م. أحمد الشحات - مذبحة "الساجدين" بيْن مَن يصر على "شيطنة السَّلفيين!" ومَن يصر على الاغترار بـ"داعش!" - بوابة الفتح الالكترونية
م. أحمد الشحات
2017-12-06 16:41:04

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

منذ أن ظهرت "داعش" على السطح مدعية أنها خلافة إسلامية راشدة على لسان مَن نصبته خليفة عامًّا للمسلمين، وهي تحترف القتل البشع، وتدمن إراقة الدماء وترويع الآمنين، وقد أجادت "داعش" ببراعة أن تربط بيْن اسمها وبيْن الدمار والفتك والوحشية "وكأنه هدف أصيلٌ مِن أهدافها!".

ولو كان هذا الربط بيْن الدَّم و"داعش" فقط لهان الخطب -حتى لو وصفتْ نفسها بأنها جماعة جهادية-؛ فهناك العديد مِن الجماعات الجهادية المنحرفة التي سبقتها، ولكن الجديد التي أتتْ به "داعش" هو إدعاؤها بأنها: "خلافة إسلامية!"، وبالتالي فقد ربطتْ "داعش" نفسها مِن خلال هذا الزعم بالإسلام ذاته!

السَّلفية المجني عليها:

مِن هنا أصبح أمامك خياران أحلاهما مر؛ فإما أن تتبرأ مِن الخلافة كفكرة وكتطبيق حتى تنجو بنفسك وبالإسلام مِن اتهامه بالوحشية والدموية، وإما أن تعترف أن داعش تمثـِّل التطبيق الصحيح لمفهوم الخلافة، وعلى أي الرأيين كان اختيارك فسيحقق لـ"صناع داعش!" الفائدة التي لم يحلموا بها طوال السنوات السابقة.

أما مَن يستطيع بعلمٍ وحكمةٍ أن يفرِّق بيْن داعش الدموية، والخلافة المهدية، ومَن يمتلك الشجاعة ليقول للناس: "نرفض داعش ونواجهها، لكننا لا نتبرأ مِن ديننا، ولا نتخلى عن منهجنا وتاريخنا"؛ فإن "صناع داعش" يطلقون عليه أبواقهم الداخلية والخارجية، لا لتنتقد داعش أو تواجهها، ولكن لتهجم على هذا الفكر الوسطي المعتدل، فتتهمه زورًا وبهتانًا بأنه الأب الروحي لداعش، وأنه المفرخة الفكرية التي خرجتْ منها داعش، رغم أن "الدعوة السلفية" التي يُزج باسمها مِن خلال هذه الأبواق، لم تواجِه في تاريخها فكرًا كما واجهتْ فكر التكفير والعنف.

فإن أعيتهم الحيلة ليتهموا بها بعض الأحياء مِن العلماء السلفيين المعاصرين -إذ إن بعضهم على قوائم اغتيال داعش نفسها- فلينقبوا في سجلات الوفاة، ولن ينقبوا كثيرًا، فصانعو داعش لا يرهقون أتباعهم في البحث -شفقة عليهم أو معرفة بحقيقة جهلهم- والتهم المعلبة تتجه في الغالب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، والعجب أن كلا الشيخين لهما تراث وفير وهائل في مناظرة التكفيريين، والرد على شبهاتهم (وسوف نفرد لموقف كل منهما في التكفير مقالًا مستقلًا -بإذن الله-).

إعلان إفلاس!:

هذه الطريقة التي اختارها هؤلاء تبدو كما لو كانت "إعلان إفلاس!" بكل معاني الكلمة!

إفلاس عن المواجهة الحقيقة والشاملة لأهل التطرف؛ لأن مواجهتهم مكلفة وصعبة، فهم لن يتمكنوا منها فضلًا عن أن يصمدوا أمامها، فيكون الطريق السهل هو إظهار القوة على مَن يتأكدون مِن ردة فعله ويأمنون جانبه، وكأن القائل كان يعنيهم عندما قال: "أسد عليَّ وفي الحروب نعامة!".

فحجم الكتابات والألسنة الحِداد الموجهة مِن هؤلاء الضعفاء لأهل الاعتدال تفوق ما يوجهونه لأهل التطرف الصريح ممَن تجاوزوا منطقة القول إلى الفعل الصريح، والتطبيق الواضح؛ فأين الشجاعة والإقدام مِن أصحاب الأقلام المسنونة، والألسنة الجارحة؟!

كيف تفكر الجماعات التكفيرية؟!

إذا تركنا هذا السفه جانبًا، وأردنا أن نفهم خلفيات الحادث ودوافعه، خاصة وأنه أعنف حادث إرهابي في تاريخ مصر، وأول مرة يتم فيها استهداف المساجد بالأعمال التخريبية والإرهابية، حتى إن القوات الغازية في بعض الأحيان تتجنب قصف المساجد خوفًا مِن تهييج الجماهير!

فإذا أردنا أن نعرف تفسير ذلك؛ فعلينا الرجوع إلى أدبيات تلك الجماعات التكفيرية المتطرفة.

ولأول وهلة ستجد أن هؤلاء الجهال يعتبرون جميع المساجد -عدا مساجدهم- مساجد ضرار، وبالتالي فيجب إحراقها وتدميرها وإزالتها؛ لأنها بمثابة "معابد الجاهلية"، وليست هي بيوت الله التي لها الحرمة والمكانة المعروفة لدى جميع الناس.

هذا الكلام صرَّح به أكثر مِن رمزٍ مِن رموز التكفير، وتم تدوينه في أكثر مِن كتابٍ؛ فلا غرابة في هذا الأمر مِن حيث التنظير، وقد قامتْ جماعة "شكري مصطفى" في مصر بخطف واغتيال وزير الأوقاف وقتها فضيلة الشيخ "الذهبي" -رحمه الله-، ولهم العديد مِن حوادث القتل والاعتداء المسجلة باسمهم.

- "ولفرقة التكفير والهجرة وجهة نظر شاذة في موضوع المساجد، نتجتْ بطبيعة الحال مِن الشذوذ في قضية المسلم مِن الكافر، وبناءً على الخطوات المتبعة للهجرة واعتزال المجتمع، والتي تتمثل في الانسحاب مِن المجتمع الكافر، والذي يعبد آلهة مِن دون الله، ويقترف المعاصي، وذلك بهجرة معابدهم ودور مكائهم وتصديتهم، وبهجرة تقاليدهم وعاداتهم، ثم بهجرة ملابسهم وأزيائهم وشاراتهم، ثم بهجرة دور لهوهم ومنتدياتهم ومؤسساتهم وأماكن تعليمهم، ثم بهجرتهم واعتزالهم، ثم بهجرة وطنهم كله إلى أرض أخرى يُعبد فيها الله وحده، نتبرأ فيها مِن شركهم، ونعلن فيها تمام تبرئنا منهم؛ فنكون بذلك قد اعتزلناهم، وما يعبدون مِن دون الله!

واعتزال المساجد -عندهم- أمرٌ مِن مقومات الإسلام؛ لأن هذه المساجد هي معابد الجاهلية، والذين يصلون فيها قد ارتدوا عن الإسلام؛ وبالتالي الصلاة معهم شهادة لهم بالإيمان وهم كفار، وتقوم وجهة نظرهم على أساس أن كل المساجد القائمة في الأرض منذ عدة قرون مضتْ -وحتى الآن- مساجد ضرار باستثناء أربعة مساجد فقط، هي: "المسجد الحرام بمكة المكرمة - والمسجد الأقصى ببيت المقدس - ومسجد قباء - والمسجد النبوي بالمدينة المنورة"، وبناءً على وجهة نظرهم هذه فإنهم يحكمون بتحريم الصلاة في كل المساجد عدا هذه الأربعة" (انظر  شبهات التكفير لعمر عبد العزيز قريشي، ص458).

- "وفي مرحلة مِن مراحل دعوتهم يحكم بعضهم على الذين يرتادون المساجد بأنهم مسلمون, ثم تغيرت وجهة نظرهم فيتوقفون في أمر المصلين حتى يجروا لهم اختبارًا: هل يكفرون بالطاغوت?!

وأي خطأ بسيط سوف تترتب عليه نتائج وخيمة؛ فلو قال لهم المختبر: لا أوافقكم على تكفير هذه الجهة أو تلك, وذكر لهم الأسباب التي يعتمد عليها! يسقط في هذه الحالة, ويعتبر مرتدًا عن الإسلام؛ لأن الكفر بالطاغوت مِن أخص معاني لا إله إلا الله, وأي محاولة تبذلها لإنقاذ صاحبك محكوم عليها بالفشل, ولو كان لهم سلطان في الأرض لأقاموا عليه حد الردة, بل منهم مَن يقيمون الحد دون أن يكون لهم سلطان في الأرض" (انظر التوقف والتبين - محمد سرور، ص 30).

أما مِن حيث التطبيق: فلم يكن يجرؤ أحدٌ منهم على استهداف المساجد، وإنما كانوا يكتفون بمقاطعتها وهجرها.

ولـ"سيد قطب" كلام واضح ينص فيه على عدم جواز الصلاة في هذه المساجد؛ لأنها معابد جاهلية، فيفسِّر قوله -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:87)، فيقول: "وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليستْ خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة، وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمَّت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة -وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة-، وهنا يرشدهم الله إلى أمور: اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها -ما أمكن في ذلك-. وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها. واعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا مِن التنظيم في جو العبادة الطهور" (انظر في ظلال القرآن، 3/ 1816).

التكتيك الجديد:

يبقي تفسير هذه الجرأة، وهذا التطور النوعي في تكتيك تلك الجماعات، وربما يكون أكثر التفسيرات منطقية؛ ذلك التفسير القائل بأن هؤلاء المنفذون لتلك الجرائم الأخيرة، إنما هم وافدون مِن الخارج ضمن خطة: "إعادة تسكين القادمين مِن بغداد ودمشق في ليبيا"، لتكون نقطة انطلاق مركزية لاستهداف الدولة المصرية.

ومما يشهد على ذلك خاصة: "حادثة قتل سائقي الشاحنات، واستهداف مسجد الروضة بسيناء"؛ لأن الجماعات التكفيرية في مصر كانت تركِّز جهودها في استهداف الجيش والشرطة، ومَن تسميهم الخونة والعملاء.

- أما طريقة "داعش - بغداد": فقد اشتهرت باستهداف المساجد، وكانت تستهدف هناك المساجد الشيعية ثم تختفي لتترك الشيعة يثأرون لأنفسهم مِن السُّنة الأبرياء!

ونتيجة لعدم وجود مساجد شيعية في مصر، فتم تصميم الخطة لكي تستهدف مسجدًا صوفيًّا، وإن لم تكن فيه أمارات واضحة على ذلك؛ فهو بلا قبرٍ ولا ضريح، وكانت المناسبة صلاة الجمعة، وليس احتفال مولد أو غيره مِن المناسبات الصوفية!

فهل اتضح للعقلاء الفلسفة التي تتحرك بها هذه الجماعات حتى لا يندفعوا في حمأة الغضب إلى أفعال أو أقوال قد تخدم -دون وعي- تحقيق ما يسعون له مِن أهداف؟!

- أما طريقة "داعش - دمشق": فقد اشتهر عنها استهداف الآمنين وقتلهم؛ بزعم أنهم مرتدون تارة، وبزعم إقامة الحدود تارة، وبزعم أنهم جواسيس أو خونة تارة أخرى، ورأينا صور القتل البشع، والهمجية الشرسة عند انتقامهم مِن خصومهم أو مخالفيهم، وهذا يظهر بوضوح في قتلهم لسائقي الشاحنات منذ عدة أيام.

فهل ما زلتَ تعتقد أن "داعش" تنصر الإسلام؟!

هل بعد هذا كله ما زال هناك بعض المخدوعين في داعش؟!

وهل ما زال هناك شباب يظن أن هؤلاء القتلة المرتزقون ينصرون الإسلام ويجاهدون في سبيل رفعة الدين؟!

أي مبرر، وأي عقيدة تسمح بهذا القتل الغادر لأطفال وشيوخ وعجائز وهم ساجدون بيْن يدي ربهم -عز وجل-؟!

ما هي جريمتهم وما هو ذنبهم؟!

ومنذ متى كان القتل -حتى لمَن يستحقه- على المشاع والعموم، وبالغدر؟!

الحقيقة: إن هذه المرة بالذات لا توجد أي شبهةٍ شرعية، ولا منطقية تُجيز أن يُقتل الآمنون المصلون في مسجدهم في يوم الجمعة "وفيهم الأطفال، والشيوخ، والنساء!"؛ فإذا لم يستفق المخدوعون بـ"داعش" بعد هذه الحادثة ليدركوا أن "داعش" أداة لضرب وتشويه الإسلام -وهي أداة كذلك لحرق وتدمير الأوطان!- فلا أمل في إفاقتهم بعد هذا اليوم؛ لأن ما تم هو أقصي درجات العنف والوحشية التي تجاوزوا فيها كل الخطوط الحمراء!

والله المستعان.