شريف طه - الإدماج وأثره في ترشيد الممارسة - بوابة الفتح الالكترونية
شريف طه
2018-04-11 17:27:13

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلماذا يتعب شخصٌ ذهنه في البحث عن مواءمات وحلول لمشكلات واقعه الذي لم ولن يشارك في صناعته؟!

هكذا يفكر أي شخص -أو مجموع- حينما يتعرض للتهميش والإقصاء، حيث يفضِّل في هذه الحالة -وأحيانًا لا شعوريًّا- أن يمارس خطاب المزايدة، الذي لا يكلفه سوى عدد مِن الشعارات الفارغة التي يدغدغ بها مشاعر مَن أمامه!

 حينما يعيش المرء في عالمه "الجيتو" الخاص به؛ ينظر للأمور كلها مِن حوله مِن خلال هذا المنظار، ويظن أنه بإمكانه أن يجعل العالم كله كما هو عالمه الخاص، يظل يحلق في المثالية -كما يتصورها!-؛ فهو ليس مطالبًا بالهبوط بها على أرض الواقع.

قبل ثورات المنطقة العربية، كان الكثير يتخيل أنه بمجرد زوال هؤلاء الحكام، سوف تنطلق طاقات الأمة المكبوتة، وتتحرر "القدس" التي طالما هتفوا مطالبين بفتح الحدود؛ لتقدم ملايين الشباب التواق لتحرير المقدسات؛ هرب "زين العابدين"، وخُلع "مبارك"، وقُتل "القذافي" و"علي صالح" مسحولين، وصعد الإسلاميون للسلطة في مصر، وتونس، وليبيا، ولكن الواقع لم يكن بالسهولة التي تخيلها البعض، حيث أدركوا أن موازين القوى المحلية فضلًا عن الإقليمية والدولية معقدة بالدرجة التي لا يتخيلونها.

القرار السياسي هو تفاعل لموازين القوى المحلية والإقليمية والدولية، ومتخذ القرار يضع كل هذه الاعتبارات في حسبانه، والمجتمع ليس هو شريحتك التي تنتمي إليها سياسيًّا أو مذهبيًّا أو دينيًّا فقط، ومصالحك ليستْ هي بالضرورة مصالح القوى المحيطة بك، والمؤثرة في قرارك.

مثلًا: في لجنة صياغة الدستور الأخيرة، أدرك الكثير مِن الإسلاميين والعلمانيين ضرورة التوافق والتخلي عن بعض ما كانوا يؤملونه حسب رؤاهم الخاصة، زايد عليهما المتطرفون مِن كل جانب، فخرج بعض متطرفي العلمانية في مصر ينوحون على الدستور الذي بقيتْ فيه مرجعية الشريعة الإسلامية، ومرجعية الأزهر، ولم يتضمن أي إشارة للعلمانية؛ لا مِن قريبٍ أو مِن بعيدٍ؛ بينما أغلب أعضاء اللجنة أدركوا أنهم يكتبون دستورًا لمصر، وليس لطائفة بعينها، وأن مصر ليست في هويتها ولا ثقافتها ولا تقاليدها مثل أوروبا أو العالم الغربي.

وحينما وصلت جماعة الإخوان للسلطة في مصر، تخلت عن كثير مِن شعاراتها التي كانت تزايد بها على الأنظمة العربية، خاصة فيما يتعلق باتفاقية "كامب ديفيد"، التي وجدوا أنفسهم مضطرين لعدم المساس بها! وأدركوا أن الخطاب غير المسؤول لم يعد صالحًا بعد التحول لموقع المسؤولية.

الإدماج في الشأن العام، هو أقرب وسيلة لترشيد الممارسة، وتقريبها مِن الواقعية، وإبعادها عن الغلو والمزايدة، والإقصاء هو بداية التقوقع و"الجيتو"، المؤديان غالبًا للتشدد والتطرف.