط أبناء الشبيبةِ المُسْلِمَةِ -في كثيرٍ منهم- مِن روح الاستهانة بالدماء -دماءِ الكفار- دون مراعاة للعهود، وذلك لانتشار الانحراف الفكري المَنْهَجِيِّ، وعَدَمِ الرجوع إلى أهل العلم؛ ولذلك اسْتَفَضْنَا في ذِكْرِ النُّقُولِ مِن المذاهب المُخْتَلِفَةِ، لعَلَّ ذلك أن يكون فيه بيانٌ لما يُحتاج إليه مِن المسائل المُتَعَلِّقَةِ بأحكام الأمان في بلاد المسلمين وفي بلاد الكفار، والله المستعان.

ونَسْأَل اللهَ أن يَعْصِمَ دماءَ المُسْلمينَ في كُلِّ مَكَانٍ، وأن يُوَفِّقَهُم للوفاءِ بعُهودِهِم وعَدَمِ الغَدْرِ، وعَدَمِ خِيانَةِ العُهودِ.

ونسألُ اللهَ -عَزَّ وجَلَّ- أن يُوَفِّقَنا جميعًا لما يُحِبُّ ويَرْضَى.