عصام زهران - عاداتهم عبادات! - بوابة الفتح الالكترونية
عصام زهران
2018-06-12 18:17:44

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ، افْتَتَحَ بِـ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: (يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟) فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: (حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله الترمذي بسندٍ صحيح).

في هذا الحديث سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل عن سرِّ لزومه سورة الإخلاص في كل ركعة؛ فكانت الإجابة رائعة: "إِنِّي أُحِبُّهَا!"، تأمل لو كانت إجابة الرجل: إني لا أحفظ غيرها!

فاز بالجنة مِن جهةٍ لا تخطر ببالٍ، ونيته تجاوزت همم الجبال، فالأكياس عاداتهم عبادات، والحمقى عباداتهم عادات، قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني).

- التركيز في الهدف يجعلك تختصر الكثير مِن الوقت والجهد لإتمام غايتك، والتخلص مِن الأفكار التافهة يجعلك تنجز هدفك الذي تحلم به بأسرع وقت.

- وقصدي هناك لا هنا... ربما كانت طريقة صاحبنا -رضي الله عنه- غريبة وتثير التساؤل والتعجب! لكنه لم يفعل ذلك ليثر انتباه أصحابه، ولا ليظهر إخلاصه في حبه لسورة الإخلاص؛ قمة الإخلاص وسكونه الذي حيّر أهل الإخلاص؛ فينبغي علينا أن لا نحدث ضجيجًا في عباداتنا؛ لسان الواحد منا "أنا هنا!".

- فعلها -رضي الله عنه- عن علمٍ، كان -صلى الله عليه وسلم- أحيانًا يجمع في الركعة الواحدة بيْن السورتين أو أكثر.

- أهل التميز، أسلوبهم بديع، إذا شرعوا في أمر لا يتراجعون: "مَا أَنَا بِتَارِكِهَا"، على ثقةٍ مِن أمرهم، لهم رأي ثاقب واضح: "وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ"، وإنْ خالفهم الناس (وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ) (رواه البخاري)، وهكذا أهل التميز في كل عصر.

- القلب محل النظر: إن الدين القائم بالقلب هو الأصل، وأن الأعمال الظاهرة هي الفروع، وأنه إذا لم تكن أعمال فإن ذلك دليل على خلو القلب مِن الإيمان، وتأمل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كانَ مَنْ شَهِدَها فَكَرِهَها كَمَنْ غابَ عَنْها، ومَنْ غابَ عَنْها فَرْضِيَها كانَ كَمَنْ شَهِدَها) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، سبحان الله! غائبٌ عن ساحة الجريمة، لكنه أول المتهمين واسمه في سجل المذنبين، وآخر حضر الجريمة بنفسه ورآها بعينه ومع ذلك يأتي الحكم له بالبراءة! والسبب في ذلك كله القلب الذي أنكر فسلِم، أو رضي فأثم!

وإن للقلب كسبًا ككسب الجوارح وعملًا كعملها، والله -سبحانه- أخبر أنه يؤاخذ على كسب القلب ثوابًا وعقابًا، فقال -سبحانه-: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة:225).

أسأل الله أن يرزقني وإياكم الإخلاص.