د. أحمد حمدي - أبناؤنا... والامتحانات - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2017-12-30 16:01:19

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي هذا الوقت مِن كل عام ينشغل أبناؤنا الطلاب في مختلف المراحل التعليمية والجامعية في امتحانات الترم (نصف العام)، فندعو الله لهم بالتوفيق والنجاح والسداد، وأن يكلل مجهودهم طوال العام بالخير لهم ولآبائهم.

وأذكِّرك أخي الطالب بالنية الصالحة في المذاكرة مِن إدخال السرور على أبويك وبرهما، وأن تنفع أمتك، وأن تكون لَبِنة لسداد الفروض الكفائية عن الأمة الإسلامية في مختلف العلوم، وأن تكون قدوة وصورة طيبة للملتزم بدينه، والمتفوق في دراسته؛ فلا تعارض بينهما حتى يُجازى الإنسان بالثواب والأجر على هذا العمل، والوقت الذي يقضيه، وأن ينتوي أن يستغل إجازة نصف العام في مزيدٍ مِن حفظ كتاب الله وطلب العلم، والدورات التثقيفية، وتعلم المهارات والدعوة إلى الله والعمل الصالح، والرحلات الترفيهية، والأنشطة الرياضية المنضبطة بالشرع.

- وكذلك نذكِّر أثناء الامتحانات بالمحافظة على الأوراد العبادية مِن القرآن والأذكار والدعاء، والمحافظة على صلاه الجماعة وصلاه الفجر، وقيام الليل ولو بركعتين فحسب مع الوتر؛ فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

وكذلك أذكِّر بعدم الغش في الامتحانات، واستحضار مراقبه الله في السر والعلن وأنه يرانا على كل حال، واستحضار معنى التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب وعدم التعلق بها، قال الله -تعالى-: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة:23)، فالأخذ بالأسباب واجب، والاعتقاد فيها الشرك، والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله.

- وكذلك هذه الامتحانات والاستعداد لها "سواء الامتحان العملي أو الشفهي أو التحريري" تذكرنا بامتحان آخر في الآخرة، ربما أسئلته معروفة مسبقًا أو غير مفاجأة، ولكن لا يجيب عليها إلا مَن آمن بها، وعمل بمقتضاها؛ ففي القبر يُسأل العبد: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومَن النبي الذي بُعث فيكم؟ وفي الآخرة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، فهل أعددنا للسؤال جوابًا؟!

فلمثل هذا فأعدوا، ولمثل هذا فليعمل العاملون، قال عمر -رضي لله عنه-: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا، أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ".

- وكذلك نذكِّر الآباء بتوفير الهدوء في البيت، وبثّ روح الأمل والتفاؤل، والتحفيز والتشجيع في قلوب أبنائهم أثناء فترة الامتحانات، وإزالة حالة التوتر والقلق في البيوت، وبث الطمأنينة، وتوفير وسائل الراحة مِن الأطعمة والأشربة والعصائر، وتهيئة الأجواء المناسبة لهذه الظروف.

ولا ينسَ الآباء أن دورهم في هداية أولادهم، وتربيتهم على الإيمان والصلاة والقرآن وتعبيدهم لله هي أمانة كبيره في أعناقهم، سيسألهم الله عنها يوم القيامة، وإيقاظهم لصلاة الفجر وصلاة الجماعة لا يقل أهمية، بل يزيد بكثيرٍ عن اهتمامهم بمذاكرتهم في أمور الدنيا؛ فلا بد مِن ترتيب الأولويات والاهتمامات، فالدين والآخرة خير مِن الدنيا والعاجلة، ولا تعارض في الحقيقة، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم:6)، قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "أدبوهم وعلموهم".

وقال الله -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه:132)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

وقال -عليه الصلاة والسلام-: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (متفق عليه)، وقال: (إنّ اللَّهَ سَائِلٌ كلَّ راعٍ عَمّا اسْتَرْعاهُ: أحَفِظَ ذلِكَ أمْ ضَيَّعَهُ؟ حَتّى يَسأَلَ الرَّجُلَ عنْ أهْلِ بَيْتِهِ) (رواه النسائي وابن حبان، وحسنه الألباني).

كذلك لا بد مِن التنبيه على أن كثيرًا مِن الطلاب في الابتدائي، والمراحل الإعدادية والانتقالية أنهى الامتحانات -أو على وشك- قبْل موعد الإجازة الرسمية؛ فينبغي للقائمين على تعاهدهم وتربيتهم والاعتناء بهم أن يبدأوا معهم مبكرًا بعقد برامج وأنشطة الإجازة، وشغل أوقاتهم بما ينفع؛ حتى تُستغل هذه الفرصة مِن الفراغ؛ فنفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) (رواه البخاري)، فنحن لا نصنع الفرص، ولكن إذا جاءتْ ينبغي أن لا نضيعها.