د. ياسر برهامي - واقع المسلمين اليوم... وكيف نتعامل معه؟! - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2018-01-23 15:08:53

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبالنظر إلى أحوال المسلمين وواقعهم اليوم نجد الساحة الإسلامية تموج بالاختلافات -بل بالمنازعات والصراعات- التي وصلتْ إلى الاقتتال وسفك الدماء وانتهاك الحرمات، وتختلف وجهات النظر مِن الحريصين على وحدة العمل الإسلامي ومستقبل "الصحوة" التي تتعرض اليوم لهزَّةٍ عنيفةٍ وأخطارٍ مُحدِقَةٍ بها تريد الذهاب بثمرتها في مجتمعات المسلمين، وفي غيرها مِن المجتمعات غير المُسْلِمَة التي أثرت "الصحوة" فيها أثرًا كبيرًا هَدَّدَ محاولات الغرب طمس الحضارة الإسلامية بالكلية.

فيرى البعض أن التعدد الحاصل بيْن الاتجاهات الإسلامية لا ضرر منه ولا حَرَج شرعًا مِن وجوده، ولا يطلب مِن الجماعات المختلفة أن تسعى إلى الاجتماع؛ لأن كلًّا منها على خيرٍ وعمل صالح؛ ولا شك أن هذه النظرة إنما تصح في بعض أنواع الاختلاف الواقع بيْن الاتجاهات الإسلامية، لا على كل أنواع الاختلاف، وهذا هو اختلاف التنوع.

وأما القول بأنه لا يُطْلَب شرعًا السعي إلى الاجتماع؛ فغفلةٌ كبيرةٌ عن الفساد والمنكرات، والمعاصي الحاصلة بيْن الاتجاهات المتناحرة، والمفترض في اختلاف التنوع: التكامل والتعاضد، كمَن يتخصص في علمٍ مُعَيَّنٍ لا يتعارض مع تخصصِ غيرِه في علم آخر، وإقبالُ البعض على عملٍ صالحٍ في باب مُعَيَّنٍ -كخدمة الناس مثلًا في قضاء حوائجهم، أو التصدر للوجود في الساحة السياسية للدعوة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي إلى إصلاح البلاد والمجتمعات- لا يُعارِض وجودَ البعض في الدعوة إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- في تربية الشباب والنشء، ودعوة الرجال والنساء، وتعليم الناس العلم، وكذلك كل عملٍ من الأعمال؛ الأصل فيه أن يكون اختلاف التنوع فيه مع غيره مبنيٌّ على التعاضد والتكامل، وهو أمر مفقود -إلى حَدٍّ كبيرٍ- في أبناء "الصحوة الإسلامية" باتجاهاتها المختلفة.

وبعض الناس يرى أن تفَرُّق المسلمين اليوم خيرٌ لهم مِن جهة أن أعداءهم سوف يتركونهم في دعوتهم ما داموا مفترقين أما لو اجتمعوا فسيكون ذلك مُعَجِّلا لضربهم!

وهذه النظرة أيضًا قَاصِرةٌ عن التفريق بيْن الأمر الشرعي والأمر القَدَرِيِّ الكَونِيّ؛ فالحِكم والمصالح التي يقدِّرها الله -سبحانه وتعالى- مِن تقدير السيئات -ومِن السيئات: الافتراق والاختلاف المذموم، والتنافس على الدنيا، والغيبة والنميمة، والوقيعة بيْن المسلمين وسفك دمائهم وانتهاك حرماتهم- لا تجعل طَلَبَ السيئات والحرص عليها والفرح بوجودها مشروعًا؛ بل يجب كراهيتها ومخالفتها؛ وما يدريك ما يُقَدِّرُه الله في الطاعات لو أطعناه -سبحانه وتعالى- وائتلَفنا على كتابه وسنة نبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- على طريقة الصحابة والسلف مِن الخيرات والبركات التي تبلغ أضعاف ما نحسبه مِن حكمةٍ ومصلحةٍ مِن وراء السيئات!

فلا بد أن يكون سعينا للاجتماع -وهو مطلب شرعي-، ولا بد أن يكون بالوسائل الشرعية، أي: بالاجتماع على منهجٍ واحدٍ وهو منهج "أهل السُنَّةِ والجماعة" كما طَبَّقَهُ "السلف الصالح" عِلمًا وعَملًا وحالًا، وسلوكًا وأخلاقًا.

ولا بد أن لا نرضى بالافتراق الحاصل -وأكثره مِن النوع المذموم؛ بدلالة نتائجه على قلوب أبناء الأمة وأعمالهم وأقوالهم-، ولا بد أن نفرِّق بيْن الاحتجاج بالقَدَر والحِكمة القَدَرِيَّة على أمرٍ قد مضى وصار بمنزلة المصائب، وإن كان معه ذنبٌ فتلزم التوبة منه، وبيْن الاحتجاج بهذه الحِكَم القَدَرِيَّة في إبقاء هذا الواقع والرضا به واستمراره في المستقبل؛ فهذا الثاني مِن جنس الاحتجاج بالقَدَر على المعائب والذنوب، ولا خلاف عند أهل السُنَّةِ في ذَمِّ ذلك.

لماذا نفترض دائمًا أن الأعداء إذا أردوا ضرب المسلمين تَمَّ لهم ما أرادوا على الوجه الذي خططوه؟!

فنحن لا بد وأن نعتقد أننا إذا أَطَعْنَا اللهَ لا يمكن أن يسلط علينا عدونا أكثر مِن تسليطه علينا إذا عصيناه وتَفَرَّقْنا؛ حسن الظن بالله يوجب علينا أن نظن أن يحفظنا الله -عَزَّ وَجَلَّ- إذا اجتمعنا وأخلصنا عَمَلَنا لله، وجعلنا الدنيا وراء ظهورنا، وقَدَّمْنَا المصلحةَ الشرعية على مصلحة الأفراد والجماعات المختلفة.

ويحاولُ البعضُ الوقوفَ موقف التوسط بيْن الاتجاهات الإسلامية المتبايِنة ليكون قريبًا مِن الجميع، ويرى أن الاختلافات المُعاصِرَة كلها مِن جنس الاختلاف السائغ الذي لا يُفسد للوُدِّ قَضِيَّة.

وهذا أمرٌ ليس له وجود في واقع الحال؛ وإنما هو في أذهان البعض، ومحاولات تأصيلٍ خارجة عن طريقة أهل السُنَّةِ في معاملة أنواع الاختلاف؛ فالاختلاف في مُصَادَمَة البَيِّنات لا يمكن أن يُعْتَدَّ به، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105).

ولا شك أن جزءًا كبيرًا مِن الخلاف الواقع بيْن المسلمين اليوم راجعٌ إلى تَفَرُّقِهِم إلى سُنَّةٍ ورَافِضَةٍ، والرَّافِضَةُ يُخربون مجتمعات المسلمين في المشارق والمغارب؛ فهل يُعقل ويُقبل مِن مُسلمٍ سُنِّيٍّ يعرف منهج أهل السُنَّة في طريقة التعامل مع الرافضة أن يقول: إن اختلافنا مع الرافضة -وقد أظهروا وجهَهُم الكالح في العراق، وفي إيران قبْل ذلك، وفي سوريا، وفي اليمن، وفي البحرين، وفي الجزيرة العربية في شرقها وجنوبها- هل يمكن أن يُتصور أن نقول إن الخلاف معهم خلاف سائغ أو مجرد خلاف سياسي قديم لا يُفسِد للوُدِّ قَضِيَّة؟!

وكذلك جزء كبير -بل هو مِن أخطر أسباب انتشار ظاهرة القتل والاغتيال والأعمال المسماة بالإرهابية في العالم- سببه الخلاف في مسائل التكفير؛ فهل يمكن أن يقبل مسلمٌ أن نرى أن الخلاف مع مَن يذهب إلى طريقة الخوارج ويسير عليها في تكفير المسلمين بالشبهات والاختلاف في الوجهات السياسية، والاختلاف في الانتماء للجماعات، فضلًا عما كان مِن عقيدة الخوارج في التكفير بالكبيرة وإن سموها شركًا وكفرًا؛ هل يمكن أن يكون هذا خلافًا سائغًا؟! هل استباحة دماء المسلمين يمكن أن تكون خلافا سائغا؟! إن هذه الوسطية الوهمية لا يمكن أن تكون مؤدية إلى علاجٍ صحيحٍ لقضية الاختلاف.

وأراح البعضُ نفسَه بأن أقنع نفسَه وغيرَه بإنكار التجمع مطلقًا؛ مُعَلِّلًا ذلك بالعيوب الناشئة عن الجماعات، والعصبية الممقوتة التي تظهر في أتباعها، وآثر العمل الفردي! وظهرت التجمعات حول أشخاص الدعاة دون وجود أي نظامٍ للعمل على استكمال النقص في العمل الإسلامي والقيام بفروض الكفايات إلا نظام "الشيخ والتلميذ" وما قد يقتنع به البعض من أعمال الخير.

وإذا أضيف إلى ذلك اليوم أن هذه الاتجاهات الفردية أصبحت تؤصِّل إلى مناهج مخالفة لأهل السُنَّة كالتعَصُّب المذهبي في مُصَادَمَة الدليل، والذي يؤصل كذلك إلى الغلو في المشايخ أحياءً وأمواتًا واعتبار كل قول ذُكِر في مذهبٍ من المذاهب خلافًا سائغًا ولو صادم أوضح الأدلة، ولو كان في أوضح أمور الاعتقاد التي نص عليها القرآن في توحيد الربوبية والألوهية أو في توحيد الأسماء والصفات!

وإذا أُضيف إلى ذلك: المخاطر السلوكية مِن الانفراد -والتي يترتب عليها دائمًا الكثير مِن أنواع تشويه العمل الإسلامي كله-؛ فلابد لنا أن نقول: إن هذه النظرة تفتقد للرؤية الصحيحة لمستقبل العمل الإسلامي، ولا تحدد خطواتٍ محددةٍ لتطور العمل، والقيام بفروض الكفايات الضائعة، كما أن هذه التجمعات -إن قويت- فهي جماعة دون مُسَمَّى! أو أن مُسَمَّاها هو "اللا جماعة" أو هو اسمُ قائدِها ومعلمِها وآراؤه، وليست منهجًا متكاملًا قابلًا للاستمرار والبقاء بعد غياب القائد -بموت أو عجز أو غيره-.

ولذلك نقول: إن أنواع الاختلاف بيْن المسلمين اليوم ترجع إلى ثلاثة أنواع:

- منها ما يرجع إلى اختلاف التنوع: وهذا يجب استثماره والتعاون عليه، ولا يصح أن نسعى لإلغاء هذا النوع مِن الاختلاف؛ لأنه بالتكامل فيه يتم الواجب، ويتحقق المقصود -بإذن الله-.

- ومنها ما يرجع إلى اختلاف التضاد السائغ: وهذا يجب احتماله، وأن يسعنا كما وَسِعَ سلفنا الصالح، ولا يفسد الوُدَّ والمحبة بيننا، ولكن يلزم ضبط هذا النوع جيدًا وبذل الوسع في تحقيقه، والرجوع إلى أمثل أهل العلم عند الاختلاف، مع الالتزام بقواعد أهل السُنَّة بذلك.

- ومنها ما يرجع إلى اختلاف التضاد غير السائغ: وهذا يجب علاجه بمحاربة البدع والضلالات والأقوال الباطلة، والاجتماع على منهج أهل السُّنة والجماعة، والعمل على نشره بتفاصيله؛ وهذا يقتضي تحقيق هذا المنهج وتحديده تحديدًا مُفَصَّلًا في قضايا العقيدة والعمل والدعوة ومناهج التغيير وغير ذلك.

فاللهم ألِّف بيْن قلوبنا وأصلح ذات بيننا، وانصرنا على عدوك وعدونا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا مِن الظلمات إلى النور، واجعلنا هداة مهديين.