نصر رمضان - فمُعتِقُها أو مُوبِقُها! - بوابة الفتح الالكترونية
نصر رمضان
2018-07-12 17:34:26

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الناس في مسيرهم إلى الله ينقسمون إلى قسمين، لا ثالث لهما: إما غادٍ لإيباق نفسه، وإما غادٍ لإعتاق نفسه، قال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ؛ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا) (رواه مسلم).

قال النووي: "كلُّ إنسان يسعى بنفسه، فمنهم مَن يبيعها لله -تعالى- بطاعته؛ فيعتقها مِن العذاب، ومنهم مَن يبيعها للشيطان والهوى؛ باتباعهما فيوبقها، أي: يهلكها".

وقال ابن رجب: "دلّ الحديث على أن كل إنسان؛ إما ساعٍ في هلاك نفسه، أو فكاكها، فمَن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله وأعتقها مِن عذابه، ومَن سعى في معصية الله -تعالى- باع نفسه بالهوان وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه".

قال أبو بكر بن عيَّاش: "قال لي رجل مرَّة وأنا شاب: خلِّص رقبتك ما استطعت في الدنيا مِن رقِّ الآخرة، فإنَّ أسير الآخرة غير مفكوك أبدًا، فوالله ما نسيتها بعدُ"، وقال الحسن: "المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله -عزَّ وجل-"، وقال: "ابن آدم، إنَّك تغدو وتروح في طلب الأرباح، فليكن همك نفسك؛ فإنك لن تربح مثلها أبدًا!"، وقال ابن الحنفية: "إنَّ الله جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعوها بغيرها"، وقال: "مَن كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر".

لما اجتمع الأنصار بالنبي -صلى الله عليه وسلم- عند (العقبة) قال له عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت؛ فقال -صلّى الله عليه وسلم-: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"، قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة"، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل؛ فنزلت: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111).

فمَن بايع على هذا، وأمضى عقد الصفقة، وارتضى الثمن ووفى؛ فهو مِن المؤمنين الذين رأوا أن مِن أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في أبدٍ لا يزول ولا ينفذ، بصبابة عيش إنما هو كأضغاث أحلام، أو كطيفٍ زار في المنام، مشوب بالنغص، ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلًا أبكى كثيرًا، وإن سر يومًا أحزن شهورًا؛ آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف مسراته!

فيا عجبًا مِن سفيه في صورة حليم، ومعتوه في مسلاخ عاقل؛ آثر الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي النفيس، وباع جنة عرضها السموات والأرض بسجنٍ ضيقٍ بيْن أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري مِن تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكارًا أعرابًا أترابًا كأنهن الياقوت والمرجان بقذرات دنسات، سيئات الأخلاق، وأنهارًا مِن خمر لذة للشاربين بشراب نجس؛ مُذهب للعقل، مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع الخطاب مِن الرحمن بسماع المعازف والغناء!

وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبيَّن سفه بائعه يوم الحسر والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدًا، وسيق المجرمون إلى جهنم وردًا.