سعيد محمود - الأسباب الحقيقية للرزق (2) كثرة الاستغفار - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2018-05-02 16:48:02

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   

فكما سبق الحديث، فإن الله -عز وجل- جعل للرزق أسبابًا مادية وأسبابًا معنوية، والأسباب المادية ثلاثة، يتفرع عنها كل صور الرزق المادية؛ ألا وهي: "التجارة والصناعة والزراعة"، والناس جلهم مشغولون بفنون الرزق في هذه الأسباب بفروعها.

وأكثر الناس يغفُل عن الأسباب المعنوية، والتي هي إن شئتَ قل: "هي الأسباب الحقيقية للرزق". وهي كثيرة، لكننا نقف على سبعةٍ منها، هي أبرزها، ونذكرها تباعًا، وسبق الحديث عن السبب الأول، وهو: تقوى الله -تعالى-.

ونتحدث في هذه المرة عن السبب الثاني، وهو: "كثرة الاستغفار": نعم، إن كثرة الاستغفار باب مِن أعظم الأبواب الجالبة للأرزاق، فإذا ضاقتْ بك الأرزاق فأكثر مِن الاستغفار وسيجعل الله -عز وجل- لك مخرجًا، وسيجعل لك الرزق مِن حيث لا تدري، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الشيخ أحمد شاكر)، فأكثر مِن الاستغفار يجعل الله لكَ مِن كل همٍّ فرجًا، ومِن كل ضيق مخرجًا، ويرزقك مِن حيث لا تحتسب.

ولكن ما هو الاستغفار الذي تُفتح به أبواب الرزق في مثل هذه الضوائق والشدائد؟ هل هو الاستغفار الذي يقول به كثيرٌ مِن الناس والذي يمررونه على ألسنتهم فحسب أم أنه لابد أن يتواطأ معه القلب كذلك؟!

إن الاستغفار الذي هو باب مِن أبواب الرزق، ومفتاح لهذا الباب، هو أن يتواطأ القلب واللسان معًا بالاستغفار؛ وإلا فكثير مِن الناس يقول: "استغفر الله"، تمر على لسانه فقط دون المرور على القلب.

والاستغفار هو طلب المغفرة, أنتَ عندما تقول: "أستغفر الله"، فأنتَ تعني بذلك: اللهم اغفر لي, اللهم إني تبت فاغفر لي؛ هذا معنى الاستغفار.

إذن هذا يستلزم مع هذه الألفاظ توبة، فانظر في نفسك وأنتَ تقول: "أستغفر الله"؛ هل رجعت عن ذنوبك؟! هل تبت منها؟! فأنتَ تقول: "أنا أتوب إليك يا رب فاغفر لي"، فكن صادقًا؛ فهذا الذي تُفتح به أبواب الأرزاق.

وأحوال الصالحين مع الاستغفار و طلب الأرزاق كثيرة... فهذا عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين، يخرج بالمسلمين يومًا للاستسقاء، وقد امتنع المطر وأجدبت الأرض، فخرج بالمسلمين يستمطر ويستسقي، فلما وقف عمر كما يذكر الراوي: "فما زاد عمر على الاستغفار!"، أي: أن عمر وقف في مقدمة المسلمين ورفع يديه وجعل يقول: "نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله"، ويستغفر الله -عز وجل- فنزل المطر، فقالوا: إنك ما زدت شيئًا عن الاستغفار، وما رأيناك استسقيت! فقال: "لقد سألتُ الله -عز وجل- الغيث بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر!" -مجاديح السماء: مفاتيح السماء لنزول الأرزاق-، ثم تلا عليهم: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) (نوح:10-11)؛ هذا هو الاستغفار الذي تُجلب به الأرزاق.

وشكا رجل إلى الحسن البصري الجدب، فقال له: "عليك بالاستغفار، وشكا آخر الفقر، فقال له: عليك بالاستغفار! وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولدًا، فقال له: عليك بالاستغفار! وشكا إليه رجلٌ جفاف بستانه، فقال له: عليك بالاستغفار! فقالوا له في ذلك: أتاك رجال يشكون أنواعًا؛ فأمرتهم كلهم بالاستغفار. فقال: "ما قلتُ مِن عندي شيئًا، إن الله -تعالى- قال في سورة نوح: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (نوح:10-12)".

فالاستغفار عبد الله، باب مِن أعظم أبواب الرزق؛ فإياك أن تضيعه.

والاستغفار لابد أن يكون على ما ذكرنا مِن ضوابط، وهو أن يجتمع -مع استغفارك بلسانك- تواطؤ القلب مع قول اللسان، مع عدم الإصرار على الذنب.