د. ياسر برهامي - (تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ) - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2018-07-14 17:21:05

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أخطر الأمراض الاجتماعية وأسوأ الصفات الخلقية في أي تجمعٍ بشريٍ -ابتداءً مِن الأسرة إلى الجماعة إلى المجتمع والدولة-: أن ينشغل الإنسان بتقصير غيره، والنظر في عيوبه، وأنه شماعة كل المصائب، في نفس الوقت الذي ينسى ما عليه هو مِن واجباتٍ، ويمتنع عن أداء الحقوق، كما يغفل عن أن تدبير الأمور ليستْ مِن الناس؛ بل الله وحده هو الذي يدبر الأمر بعَدْلِه وعِلمه وحِكمته، بما في ذلك تولية الناس بعضهم بعضًا وتسليط بعضهم على بعض (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام:129)؛ فإن أراد الناس عَدْلَ عُمَر فليكونوا كالصحابة من رَعِيَّتِه؛ فـ(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس:44).

وعلى عكس هذا المرض الاجتماعي مِن تحميل الآخرين المسئولية، مع الطعن والسب والشتم، ونسيان الواجب على النفس؛ جاء التوجيه النبوي العظيم الذي إذا أُعْطِي حقه مِن النظر صار منهاجًا للحياة -حياة المسلم مع كل مَن حوله-؛ روى البُخَارِيّ ومُسْلِم -واللفظ له- عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟، قَالَ: (تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ).

والأَثَرَةُ: الانفراد بالشيء والاستئثار به عمَن له فيه حق، وذلك -عند جمهور أهل العلم- في الحُكّام والولاة الذين يستأثرون بأموال المسلمين ويصرفونها حسب أهوائهم ويمنعون المسلمين حقهم.

فأما الأمور المنكرة: فهي تشمل كل ما أُحْدِث مِن منكرات، في العقائد والعبادات والمعاملات، والظلم وسفك الدماء، والبغي والصراع على الملك والرياسة، والفتن التي وقعتْ بيْن المسلمين والاقتتال بينهم، ومَن قَرَأ التاريخ وَجَد مِن ذلك كمًّا هائلًا لا يُتَصَوَّرُ مع قرب العهد بزمن النُّبُوَّة، حتى أدرك ذلك الصحابة المخاطبون؛ فضلًا عما بَعُد عن هذا العهد.

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "وعن محمد بن إسماعيل قال: رأيتُ سعيد بن جبير وعطاء، وأَخَّرَ الوليدُ الجمعةَ والعصرَ؛ فصَلّاهُما جميعًا، قال: فأومئا إيماءً، ثم صَلَّيَا معه بمنىً. وبإسناده: عن حميدٍ، أن الوليد بن عبد الملك خرج بمنىً بعد العصر، فخطب حتى صارت الشمس على رؤوس الجبال، فنزل فصلى الظهر، ثم صلى العصر، ثم صلى المغرب"، وقال: "وبإسناده: عن عبد الله بن أبي زكريا، أنه كان يجمع مع الوليد بن عبد الملك ما صَلَّى الوليدُ في وقت الظهرِ الجمعة، ويعتد بها جمعةً، فإن أَخَّرَها عن وقت الظهر صَلَّى الظهرَ في آخر وقت الظهرِ أربعًا إيماءً، ثم صَلَّى الجمعةَ معه وجعلها تطوعًا، فإن أَخَّرَ العصرَ حتى يخرج وقتُها صَلَّاها في آخرِ وقتِها إيماءً" (فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن رجب، 8/ 186)؛ وهذا في أعظم أمرٍ مِن أمور المسلمين بعد التوحيد: "الصلاة"، فما الظنُّ بالمنكرات أكثر مِن ذلك، وبعد ذلك؟!    

فواللهِ ما تَسَلَّطَ العَدُوُّ على المسلمين وبلادِهم إلا بما كسبت أيديهم "سنة الله في خلقه": (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء:4-8).

والحديث قد بَيَّن لنا خطة العمل الواجبة في الأَثَرةِ والمُنْكَرَاتِ فقال: (تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ) وإن قَصَرَهُ كثيرٌ من الشُرَّاحِ على السمعِ والطاعةِ لوُلَاةِ أمور المسلمين وإن جَارُوا إلا أن لفظَه ومعناه أوسع مِن ذلك بكثيرٍ.

فإن مِن الذي علينا: إصلاح أنفسنا وبيوتنا، وأبنائنا وبناتنا وزوجاتنا، حسب الجهد والطاقة؛ بدلًا مما نراه في واقعنا أن الأب يلقي مسئولية الفساد على الأم، والأم تلقيها على الأب، وهما يلقيانها على الأولاد، والأولاد يرونهما في غيبوبة الماضي قد قَصَّرَا أشد التقصير في حقهم!

وإنه مِن الذي علينا: أن نُحسِن إلى جيراننا وقرابتنا، بدلًا مِن إلقاء اللوم -بل العداوة- والبغضاء بيْن الأطراف كلها.

ومما علينا: النصح للمسلمين، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حكامًا ومحكومين، ومحاربة الفساد المالي والخلقي والسلوكي والعقائدي.

وإن مِن الذي علينا: أن نحافظ على سلامةِ دين المجتمع، وأَنْفُسِ أفرادِه ودمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، ومقاومة مناهج الانحراف الذي يريد الأعداء أن يغيروا به هوية المجتمع الإسلامي للتغريب والتدمير والتكفير، والخروج عن منهج السلف الصالح -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم-.

وإن مما علينا لمجتمعنا وجماعتنا وطائفتنا وحزبنا: السعي في إصلاح الأجيال القادمة فكريًّا وعقائديًّا وعباديًّا وسلوكيًّا؛ تعريفًا لهم بالمنهج الإصلاحي الواجب اتّباعه حتى لا تأخذهم العواطف الجاهلة بعيدًا عن الطريق الواجب.

كما أن مِن الذي علينا: أن نسعى إلى إخراج الكفاءات في جميع المجالات -دينيًّا ودنيويًّا-، وعدم كَبْتِها استئثارًا بالمال والجاه والمنزلة، وحب التصرف المنفرد المعروف بالديكتاتورية؛ فإن التربية على معاني الشورى الصادقة الصحيحة لهي مِن أعظم أسباب صلاح المجتمع، قال الله -تعالى-: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (الشورى:38).

إننا إذا أصلحنا أصلَح الله أحوالَنا؛ فكان هذا -عند ذلك- حقًا لنا نسأله مِن الله الحكيم العليم القدير العدل؛ فيستجيب لنا، ويرقق ويلين قلوب الخلق، ويقلبها لخيرنا في الدنيا والآخرة؛ وهذا أعظم نفعًا وأثرًا مِن قضاء العمر في الشتم والسخرية والطعن، وتضييع الأوقات في نشر الكراهية والصراع بيْن طبقات المجتمع، وحسبنا الله ونعم الوكيل.