شريف طه - هل السياسة نجاسة؟! - بوابة الفتح الالكترونية
شريف طه
2018-03-18 17:35:55

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهل السياسة نجاسة؟!

قبْل الجواب لا بد مِن الإقرار بأن كثيرًا مِن السياسيين عبْر التاريخ كانت ممارساتهم السياسية مفتقدة للأخلاق والقيم، وكان الوصول للسلطة، وإحكام السيطرة عليها، والتخلص مِن المنافِسين والخصوم، هو المحرك لكثيرٍ مِن صراعاتهم؛ وهذا ما دفع البعض للعن السياسة، وكل ما يتعلق بها، باعتبار أنها تتصادم حتمًا مع الدين والأخلاق!

ولا يمكن لأمةٍ الاستغناء عن السياسة؛ فإن الإنسان مدني بطبعه، يعيش في تجمعات، وهذه التجمعات تحتاج لإدارة مصالحها، وتنظيم العلاقات المختلفة، وهذه وظيفة السياسة عمومًا، ومِن ثَمَّ لا يمكن، ولا ويوجد مجتمع بلا سياسيين، فاعتزال الصالحين للسياسة لا يعني إلا تركها للفاسدين! وكما قال "أربكان": "المسلمون الذين لا يهتمون بالسياسة، يحكمهم سياسيون لا يهتمون بالإسلام!".

كذلك، لا يمكن تعميم هذا الوصف على جميع الممارسات السياسية، فبنو إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، والنبي -صلى الله عليه وسلم-، هو مؤسس دولة الإسلام الأولى، وولي قيادتها، وكان يتولى إبرام العهود، والمواثيق الداخلية: (كوثيقة المدينة التي كانت بمثابة الدستور الأول لدولة المدينة)، والخارجية: (كصلح الحديبية) مع مشركي قريش، وكان يتولى استقبال وإرسال الوفود، وقرار الحرب والسِّلم، وإقامة الحدود، وغيرها مِن وظائف الدولة السياسية، ولم تكن تصرفاته في كل ذلك بمقتضى التشريع، بل بعضها بمقتضى منصبه السياسي كقائدٍ للدولة.

وقد أشار "القرافي في فروقه" لهذا النوع، فقال: "في أنواع تصرفاته -صلى الله عليه وسلم-: منها: ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعًا، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه؛ لتردده بيْن رتبتين فصاعدًا... ثم تصرفاته -صلى الله عليه وسلم- بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة، فكل ما قاله -صلى الله عليه وسلم- أو فعله على سبيل التبليغ؛ كان ذلك حكمًا عامًّا على الثقلين إلى يوم القيامة، فإن كان مأمورًا به، أقدم عليه كل أحدٍ بنفسه، وكذلك المباح، وإن كان منهيًّا عنه، اجتنبه كل أحد بنفسه، وكل ما تصرف فيه -عليه السلام- بوصف الإمامة "وهو ما يمكن تسميته بالتصرفات السياسية" لا يجوز لأحدٍ أن يقدِم عليه إلا بإذن الإمام؛ اقتداءً به -عليه السلام-؛ ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك".

ولمثل هذا الفرق كان سؤال الحباب بن المنذر "كما أورده الطبري في تاريخه" للنبي -صلى الله عليه وسلم- عن منزل بدر قائلًا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ؟ أَمَنْزِلٌ أَنْزَلكه اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ وَلا نَتَأَخَّره؟ أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ... ".

وحينما قُبِض النبيُ -صلى الله عليه وسلم-، خَلَفه أبو بكر -رضي الله عنه-، والخلفاء الراشدون بمَن بعده، ولم تكن خلافةً في النبوة، التي انقطعت بموته -صلى الله عليه وسلم-، وإنما كانت خلافة في جانبها السياسي، والذي يهدف إلى إدارة وتحقيق مصالح الدولة الإسلامية، والتي تتمثل في إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين، ولا يمكن وصف كل هذه السياسة بأنها نجاسة، أو لا أخلاقية، أو متحررة مِن المنظومة القيمية.

الإشكالية عند البعض في تضاد السياسة مع الدين والأخلاق، وأنه لا يمكن ممارسة السياسة دون التنازل عن الدين والأخلاق، فالسياسة كما يعرفها "مكيافيلي" ليستْ هي ما يجب أن يوجد، ولكنها فن الممكن، وهذا يحتم اختيار خيارات لا أخلاقية، والحل عند أصحاب هذا الطرح، يكمن في فصل السياسة عن الدين، بحيث لا يكون الدين هو معيار السياسي، وإنما المصلحة. 

المشكلة عند أصحاب هذا التصور، تكمن في الخطأ في فهم الأحكام الشرعية، وأن جميعها قطعي ثابت لا يتغير، بينما الحقيقة أنه ليستْ كل أحكام الشريعة كذلك، بل كثير منها -أو أكثرها خاصة فيما يتعلق بالسياسة- نسبية ظنية، وحينما نقول بشمول الشريعة لجميع أفعال المكلفين، فإن هذا لا يعني جزمنا بحكم الشرع في كل مسألة، بل لا يجوز لأحدٍ أن ينسب حكمه واجتهاده إلى حكم الله -تعالى-، ففي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يوصي أمراءه فيقول لهم: (وَإِنْ حَاصَرْتَ حِصْنًا، فَأَرَادُوكَ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللَّهِ، أَمْ لَا) (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

والموقف الشرعي ليس جامدًا ثابتًا تجاه الحوادث، بل ينص الفقهاء على تغير الفتوى باختلاف الزمان والمكان؛ ليس تبعًا للأهواء، ولكن تبعًا للمصلحة الشرعية المقررة.

والأحكام الشرعية لا تهمل المصلحة، ولا تتعارض معها، بل يقرر الفقهاء أن الأحكام الشرعية جاءتْ لتحصيل المصالح أو الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل، فقواعد الموازنات بيْن المصالح والمفاسد، وتحمل أدنى المفسدتين والشرين؛ لدفع أعلاهما، والتفريق بيْن أحوال الاختيار والاضطرار، والمشقة تجلب التيسير، ولا ضرر ولا ضرار، وغيرها مِن القواعد الشرعية جاءت رعاية للمصالح، فليس عندنا تصور لتلازم التعارض بيْن المصالح والشريعة، والتعارض إنما يكون بيْن المصلحة المتوهمة أو ما يتوهمه صاحبه شرعًا.

الخلاصة: أن التصرف السياسي الذي يقوم على اختيار أدنى الشرين لدفع أعلاهما؛ لا يمكن وصفه حينئذٍ بأنه غير أخلاقي، أو غير شرعي، بل هو تصرف سياسي شرعي أخلاقي "وفي ذات الوقت فهو ظني اجتهادي ليس قطعيًّا" يُنسب لصاحبه، لا للشريعة.

ثم إن تصرفات السياسي تندرج -ولابد- تحت حكم مِن أحكام الشريعة، فإما أن يكون مباحًا؛ فلا حرج على فاعله، وإما أن يكون محظورًا، فيمتنع فعله؛ لا فرق في ذلك بيْن سياسي وغيره، فليس السياسيون فئة خارج التكاليف الشرعية!

هذه ليستْ دعوة لانخراط جميع الشباب -ولا الهيئات- في السياسة، فالسياسة -كغيرها- لها رجالها الذين يجيدون طرقها، ومكائدها، وقد صارت في عالمنا اليوم علمًا متشعب الفروع، ولكنها رفض لمثل هذه الإطلاقات والتعميمات التي قد تصرف بعض الأكفاء الصالحين عن باب مِن أبواب الإصلاح الممكنة؛ بزعم أن يبقى ثوبه بعيدًا عن نجاسة السياسة!