د. إبراهيم بركات - زاد المتقين... إتقان العبادة والاستعانة والتوكل برب العالمين (1) - بوابة الفتح الالكترونية
د. إبراهيم بركات
2018-04-11 17:19:22

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى- في أم القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5)، وهذه السورة هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي الشافية، وهي الواجبة في الصلوات لا صلاة إلا بها، وهي الكافية تكفي مِن غيرها، ولا يكفي غيرها عنها.

والصلاة أفضل الأعمال، وهي مؤلفة مِن كلم طيب، وعمل صالح فأفضل كلمها الطيب وأوجبه: "أم القرآن"، وأفضل عملها الصالح وأوجبه: "السجود".

وكما جمع ربنا بيْن الأمرين في أول سورة أنزلها على رسوله -صلى الله عليه وسلم- حيث افتتحها بقوله -تعالى-: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1)، وختمها بقوله: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق:19)، فوضعت الصلاة على ذلك؛ أولها: القراءة، وآخرها: السجود؛ ولهذا قال -سبحانه- في صلاة الخوف: (فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) (النساء:102)، والمراد بالسجود الركعة التي يفعلونها بعد مفارقتهم للإمام، وما قبل القراءة مِن تكبير واستفتاح واستعاذة هي تحريم للصلاة، ومقدمة لما بعده، وأول ما يبدأ به كالتقدمة.

وما يفعل بعد السجود مِن قعود وتشهد فيه التحية لله، والسلام على عباده الصالحين، والدعاء والسلام على الحاضرين؛ فهو تحليل للصلاة ومعقبة لما قبله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، ولهذا تنازع العلماء أيهما أفضل: كثرة الركوع والسجود أو طول القيام أو هما سواء؟ على ثلاثة أقوال عن أحمد وغيره، وكان الصحيح أنهما سواء؛ فالقيام فيه أفضل الأذكار، والسجود فيه أفضل الأعمال فاعتدلا؛ ولهذا كانت صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معتدلة، فكان يجعل الأركان قريبًا مِن السواء، وإذا أطال القيام طولًا كثيرًا كما كان يفعل في قيام الليل، وصلاة الكسوف؛ أطال معه الركوع والسجود، وإذا اقتصد في القيام اقتصد في الركوع والسجود.  

وأم الكتاب كما أنها القراءة الواجبة، فهي أفضل سورة في القرآن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ, وَلَا فِي الزَّبُورِ, وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا، إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ, وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وفضائلها كثيرة جدًّا.

ولهذا ثبت في الحديث الصحيح القدسي أن الله -تعالى- يقول: (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي) (رواه مسلم)، فقد ثبت بهذا النص أن السورة قسمة بيْن الله وبيْن عبده، وأن هاتين الكلمتين مقتسم السورة: فـ(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) مع ما قبلها لله، و(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مع ما بعدها للعبد، وله ما سأله؛ ولهذا قال مَن قال مِن السلف: "نصفها ثناء، ونصفها مسألة".

وللحديث بقية -إن شاء الله-.