م. إيهاب شاهين - شبهات الملاحدة (1) لماذا خلق الله الخلق؟! - بوابة الفتح الالكترونية
م. إيهاب شاهين
2018-01-06 18:03:46

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيمارِس الملحد -أو الملاحدة- ما يسمَّى بالإرهاب الفكري مِن منطلق أنه -زعمًا منه- يملك الحقيقة المطلقة، ويبدأ مِن خلال هذه الملكية الفكرية المزعومة يطرح أسئلة على عقول الشباب ظنًّا منه عجزهم عن الإجابة، ومِن ثَمَّ لاقتناعهم بفكرته، ولو تأملنا أطروحاتهم لوجدناها ما هي إلا توهمات وخيالات، ولا أريد أن أصل بها إلى درجة الشبهات، ولكن لأنها صادفتْ عقولًا متوقفة عن العمل، فأصبحت بالنسبة لها شبهات، ومِن هنا كان طرحها والرد عليها.

الشبهة الأولى:

يقولون: لماذا خلقنا الله؟! هل هو في حاجة إلينا؟!

وهذه يرجع إليها تفصيلًا في كتب العقيدة، وعلى كُلٍّ؛ لا بد مِن العلم بأن الله -تعالى- كرَّم كل بني آدم -يعني البشر- على سائر مخلوقاته، كما قال -تعالى-: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا) (الإسراء:70)، فالبشر أفضل مخلوقات الله -تعالى-، وقد جعل لهم قدرة واختيار وإرادة لفعل الطاعة أو المعصية، وهذه إحدى غايات الخلق، قال -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك:2).

وقد خلق الله الملائكة مجبولين على طاعته؛ فلا يقع عليهم اختبار أو امتحان، وخلق الجن وجعل لهم قدرة واختيارًا، لكن الغالب عليهم المعصية، فالبشر إذا اختار الطاعة يكون في الآخرة أفضل مِن الملائكة، وإذا اختار المعصية قد يكون شريكًا للشياطين -قد يقول البعض لو كان الأمر باختياري لاخترتُ أن أكون ملَكًا، أريد أن آخذ فرصة أخرى، وهذا قد حدث فعلًا، فإن الله -تعالى- عرض التكاليف على السموات والأرض والجبال كما قال -سبحانه-: (إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:72)؛ فأبين أن يحملنها إشفاقًا ووجلًا، ولكن الإنسان حمل هذه الأمانة على جهله وظلمه، فالإنسان هو مَن أراد أن يخوض الاختبار.

كذلك قال الله -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) (الأعراف:173-172)، لكن هذا الميثاق نحن لا نتذكره، ولكن الله أرسل إلينا الرسل ليذكرونا ما نسينا؛ فليس كل شيء فعله الإنسان مثلًا في صغره يتذكره، بل يُذكِّره أبواه.

وأما نسيانه؛ فلا يلغي حقيقة ما وقع منه، فمثلًا: لو أن طالب علم ذاكر إحدى المواد ثم دخل الامتحان ونسي ما قد ذاكره، فهل يعني ذلك أنه لم يذاكر؟! وفي هذه الحال لا يمكن أن يأخذ الكتاب معه؛ لأنه في امتحانٍ، ولا يستطيع معرفة إجاباته التي أجابها إلا عندما يرجع إلى الكتاب بعد الانتهاء مِن الامتحان، فيعلم: هل كان مصيبًا أم مخطئًا؟

كذلك نحن في الدنيا لا نستطيع أن نعرف نتيجة الاختبار الذي نعيشه في الدنيا إلا بعد انتهاء الاختبار، وهذا منتهي العدل؛ ولذلك كانت الغاية العظمى مِن الخلق هي العبادة -التي مَن حققها يُرجى له نتيجة مبشِّرة-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56).

فالله -تعالى- ما خلق الخلق لحاجته لأحدٍ مِن مخلوقاته، ولا ليظهر لنا عجزنا بقدرته، بل إذا رأينا عظمة المخلوقات أبهرتنا عظمة مخلوقاته، فأثنينا عليه وكبرناه، وهذا لا يزيده عظمة ولا كبرياءً، بل يجعلنا نرتبط به ونتبعه؛ لأنه غالبًا ما مِن أحدٍ يثني على الله إلا ويمتلأ قلبه بمحبته  ومِن ثَمَّ يتبعه، ومَن اتبعه دخل الجنة التي هي نتيجة الاختبار الصحيحة.

وكذلك إذا نظرنا لعظمة المخلوقات الكبيرة كالنجوم والجبال والبحار، أدركنا قيمتنا؛ لأن البشر أفضل منها مع عظيم خلقها، فندرك حينها فضله علينا فنطيعه، وبذلك نكون خضنا الاختبار بسلام، فالله خلق لنا الحياة ليس ليعلم عملنا فيها، ولكن لِيُظْهِرَ حقائق أنفسنا، حتى لا يَبْقى لأحدٍ حُجة إذا تخلَّف عن العبودية.