د. علاء بكر - الذكرى السبعون لحرب فلسطين 1948م - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2018-07-08 17:44:43

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحرب فلسطين 1948م هي أول حرب خاضتها الجيوش العربية النظامية ضد اليهود في فلسطين؛ بدأت بدخول جيوش 6 دول عربية لفلسطين مِن المملكة المصرية، والمملكة الأردنية، والمملكة العراقية، والمملكة السعودية؛ بالإضافة إلى سوريا، ولبنان، ومعهم متطوعون فلسطينيون وعرب، وذلك في النصف الثاني مِن شهر مايو 1948م، وانتهى القتال في 7 يناير 1949م.

وتخلل القتال ثلاث هدنات، وانتهت الحرب رسميًّا بتوقيع اتفاقات الهدنة الدائمة بيْن دول المواجهة الأربع: "مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان" وبيْن إسرائيل في الفترة مِن 24 فبراير إلى 20 يوليو 1949م، والتي تضمنت موافقة الدول العربية المجاورة لإسرائيل التي شاركت في الحرب على تحديد خطوط هدنة رسمية (الخط الأخضر) تفصل بينها وبيْن إسرائيل؛ سيطرت مِن خلالها إسرائيل على أراضٍ فلسطينية كانت ممنوحة في قرار التقسيم للدولة العربية في فلسطين؛ إذ أصبح لدولة إسرائيل نحو 78% مِن إجمالي أراضي فلسطين، بينما احتفظت مصر بالسيطرة على قطاع غزة والإشراف عليه، واحتفظت مملكة الأردن بالسيطرة على القدس والضفة الغربية لنهر الأردن، وظل الوضع على هذه الحدود حتى وقوع حرب يونيو 1967م.

كيفية بدأت الحرب:

بدأ التفكير في دخول الجيوش العربية فلسطين عقب صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (181) في نوفمبر 1947م بتقسيم فلسطين إلى دولتين: "إحداهما عربية، وأخرى يهودية"، وإعلان بريطانيا عن اعتزامها إنهاء انتدابها في 14 مايو 1948م؛ خاصة بعد إعلان اليهود بالفعل عن قيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948م.

وكان غرض الدول العربية مِن دخول الحرب: منع تقسيم فلسطين، ومنع قيام دولة إسرائيل.

وكان هدف اليهود: السيطرة على الأراضي التي خصصت لليهود بموجب قرار التقسيم.

إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين:

أعلنت إنجلترا بعد صدور قرار التقسيم عن نيتها في إنهاء الانتداب على فلسطين في 14 مايو 1948م، وبدأت العصابات الصهيونية -بالتنسيق مع السلطات البريطانية- في الترتيب لما بعد انتهاء الانتداب، فقامت العصابات الصهيونية عن طريق القوة العسكرية -في مواجهة الفلسطينيين العزل- بالسيطرة على معظم المناطق المقررة للدولة اليهودية المقترحة في قرار التقسيم، والاستيلاء على ميناء (حيفا) ومطار اللد، والتحكم في المحاور الرئيسية ومداخل المدن والكباري والمناطق الإستراتيجية والمرافق الحيوية في فلسطين، وفي يوم 14-5-1948م غادر المندوب السامي لبريطاني ميناء حيفا بعد تركه لليهود؛ فأعلن (بن جوريون) رئيس الوكالة اليهودية في 15-5-1948م عن قيام دولة إسرائيل.

حجم القوات العربية في الحرب:

كانت القوات المصرية أكثر القوات العربية عددًا؛ إذ بلغت 10 آلاف جندي، يليها القوات الأردنية، إذ بلغت 5و4 ألف جندي، وشاركت العراق بـ5و2 ألف جندي، أرسلوا إلى شرق الأردن في 29 أبريل 1948م، وشاركت سوريا ب 1876 جنديا، وشاركت لبنان ب 900 جنديا، وشاركت السعودية بنحو 3200 جنديا أرسلوا إلى غزة. هذا بالإضافة إلى قوات جيش الإنقاذ وجيش الجهاد المقدس.

جيش الإنقاذ وجيش الجهاد المقدس:

كانت الجامعة العربية قد شكَّلت لجنة عسكرية فنية للنظر في المتطلبات الدفاعية للفلسطينيين، في سبتمبر 1947م، فأكدت اللجنة في تقريرها على قوة العصابات الصهيونية في فلسطين، وأكدت أنه ليس للفلسطينيين قوة بشرية أو تنظيمية أو سلاح أو ذخيرة تعادل أو تقارب القوة الصهيونية، وحثت الجامعة العربية على تعبئة الدول العربية لكامل قوتها لمواجهة الصهاينة في فلسطين.

وقد حذر رئيس اللجنة بأنه مِن المستحيل التغلب على القوات الصهيونية بغير قواتٍ عربية نظامية، كما حذر مِن عدم قدرة الدول العربية وقتها على تحمل حرب طويلة، وبعد صدور قرار تقسيم فلسطين ورفض الجامعة العربية له، قررت الجامعة تكوين جيش -عُرف باسم جيش الإنقاذ- مِن 3000 متطوع، بينهم 500 فلسطيني، وخصصت الجامعة مليون جنيه للجنة الفنية العسكرية.

أما جيش الجهاد المقدس فيتكون مِن الأفراد المتطوعين الذين أعدهم المفتي "الحاج أمين الحسيني" أثناء توليه لرئاسة الهيئة العربية العليا ليكونوا النواة للجيش العربي الفلسطيني. ولم تتمكن هذه القوات مِن المشاركة الفعالة في الحرب حيث لم يسمح لها بالعمل بحريةٍ مِن داخل الجبهة الأردنية بدعوى وجوب خضوعهم لأشراف الأردن.

حجم القوات اليهودية:

كان لليهود في فلسطين قبْل إعلان قيام دولة إسرائيل منظمات مسلحة تقوم بالدفاع عن المستعمرات اليهودية وحمايتها، إلى جانب القيام بعملياتٍ عسكرية إرهابية ومجازر ضد العرب الفلسطينيين، لبث الرعب والفزع في قلوبهم، وإرغامهم -مع الترغيب تارة والترهيب تارة- على ترك قراهم وبيوتهم وأراضيهم ليستولي عليها اليهود.

ومِن أشهر هذه المنظمات: منظمة (أراجون) الإرهابية، التي أسسها (ديفيد رازيال شتيرن) عام 1935م، ثم انشق شتيرن عنها، وأسس منظمة جديدة باسم (منظمة شتيرن)، والتي كان مِن أبرز قياداتها: (مناحم بيجن) و(إسحاق شامير)، وكانت هذه القيادات الإرهابية تطاردها السلطات البريطانية في فلسطين لنشاطها الإجرامي الإرهابي ضد الفلسطينيين، بل والسلطات البريطانية، وهي القيادات التي وصلت إلى دفة الحكم في إسرائيل بعد ذلك.

كما كانت هناك قوات (الهاجانا)، والتي بلغ عددها في ربيع عام 1947م نحو 45 ألف فرد، وعقب صدور قرار التقسيم بدأت التعبئة اليهودية في فلسطين فانضم إلى قوات الهاجانا في الفترة مِن إعلان قرار التقسيم إلى إعلان قيام دولة إسرائيل نحو 30 ألف مجند مِن يهود فلسطين، ونحو 20 ألف متطوع مِن يهود أوروبا، ومع إعلان الحرب تم رفع سن التجنيد بيْن يهود فلسطين إلى 35 سنة؛ مما أضاف نحو 12 ألف مجند، كما كان هناك أيضًا الفيلق اليهودي الذي شارك القوات البريطانية في الحرب العالمية الثانية.

أحداث الحرب:

هاجمت القوات العربية المستعمرات والتجمعات الصهيونية، وكانت أهم الجبهات الجبهة الأردنية الموكل إليها الحفاظ على القدس والضفة العربية مِن الوقوع في يد اليهود، فعبر الجيش الأردني نهر الأردن في 16-5-1948م، واستولى على القدس القديمة، وتقدمت قواته حتى كادت تلحق بالقوات المصرية المتوجهة صوب تل أبيب، وقد خاضت القوات الأردنية ثلاث معارك كبيرة: معركة باب الواد، ومعركة اللطرون، ومعركة جنين، وقد تكبد فيها الإسرائيليون خسائر كبيرة في القتلى، خاصة في معركة باب الواد.

بلغت القوات الأردنية ثلاثة ألوية، ومع مضي الحرب شارك لواء رابع؛ بالإضافة إلى عدة كتائب مشاة، وكان هناك 50 ضابطًا بريطانيًّا يخدم في الجيش الأردني، وكان الجيش الأردني على درجةٍ عاليةٍ مِن التدريب، بل أفضل الجيوش العربية مِن الناحية التكتيكية، بينما عانت باقي الجيوش العربية مِن ضعفٍ في المناورات التكتيكية، وفي اتخاذ القرارات الحاسمة على المستوى الإستراتيجي.

وكان القائد العام للقوات الأردنية في المعارك الجنرال (فريق أول) الإنجليزي (جلوب)، وقد استطاع الجيش الأردني الحفاظ على القدس والضفة الغربية كاملة حتى انتهاء الحرب، وكبَّد اليهود خسائر كبيرة في الأرواح، خاصة في بداية الحرب.

وعلى الجبهة الشمالية استولت القوات النظامية اللبنانية على قريتين: (المالكية) و(قدس) على جنوب الحدود اللبنانية، ودخلت القوات السورية إلى فلسطين عبْر الجولان، واستولت على منطقة (مشمار هايرون).

وقامت القوات العراقية بتحرير مدينة (جنين) وطرد العصابات اليهودية منها بعد معارك شرسة، كما خاضت معارك هجومية عديدة، منها: معركة القصر، ومعركة خربة وادي عارة، وغيرها في مناطق أخرى، وقد سلمت القوات العراقية المناطق التي كانت تدافع عنها للقوات الأردنية بعد وقف إطلاق النار.

وقد حاصرت القوات العراقية -ومعها بعض القوات الفلسطينية- مدينة (حيفا)، وكانت على وشك تحريرها، ولكنها توقفت عن التقدم فجأة بسبب رفض القيادة السياسية في بغداد إعطاء الأوامر باستكمال الزحف وتحرير المزيد مِن الأرض؛ مما سبب ارتباكًا في صفوف القوات العربية.

وكانت القوات المصرية أكبر الجيوش العربية وأقواها، لكنها عانت مِن مشاكل في العتاد والتنظيم، ونجحت في اختراق حدود فلسطين الجنوبية، والسيطرة على قطاع غزة، وتقدمت حتى صارت على بعد نحو 70 كم مِن تل أبيب عاصمة الدولة اليهودية.

ومِن أشهر معارك القوات المصرية في حرب 1948م معركة (الفالوجا) في صحراء النقب، التي أبلى فيها الجيش المصري بلاءً حسنًا، ولكن قواته في الفالوجا حوصرت في نهاية المطاف مِن قِبَل العصابات اليهودية، وكان جمال عبد الناصر مِن الضباط المحاصرين في الفالوجا، فكانت هزيمة حرب فلسطين مِن أسباب القيام بالانقلاب العسكري في مصر ضد الملك فاروق في يوليو 1952م، وقد شهدت حرب فلسطين مشاركة متطوعين مِن شباب الإخوان المسلمين مِن مصر وخارجها في كتائب بقيادة أحمد عبد العزيز، أبلت في الحرب بلاءً حسنًا.  

الهدنة الأولى:

سارعت إسرائيل والدول الغربية إلى مجلس الأمن؛ للتدخل لإيقاف الهزيمة المتوقعة لإسرائيل، فعقدت جلس طارئة لمجلس الأمن في 22-5-1948م بجهودٍ أمريكية، وتقرر فرض هدنة في 29-5-1948م، وهي الهدنة التي دخلت في التنفيذ الفعلي في 11-6-1948م.

فرضت الهدنة وقف إطلاق النار على الجيوش النظامية لمدة أربعة أسابيع مِن 10 يونيو 1948م، مع:

- فرض حظر تزويد أي طرفٍ مِن أطراف الصراع بالأسلحة.

- منع إرسال أي عددٍ جديدٍ مِن القوات لجبهات القتال.

- منع القيام بأي تحركات في مناطق العمليات طوال الهدنة.

- تكليف (الكونت برنادوت) بالنظر في الصراع القائم بيْن العرب واليهود، واقتراح كيفية إنهائه.

عدم التزام إسرائيل بالهدنة:

لم تلتزم إسرائيل ببنود الهدنة، بل سارعت بتعويض خسائرها، وانهالت عليها الأسلحة المتطورة بصورةٍ كبيرة، وتم تزويدها بطائرات، كما تطوع الكثير مِن يهود أوروبا بالذهاب إلى جبهات القتال، وقامت إسرائيل بخرق الهدنة والتوسع في الأراضي التي تحتلها، وزحفت قوات إسرائيلية مِن القطاع الشمالي إلى الجنوب لكسب أراضٍ جديدة؛ لإضعاف القوات المصرية في الجبهة الجنوبية.

استئناف القتال:

مع فشل مهمة الكونت برنادوت في إيجاد حلٍّ للصراع بتقديم اقتراحات مقبولة مِن الطرفين، ورفض إسرائيل مساعي الأمم المتحدة لتمديد الهدنة، استأنف القتال على كل الجبهات في 8 يوليو 1948م، وقد تغير موقف القوات اليهودية في القتال بما توفر لها مِن أعداد وعتاد؛ فأصبح لها اليد العليا في القتال، واستطاعت وقف تقدم القوات الأردنية والسورية والمصرية، ونتيجة لانسحاب القوات الأردنية مِن منطقتي اللد والرملة، وانسحاب القوات العراقية المشاركة معها مِن مدينة (رأس العين)؛ بدأت كفة ميزان القوى تميل لصالح اليهود، الذين نجحوا أيضًا في الالتفاف حول الجيش السوري والجيش اللبناني؛ مما ترتب عليه تدهور موقف الجيوش العربية في القتال، وفرضت القوات اليهودية سيطرتها على مساحاتٍ واسعةٍ مِن الأراضي الفلسطينية، وتوالت الهزائم على الجيوش العربية.

الهدنة الثانية:

قرر مجلس الأمن بناءً على طلبٍ مِن (الكونت برنادوت) وقف القتال، وقبلت الجامعة العربية القرار إنقاذًا للموقف، وأعلنت الهدنة الثانية في 19-7-1948م، وتوقف القتال مِن جديدٍ في 21 يوليو 1948م، وكان قبول هذه الهدنة الجديدة بمثابة قبول للهزيمة التي وقعت.

التحرك اليهودي خلال الهدنة الثانية:

مِن جديدٍ استغلت العصابات الصهيونية الهدنة في التوسع، فتقدمت إلى اللد والرملة وبئر سبع، ومنها إلى صحراء النقب، فقرية أم الرشراش المصرية (ميناء إيلات حاليًا)، وبسقوط صحراء النقب انقطع الاتصال بيْن الجيوش العربية، مما مكَّن القوات اليهودية في الالتفاف حول الجيش المصري، ومِن ثَمَّ حصاره في الفالوجا لمدة 130 يومًا مِن أكتوبر 1948م حتى 24-2-1949م، كما قامت القوات اليهودية بطرد مئات الآلاف مِن الفلسطينيين مِن أراضيهم بالقوة، وقامت خلال ذلك بعدة مذابح: منها مذبحة في مدينة اللد يوم 27-7-1948م، قتل فيها 250 فلسطينيًّا غير الجرحى! تلتها مذبحة أخرى قُتل فيها 350 فلسطينيًّا.

وفي 30-10-1948م قامتْ كتيبة يهودية بقيادة (موشى ديان) بمذبحة في قرية (الدواجنة) قُتل فيها 96 فلسطينيًّا، ووقعت مذابح أخرى في نفس اليوم في (عليون)، إلى جانب غيرها مِن المذابح العلنية وغير العلنية، وقد انتهت المناوشات العسكرية بيْن الأطراف المتحاربة في 7 يناير 1949م بعد استيلاء إسرائيل على معظم النقب، وتطويق القوات المصرية المرابطة في الفالوجا، وبدلًا مِن 5و56% مِن أرض فلسطين التي اقترحها قرار التقسيم للدولة اليهودية استولى اليهود مِن خلال حرب فلسطين وتدخل الجيوش العربية على نحو 78% مِن أرض فلسطين! ووصل عدد النازحين مِن فلسطين مع الحرب إلى 726 ألف لاجئٍ فلسطيني بنهاية عام 1948م، ثم أصبح العدد 925 ألف لاجئ فلسطيني على سجلات وكالة (أونروا)!

الهدنة الثالثة:

في 16-9-1948م وضع (الكونت برنادوت) تقريره الذي رفضه اليهود، وقام بعض أعضاء منظمة (شتيرن) الصهيونية باغتياله في القدس في 17-9-1949م، أي في اليوم التالي لتقريره! وقد اعترف اليهود بعد ذلك بسنواتٍ طويلةٍ بقتل (برنادوت).

وقام مجلس الأمن بتعيين وسيطٍ جديدٍ، الأمريكي (بانش) الذي قام بوضع هدنةٍ جديدةٍ بعد خرق اليهود للهدنة الثانية، وصدر قرار في 19-10-1948م بوقف القتال، والدخول في مفاوضات.

مفاوضات جزيرة رودس:

بدأت المفاوضات بيْن الدول العربية التي لها حدود مع إسرائيل -كل على حدة- مِن جانبٍ، وبيْن إسرائيل مِن جانبٍ آخر في جزيرة رودس اليونانية بوساطةٍ مِن الأمم المتحدة، أسفرت عن توقيع أربع اتفاقيات هدنة: فعقدت مصر في 24-2-1949م اتفاقية تقضي بهدنةٍ دائمةٍ مع إسرائيل، مع بقاء الوضع على ما هو عليه، فتكون صحراء النقب ومدينة بئر سبع تحت السيطرة اليهودية، ويكون قطاع غزة تحت الحكم المصري، والسماح بعودة الجنود المصريين بسلاحهم إلى وطنهم.

وفي 23-3-1949م عقدت اتفاقية مماثلة مع لبنان، أعقبتها اتفاقية مع الأردن في أبريل 1949م شاملة أيضًا للمنطقة التي تشغلها القوات العراقية، وإن كانت العراق لم توقع على الاتفاق، تلتها اتفاقية مع سوريا في 20-7-1949م.

أهم أسباب الهزيمة في حرب فلسطين:

1- قبول الجيوش العربية للهدنة الأولى، فتوقف استكمال الانتصارات التي حققتها هذه الجيوش في بداية الحرب، وفي الوقت الذي التزمت فيه الجيوش العربية ببنود الهدنة، وامتنعت فيه عن زيادة قواتها أو تعويض خسائرها، بل فُرض عليها حظر تسليح؛ لم يلتزم اليهود ببنود الهدنة، فانهالت عليهم الأسلحة المتنوعة والذخائر لتعويض ما فقد في الحرب، بما فيها الطائرات، كما تدفقت عليهم أعداد مِن المتطوعين مِن دول أوروبا؛ مما رجح كفة اليهود بصورةٍ ملحوظةٍ بعد استئناف القتال مِن جديدٍ.

كتب الفريق الركن (صالح صائب الجبوري) رئيس أركان الجيش العراقي -بعد أربعة أيام مِن الهدنة الأولى- في تقرير له إلى حكومته يوضح حقيقة الموقف ويكشف أبعاد المناورة التي وراء وقف الهدنة: "إن الموقف مِن الوجهة العسكرية كان في صالح القوات العربية عند إعلان الهدنة التي تمتْ، ولا شك مِن جراء تأثيرات سياسية، وأعتقد بأنه لو بذلت جهود أخرى على الحكومات العربية لكان مِن الإمكان تضييق الخناق على الصهاينة ومراكزهم الحيوية، ولكان في الإمكان أيضًا إنهاء الحركات بعد فترة غير طويلة... وهنا لابد مِن التنويه إلى ناحية مهمة، وهي: أن الصهيونيين إذا أكملوا استحضاراتهم خلال فترة الهدنة، وهذا أمر غير عسير عليهم؛ فلا يُستبعد أن يباغتوا الجيوش العربية كلها أو قسم منها على انفرادٍ بحركةٍ قويةٍ قبْل انقضاء مدة الهدنة أو حال انتهائها مباشرة، خاصة ولدينا المعلومات التي تبين أنهم لم يحترموا شروط الهدنة، وقد عملوا خلافا لتحديداتها".

وكتب أيضًا يقول: "إن كل يوم يمضي مِن أيام الهدنة دون أن ننجز عملًا أو ننهي ما يقتضي لاستئناف القتال أمر في غير صالح الحكومات العربية وقواتها المقاتلة في فلسطين، ولا أريد أن أتطرق إلى العواقب الوخيمة التي ستأتي مِن جراء خسارتنا القتال في الميدان؛ لأن ذلك أمر واضح لا يحتاج إلى دليل، ولا شك أنه سيجلب وبالًا على البلاد العربية بأكملها لا سمح الله" (راجع في ذلك، تاريخ المسألة الفلسطينية، تأليف: فيصل أبو خضرا، ص180-181).

2- عدم الاستعداد الجاد للجيوش العربية للمعركة، وفقد التنظيم والتنسيق الجيد فيما بينها، وعدم وجود إستراتيجية واضحة لدى الحكام العرب، وعدم وجود أجهزة عسكرية ومخابراتية قوية.

3- وقوع بعض الحكام العرب تحت الضغوط الغربية وتعاون بعضهم مع الغرب، وقعوا في ذلك نتيجة لأطماعٍ شخصية، أو نتيجة لعدم الإحاطة التامة بأبعاد الاعتبارات العسكرية على أرض المعركة.

لما بدأ ميزان القتال يميل لصالح القوات الصهيونية في أرض المعركة اجتمع رؤساء أركان الجيوش العربية في القاهرة، وتدارسوا الموقف العسكري العام، وحددوا أسباب سوء الموقف في 11 أغسطس 1948م، وقدَّموا توصياتهم إلى اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية التي كانت مجتمعة في ذلك الوقت، وكان مِن أهم هذه التوصيات: "وجوب ترك حرية العمل للعسكريين، وجعل الاعتبارات العسكرية في القتال فوق جميع الاعتبارات، وحصر جهود الحكومات العربية ومساعيها في تأمين احتياجات الجيوش وتلبية مطالبها، وبعبارة أخرى: تعبئة جميع القوى وتسخيره للمجهود الحربي" (المصدر السابق).

 4- تمتعت العصابات الصهيونية بتجهيزاتٍ عسكريةٍ جيدةٍ، وأعدادٍ كبيرةٍ مدربةٍ، لها خبرة عسكرية أفضل مِن القوات العربية، حيث كانت قوات الهاجانا ذات أعدادٍ كبيرةٍ مدربةٍ على السلاح، وكان هناك الفيلق اليهودي الذي شارك القوات البريطانية في الحرب العالمية الثانية معه أسلحته وعدته!

لقد كانت المستعمرات اليهودية في فلسطين قلاعًا عسكرية حصينة؛ إذ كان يغلب عليها النمط العسكري بما فيها مِن مخازن للسلاح وذخائر، وما فيها مِن أبراج مراقبة وأجهزة إنذار، وأفراد مدربين للحراسة والدفاع، وقد تزود اليهود بأسلحةٍ ومعدات إنجليزية استعدادًا لحربٍ كانوا يعلمون أنها ستقع لا محالة مع العرب والفلسطينيين.

وكان وراء هذا الاستعداد والتجهيز: الدعم المادي والمعنوي مِن جانب الدول الغربية الاستعمارية؛ خاصة بريطانيا طوال الانتداب على فلسطين وأمريكا.

5- امتناع القوات العراقية عن دخول حيفا بعد حصارها بأوامر مِن بغداد، وقصر القوات الأردنية لعملياتها العسكرية على الأراضي الفلسطينية المقترحة للدولة العربية في قرار التقسيم، وانسحاب القوات الأردنية مِن مناطق مؤثرة (قيل: بحجة نقص الذخيرة)، وتسبب (جلوب باشا) القائد العسكري البريطاني للقوات الأردنية في تشتيت وحدة الجيوش العربية، ثم تمكين العصابات الصهيونية مِن اللد والرملة.

جلوب باشا:

هو اللفتنانت جنرال (سيرجون باجوت جلوب)، قائد عسكري بريطاني، وُلد عام 1897م، تخرج مِن كلية (وولتش) العسكرية عام 1914م، اشترك في الحرب العالمية الأولى في الميدان الفرنسي، ثم خدم في جيش الاحتلال الإنجليزي في العراق عام 1920م، والتحق في عام 1926م بقوات الصحراء المحاربة للقبائل البدوية، واختير في عام 1939م رئيسًا لأركان حرب الجيش الأردني (الفيلق العربي)، حيث أقام علاقات واسعة في الأردن مع البدو الذين كانوا عماد الفيلق العربي.

ظل (جلوب باشا) في موقعه بالجيش الأردني إلى ما بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، واضطر الملك حسين -ملك الأردن- إلى الاستغناء عن خدماته عام 1957م تحت ضغط الحركة الوطنية، وكان لجلوب باشا توجهات استشراقية معادية للإسلام، حيث قام بتأليف عددٍ مِن الكتب التي تظهر عداءه للإسلام، ومحاولة تشويه التاريخ الإسلامي والطعن فيه، بدءًا مِن شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- مرورًا بالخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم-، مع التهوين مِن شأن الفتوحات الإسلامية مِن الناحية العسكرية.

ومِن مؤلفاته في ذلك: "الفتوحات العربية الكبرى - الإمبراطورية العربية - جندي مع العرب - بريطانيا والعرب - الحرب في الصحراء - قصة الفيلق العربي". وتوفي في عام 1986م. (راجع في ذلك: "الفتوحات العربية في ميزان الإسلام والتاريخ"، تأليف: لواء أركان حرب بهاء الدين حنفي، هدية مجلة الأزهر، ربيع الآخر، عام 1435هـ).

6- استخدام الجيش المصري لأسلحةٍ فاسدةٍ أثناء الحرب، هي مِن مخلفات الحرب العالمية الثانية، تم جلبها عن طريق سماسرة سلاح مِن خلال لجنة لشراء السلاح ليس عليها قيود؛ فاشترت أسلحة غير جيدة مِن مخازن سلاح إيطالية مِن مخلفات الحرب العالمية الثانية، كانت مِن أسباب هزيمة الجيش المصري في الحرب، ونقمة ضباطه على الملك فاروق، والإطاحة به في يوليو 1952م.