د. علاء بكر - الذكرى السبعين لـ"قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين!" - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2017-12-07 00:29:28

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر في عام 1947م قرارها بتقسيم فلسطين بيْن العرب واليهود في توصية موجَّهة إلى بريطانيا "صاحبة الانتداب على فلسطين!".

ويُعد هذا القرار "الظالم" مِن الأمم المتحدة امتدادًا لصك الانتداب البريطاني على فلسطين الصادر مِن قبْل مِن "عصبة الأمم" بعد الحرب العالمية الأولى بتواطؤٍ مِن الدول الأوروبية "وفي مقدمتها: إنجلترا" المشروط بتفعيل "وعد بلفور"، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين؛ حيث يُعد هذا القرار محاولة جديدة لإعطاء الدولة اليهودية المرتقبة الشرعية الدولية، على ما فيه مِن الظلم الفادح، والتعدي الصريح على حقوق الشعب الفلسطيني مِن وجوه.

منها:

- إهدار حق الفلسطينيين في الاستقلال، وتقرير المصير عقب فترة الانتداب البريطاني على فلسطين.

- تقسيم أرض فلسطين دون الرجوع إلى الشعب الفلسطيني صاحب الأرض الأصلي!

- زرع دولة لليهود مصطنعة في فلسطين التي تُعد حلقة الوصل بيْن شطري الجزء العربي الأسيوي والجزء العربي الإفريقي؛ بدعوى تعويض اليهود عما عانوه مِن الاضطهاد "خاصة مِن النازيين"، وكحلٍّ للقضية اليهودية هناك يتم به التخلص مِن اليهود في أوروبا على حساب الشعب الفلسطيني الذي لا علاقة له بجرائم أوروبا والنازية ضد اليهود!

تم هذا مع معرفة أوروبا بالأطماع اليهودية في فلسطين، والتي سبقتْ ظهور النازية في ألمانيا واضطهادها لهم بزمنٍ طويل.

الغرض مِن الانتداب البريطاني على فلسطين:

كان الغرض الظاهري مِن الانتداب البريطاني على فلسطين مِن قِبَل عصبة الأمم -كما هو الانتداب على غيرها مِن الدول العربية في المنطقة بعد إخراجها مِن سيطرة تركيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى- هو وضعها تحت سلطة تقوم بإدارة شئونها لحين بلوغ أهلها القدرة على إدارة شئونهم بأنفسهم، ومِن ثَمَّ إعلان الاستقلال، وهذا ما كان مع العديد مِن الدول العربية التي وُضعت تحت الانتداب البريطاني أو الفرنسي حيث حصلتْ على استقلالها بعد انتهاء الانتداب عليها، وكانت هذه الخطوة هي الخطوة الواجبة على إنجلترا تجاه الشعب الفلسطيني الذي وضع تحت انتدابها بإنهاء الانتداب، وإعلان الاستقلال وإعطاء الشعب الفلسطيني حق تقرير مصيره على أرضه، وهذا ما لم تفعله بريطانيا، بل قامتْ بما يخالفه مخالفة صريحة!

وضع بريطانيا في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية:

أظهرتْ بريطانيا مع بوادر الحرب العالمية الثانية موقفًا تكتيكيًّا يقوم على تهدئة الأوضاع في فلسطين في أعقاب الثورة التي قام بها الفلسطينيون مِن مايو عام 1936م إلى صيف عام 1939م، والتي بلغتْ ذروة النضال الفلسطيني ضد القوات البريطانية واليهود الصهاينة معًا، والتي سقط فيها آلاف الشهداء في مواجهة القمع العسكري البريطاني العنيف؛ فأصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض حول القضية الفلسطينية في مايو 1938م، الذي يتضمن سياسة جديدة لبريطانيا تتفهم وجهة النظر الفلسطينية والعربية؛ حيث زعمتْ فيه أنها ليس في سياستها الجديدة تحويل فلسطين إلى دولة يهودية أو تقسيمها بيْن العرب واليهود، وأنها ستنهي انتدابها على فلسطين في عام 1949م، يكون بعدها استقلال فلسطين في ظل سلطة يشارك فيها العرب واليهود بما يحفظ مصالح الجانبين، مع الحد مِن الهجرة اليهودية، والحد مِن التملك اليهودي في فلسطين.

وكان تعداد اليهود وقتها قد بلغ قرابة النصف مليون أي نحو ثُلُث السكان، ورغم ملكية اليهود المحدودة للأراضي وقتها، لكن كيانهم تميز بكونه كيانًا أكثره مِن الأوروبيين، وبكونه متفوقًا تكنولوجيًّا وإداريًّا وتنظيميًّا، وله مؤسساته العسكرية، وله علاقاته الدولية "خاصة مع إنجلترا وأمريكا"، ويتمتع بتفوقٍ مادي بما يصل إليه مِن دعمٍ خارجي متواصل، وبضغط مِن إنجلترا؛ أشار القادة العرب على الزعماء الوطنيين الفلسطينيين بإنهاء الثورة الشعبية والعصيان المدني فاستجابوا لمطلبهم، بينما كان اليهود يواصلون مسعاهم لتحقيق أطماعهم في فلسطين.

وخلال الحرب العالمية الثانية:

- هدأت الثورة العربية تضامنًا مع بريطانيا في حربها ضد النازية.

- زادت الهجرة اليهودية السِّرية، خاصة مع التهويل والمبالغة في تصوير عداء النازية لليهود، والمبالغة في أعداد الضحايا منهم.

- تزايد التعاطف الأمريكي مع المطالب اليهودية بضغطٍ مِن اليهود أصحاب النفوذ المادي والإعلامي هناك، حيث شعر زعماء الحركة الصهيونية بتزايد النفوذ الدولي لأمريكا خلال سنوات الحرب، إلى جانب تزايد الهجرة اليهودية إلى أمريكا خلال تلك الفترة.

- شنَّ اليهود الأعمال الإرهابية ضد القوات البريطانية في فلسطين لحملها على تغيير سياستها، وبلغتْ هذه الأعمال ذروتها بقيام منظمة (أراجون) الصهيونية التي يتزعمها "مناحم بيجن" بنسف فندق (الملك داود) مقر الإدارة المدنية البريطانية في فلسطين، والذي تسبب في مقتل وجرح العشرات مِن الموظفين العرب، ومِن البريطانيين.

عرض القضية على الأمم المتحدة:

خرجتْ بريطانيا مِن الحرب العالمية الثانية مثقلة بالهموم، فرأتْ أن ترفع عن نفسها عبء القضية الفلسطينية، فعمدتْ إلى تحويلها إلى الأمم المتحدة للنظر فيها دون أن تقدم أي مقترحات، وذلك في فبراير 1947م.  

وتعد القضية الفلسطينية مِن أوائل القضايا التي عُرضتْ على الأمم المتحدة للنظر فيها.

منظمة الأمم المتحدة:

لا تعد منظمة الأمم المتحدة أول منظمة دولية للمحافظة على السلام والأمن الدوليين إذ سبقها في ذلك تأسيس رابطة (عصبة الأمم) في عام 1920م، والتي ضمَّت 63 دولة، وكان مقرها في جينيف بسويسرا بغرض تسوية المنازعات سلميًّا، ومنع نشوب حروب مدمرة بعد الحرب العالمية الأولى. ولكن نشوب الحرب العالمية الثانية كان بمثابة إعلان فشلها، وإن استمر نشاط بعض المنظمات التابعة لها، مثل: "منظمة العمل الدولية - ومحكمة العدل الدولية - والمنظمات الصحية".

أنشأت منظمة الأمم المتحدة بمقتضى ميثاق صدر في 24 أكتوبر 1945م، ومقرها في مدينة نيويورك الأمريكية، وبلغ عدد أعضائها الآن 194 دولة، وتتكون مِن ستة أجهزة رئيسة، أهمها: "الجمعية العامة - ومجلس الأمن والسكرتارية - ومحكمة العدل الدولية - و15 وكالة - وكثير مِن البرامج والهيئات".

تطورات العرض على الأمم المتحدة:

في 2 أبريل اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورة استثنائية مخصصة للقضية الفلسطينية حيث تقرر تشكيل لجنة مِن 11 دولة مِن الأعضاء برئاسة السويد لدراسة القضية، وانتقلت اللجنة إلى فلسطين للاستماع عن قرب لطرفي النزاع، وقد أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين وإقامة دولتين فيها: "إحداهما عربية، وأخرى يهوديةَ"، ووضع القدس تحت الوصاية، على أن ينتهي الانتداب البريطاني بعد فترةٍ انتقالية، واقترحت اللجنة قبول هجرة 110 آلاف يهودي إلى الدولة اليهودية المقترحة، وانتخاب خمس دول للإشراف على تنفيذ هذا التقسيم، وظاهر مِن هذه التوصيات ميل اللجنة إلى الجانب الصهيوني، وربطها بيْن مشكلة اليهود في أوروبا والقضية الفلسطينية.

وفي نوفمبر1947م طُرِح مشروع التقسيم للتصويت؛ فنال الموافقة بضغطٍ مِن أمريكا؛ حيث أيد المشروع 33 دولة، ورفضته 10 دول، هي: "الدول العربية، والأسيوية، وكوبا، واليونان"، وامتنعتْ عشر دول عن التصويت، فصدر القرار في 29 نوفمبر 1947م، بعد أن نال الأغلبية المطلوبة.

تفاصيل التقسيم:

لم يكن الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني قاصرًا على مبدأ التقسيم، بل امتد هذا الظلم ليشمل تفاصيل توزيع أرض فلسطين بيْن العرب واليهود كمًّا وكيفًا!

فطبقًا للقرار جاء التقسيم كالتالي:

- تضم الدولة العربية 42.88% مِن مساحة فلسطين، مِن فلسطين الوسطى والشمالية حتى حدود لبنان، بالإضافة إلى غزة، وهي بذلك محرومة مِن ميناء (حيفا) على البحر الأبيض المتوسط، ومفصولة جغرافيًّا عن سوريا، والبحر الأحمر.

- أما الدولة اليهودية فتضم 56.47% مِن مساحة فلسطين، يدخل فيها معظم الشاطئ الفلسطيني على البحر الأبيض المتوسط مِن عكا إلى مشارف غزة؛ بالإضافة إلى: "صفد، وطبريا، وبيسان" على طول الحدود مع سوريا، ومِن صحراء النقب إلى خليج العقبة، وهي مناطق مزروعة بالحمضيات يمتلك معظمها فلسطينيون.

وهذه المساحة مِن الأرض فيها 407 ألف فلسطيني إلى جانب 90 ألف فلسطيني بدوي، بمجموع 497 ألف عربي، بينما عدد اليهود فيها 498 ألف يهودي، أي أن نصف سكانها يهود، والنصف الآخر عرب، وهؤلاء العرب سيصيرون غرباءً مهددين في هذه الدولة اليهودية.

ويتضح مدى الظلم الواقع على الفلسطينيين في هذا التقسيم إذا علمنا أن اليهود عند صدور القرار كانوا لا يملكون إلا 5.6% مِن أراضي فلسطين، ولا يزيد نصيبهم مِن الأرض القابلة للزراعة عن 12%، أما الفلسطينيون فكانوا يشكلون 2/ 3 السكان، ومعهم أكثر مِن 94% مِن مساحة فلسطين، وتحت أيديهم 88% مِن الأرض القابلة للزراعة.

- أما القدس: فجعلها القرار تحت نظام دولي؛ لئلا توضع مع طائفةٍ واحدةٍ فيؤثر ذلك على الحرية الدينية لباقي الطوائف؛ حيث إن بالقدس مقدساتٍ للمسلمين والنصارى واليهود، مع أن القدس طوال حكم المسلمين شهدت الحرية الدينية لغير المسلمين وبلا تضييق.

كيفية صدور القرار:

لقد كانت بداية المناقشات في الجمعية العامة للأمم المتحدة تعطي انطباعًا بأن القرار لن يحصل على الأغلبية المطلوبة لتمريره، ولكن الضغوط الأمريكية على العديد مِن الأعضاء جعلتها توافق على القرار.

وقد كتب وكيل الخارجية الأمريكية عن ذلك يقول: "كان على الموظفين الأمريكيين بأمرٍ مباشرٍ مِن الرئيس -يعني رئيس أمريكا وقتها وهو ترومان- أن يمارسوا ضغوطًا مباشرة وغير مباشرة؛ لضمان الحصول على الأغلبية اللازمة للتصويت النهائي!" (مِن كتاب: لسنا بحاجة أن نفشل، تأليف سمنر ويلز، ص 63)، وكانت آخر الأصوات الحاسمة، والتي كانت تعارض التقسيم ثم قبلته نتيجة الضغط الأمريكي: أصوات هايتي، وليبيريا، والفليبين.

وقد ترتب على صدور قرار التقسيم تطورات خطيرة على القضية الفلسطينية، منها:

- مسارعة مندوب بريطانيا في الأمم المتحدة بإعلان قبول حكومته لقرار التقسيم، ووعد بذل كل الجهود الممكنة لتنفيذه؛ رغم أن القرار له صفة التوصية، وليس بقرار واجب التنفيذ؛ لصدوره مِن الجمعية العامة، لا مِن مجلس الأمن!

- رفض الفلسطينيون -ورفضتْ الدول العربية والإسلامية- قرار التقسيم المجحف؛ إذ منح اليهود الذين جاءوا مِن شتى بقاع الأرض ما يفوق بكثيرٍ ما تحت أيديهم على حساب الشعب الفلسطيني صاحب الأرض! والذي يمتلك بالفعل وقت صدور القرار أكثر هذه الأرض، ويمثـِّل نحو الثلثين مِن السكان وقت صدور القرار.

- في الجانب الآخر توقع اليهود أن هناك حربًا قادمة لا محالة في فلسطين مع هذه التطورات، فأخذوا يعدون العدة لذلك، ويعملون على نشر الفزع والذعر في نفوس الفلسطينيين، وإجبارهم على ترك أراضيهم وقراهم ومدنهم بالقوة.

- وقد شهدتْ فلسطين عقب الصدور القرار، سلسلة مِن الهجمات الإرهابية مِن العصابات الصهيونية على الفلسطينيين المدنيين العُزل "خاصة في المناطق المقترحة لإقامة الدولة اليهودية فيها".

- قام اليهود بدعوة الشباب اليهودي للخدمة العسكرية، حتى بلغ مجموع القوات العسكرية اليهودية نحو 70 ألف يهودي مدرب على السلاح، وفي مقدمتهم الميليشيات المسلحة مِن الهاجانا وآراجون، وقد جُهزت هذه القوات بكمياتٍ كبيرةٍ مِن السلاح والذخائر التي حصل اليهود على جزءٍ كبيرٍ منها مِن الحملات العسكرية البريطانية في المنطقة، والتي كانت تتعاون مع اليهود، حيث قام اليهود بتجميعها في مخابئ مبنية لهذا الغرض في المستوطنات اليهودية.

- ومع اقتراب موعد إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين عمدت الصهاينة إلى تصعيد العمليات العسكرية لاحتلال أكبر قدرٍ ممكن مِن القرى والمدن الفلسطينية بالتهجير الجماعي بالقوة؛ فاحتل اليهود (طبريا) و(حيفا) بعد انسحاب القوات البريطانية منهما، واحتلوا أحياءً مِن القدس الغربية، واحتلوا (صفد) و(بيسان)، والقرى العربية في السهل الأوسط بيْن الرملة واللطرون، والقرى الموصلة إلى النقب في الجنوب، وحاصروا (يافا).

تم ذلك مِن خلال خُطة وضعتْ باسم خطة (دالت)، والتي نفذت في الأسابيع الأخيرة السابقة لانتهاء الانتداب، وتم تنفيذها بالتواطؤ مع القوات البريطانية، والتي كان يجب عليه حماية الفلسطينيين العزل مِن الهجمات اليهودية؛ إذ أنها المسئولة عن حفظ الأمن حتى نهاية الانتداب، وقد صاحب ذلك طرد آلاف الفلسطينيين خارج هذه المدن التي احتلها اليهود.

- كما عمد اليهود إلى ارتكاب مذابح وحشية بشعة ضد الفلسطينيين، مع تسريب أخبار هذه المجازر وما فيها مِن القتل الجماعي لنشر الهلع بيْن الفلسطينيين، ودفعهم إلى ترك أراضيهم حفاظـًا على أرواحهم.

ومِن أمثلة تلك المجازر:

- مذبحة (بلدة الشيخ) في 31-12-1947م.

- مذبحة (قرية سعسع) في 15-2-1948م.

- مذبحة (قرية الطنطورة) في ليلة 22-23 آيار 1948م.

- مذبحة (قرية أبو كبير) في31-3-1948م.

- مذبحة (قرية دير ياسين) في 10-4-1948م.

- مذبحة (قرية أبو شوشة) في 14-5-1948م.

لقد كان يسكن في المناطق التابعة للدولة اليهودية المقترحة عند صدور قرار التقسيم مئات الآلف مِن الفلسطينيين في 219 قرية، وأربع مدن، هي: "حيفا - وطبريا - وصفد - وبيسان"، ومع نهاية يونيو 1948م كان قد تم إخلاء ثلاث مدنٍ مِن الفلسطينيين "صفد - وطبريا - وبيسان"، وتم تدمير 180 قرية فلسطينية، وتهجير نحو 239 ألف فلسطيني منها.

أما في المناطق التابعة للدولة الفلسطينية المقترحة فتم تدمير 70 قرية فلسطينية، وأخليت يافا وعكا تقريبًا مِن الفلسطينيين، وتهجير أعدادٍ كبيرة مِن الفلسطينيين مِن سكان اللد والرملة، وتهجير ما يقرب مِن 122 ألف فلسطيني، وتم في المقابل توطين اليهود في تلك المدن والقرى.