رضا الخطيب - سورة الإخلاص (6) - بوابة الفتح الالكترونية
رضا الخطيب
2018-03-10 16:50:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زال الكلام موصولًا مع "سورة الإخلاص".

تفسير قوله -تعالى-: (اللَّهُ الصَّمَدُ):

ما معنى اسم الله (الصَّمَدُ)؟

قال بعض العلماء: "الصمد هو المتناهي في السؤدَد، وفي الكمال مِن كل شيء".

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "الصَّمَدُ: الَّذِي قَدِ انْتَهَى سُؤْدُدُهُ".

وكما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ، وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ، وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظْمَتِهِ، وَالْحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمِهِ، وَالْعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ، وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ وَهُوَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-, هَذِهِ صِفَتُهُ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ، لَيْسَ لَهُ كُفْؤٌ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار".  

وقَالَ ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا: "يَعْنِي الَّذِي يَصْمُدُ إِلَيْهِ الْخَلَائِقُ فِي حَوَائِجِهِمْ وَمَسَائِلِهِمْ".

وقيل: الصمد مَن يصمد الخلائق إليه في حاجاتهم، ولا يحتاج هو إلى أحدٍ.

فكل الخلق محتاجون إليه، وهو -سبحانه وتعالى- لا يحتاج إلى أحدٍ، ومِن ذلك قوله -تعالى-: (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) (الأنعام:14)، وقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات:56-58).

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: "هُوَ الَّذِي لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَلَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ". لكمال استغنائه عن خلقه.

وَقَالَ الْحَسَنُ: "هُوَ الْبَاقِي بَعْدَ خَلْقِه".

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لَهُ بَعْدَ إِيرَادِهِ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ فِي تَفْسِيرِ اسم الله "الصَّمَد"ِ: "وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ وَهِيَ صِفَاتُ رَبِّنَا -عَزَّ وَجَلَّ-, وَهُوَ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ وَهُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى سُؤْدُدُهُ، وَهُوَ الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ خَلْقِهِ".

وقيل: "اللَّهُ الصَّمَدُ" يفسره ما بعده: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهذا معنىً حسن". وبهذا يتضح لنا أن السورة كلها هي تفسير لأول آية فيها، فسورة الإخلاص هي أربع آيات، والثلاث الآيات الأخيرة منها تفسير للآية الأولى.

فقوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فسَّرها وشرحها قوله: (اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، كما قال صاحب "العقيدة الطحاوية": "فإن ربنا -جلَّ وعلا- موصوف بصفات الوحدانية, منعوت بنعوت الفردانية, ليس في معناه أحدٌ مِن البرية". وهو مأخوذ مِن معنى سورة الإخلاص؛ لأن الأحدية هي تفرد الله -سبحانه وتعالى- بصفات الجلال والكمال كلها؛ ولأن المولود ليس بأحد؛ لأنه جزء مِن والده.

وكذلك لو لم يكن له والد ولا ولد، لكنه له كفؤ وله نظير وله شبيه ومثيل؛ فليس بأحدٍ أيضًا، فكل مَن له كفؤ ونظير ومثيل لا يُوصف بأنه أحد؛ لأنه غير منفرد فله نظير، فكيف يكون منفردًا، وكيف يكون واحدًا أحدًا؟! إذن: فالسورة كلها تقرير لمعنى (أَحَدٌ) في قوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.