زين العابدين كامل - شهر رمضان وهدفنا الرابع (4) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نلقي الضوء على أهم الأهداف التي ينبغي للمسلم أن يحققها خلال سباق شهر رمضان المبارك، ذكرنا في المقالات السابقة ثلاثة أهداف رئيسية وهي: الوصول إلى أعلى مراتب ومقامات التقوى، ثم الفوز بالمغفرة، ثم الفوز بالعتق مِن النيران.

واليوم نذكر الهدف الرابع لنا في شهر رمضان، ألا وهو: "تهذيب النفس والتخلص مِن الأقوال والأفعال والعادات السيئة"، فعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دعائه: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ، فَإِنَّهُ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ) (رواه مسلم).

ولقد أمرنا الله -تبارك وتعالى- بأن نهذب أنفسنا ونزكيها ونطهرها مِن المعايب، فقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9-10)، فالفلاح في تزكية النفس، والخسران في إهمالها وتركها بدون تزكية.

وفي الأثر: "الكيس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني"، ولهذا نبَّه الصالحون على ضرورة محاسبة النفس، فقال ميمون بن مهران: "إن التقي أشد محاسبة لنفسه مِن سلطانٍ عَاصٍ، ومِن شريك شحيح"، وقال أيضًا: "لا يكون العبد تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة مِن الشريك لشريكه! ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك"، وقال الحسن البصري: "إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته، يستقصرها فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قدمًا لا يعاتب نفسه!".

ولا شك أن المسلم طوال حياته هو في احتياج لتهذيب نفسه حتى تستقيم له، فتكون نفسًا مطمأنة راضية طيبة، تدعوه إلى الخير وتحببه فيه، وتنهاه عن المنكر وتنفره منه، وهذا التهذيب لن يكون إلا إذا عاد المرء إلى نفسه فعلمها وأدبها وذكَّرها بتقصيرها في حق ربها، وهذا يحتاج إلى تدريب ومجاهدة، ففي الحديث: (إنّما العِلْمُ بالتّعَلُّمِ وإنّما الحِلْمُ بالتّحَلُّمِ ومَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ ومنْ يَتَّقِ الشّرَّ يُوَقَّهُ) (رواه الدارقطني في الأفراد، وحسنه الألباني)، وقال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69).

إذن التغيير مِن الأمور الممكنة، ولكنه يحتاج إلى مجاهدة النفس على ذلك، فنستطيع في رمضان أن نتخلص مِن الغيبة، والنميمة، والغش، والكذب، والتدخين، والغضب والانفعال، ومِن كل ما يغضب الله -عز وجل- مِن الأقوال والأفعال والعادات.

وقد علَّمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أننا إذا صمنا أن نحافِظ على أخلاقنا، ولا نبادر بالاستجابة لنزغات الشياطين بيننا؛ حتى وإن بدرت مِن الآخرين نحونا إساءة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) (متفق عليه)، وقال: (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فعلينا أن نري الله -تعالى- مِن أنفسنا خيرًا، فإن الشقي مَن حرم في رمضان رحمة الله ومغفرته.

والله المستعان.