م. سامح محمد بسيوني - أين الأثر؟! - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أخي الحبيب: هب (أني - أنك) متنا الآن!

والموت ليس عنا ببعيد، فها هو يأخذ منا كل يوم حبيب، والله -عز وجل- يقول: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس:12).

والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرَهُنَّ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مَنْ عَلَّمَ عِلْماً أَوْ أَجْرَى نَهْراً أوْ حَفَرَ بِئْراً أوْ غَرَسَ نَخْلاً أَوْ بَنَى مَسْجِداً أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفاً أَوْ تَرَكَ وَلَداً يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ(رواه البزار، وحسنه الألباني).

فأخبرني بالله عليك يا أخي: ما هي آثارنا بعد الموت؟

ماذا تركنا لمن بعدنا؟ ما هو الذي قدمناه في هذه الحياة مِن خير؟!

كم جاهلاً علّمنا؟ كم تائهًا أرشدنا؟

كم ضالًا هدينا؟ كم فقيرا كفينا؟

كم محتاجًا أعطينا؟ كم كلمةً طيبة غرسنا؟

كم حديثًا عن النبي بلّغنا؟

كم مرةٍ بين متخاصمين أصلحنا؟ في كم من أعمـال الخير ساهمنا؟

فإن أجبنا وقلنا: قليل... قليل.

فحسبي وحسبك قول الشاعر:

فكن في الطريق عفيف الخُطا           شـريـف السماع كـريم النظـر

وكـن رجـــــلًا إن أتـوا بـعــده            يـقــولــون: مـرّ وهــذا الأثـر

فمَن لا أثر له، لا حياة له!

وإن شئت فقل: لا وجود له، فإن أدركنا ذلك وعلمنا حقيقة آثارنا وقلة بذلنا؛ فلنلزم التضرع لربنا بدعاء الأنبياء من قبلنا: (وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) (الشعراء:84)، أي: "واجعل لي ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير" (تفسير ابن كثير).

"وهذا يتضمّن سؤال الدوام والختام على الكمال؛ لأن الثناء عليه يستدعي دعاء الناس له، والصلاة والتسليم جزاء على ما عرفوه مِن زكاء نفسه" (التحرير والتنوير)

فيا أنا، وأنت أنا: إن كنت ترغب أن تترك لك أثرًا عظيمًا؛ فكن صاحب نية صالحة، وقلب سليم، وهدف عظيم، وبذل كبير، وعزم أكيد، وهمة عالية، وأعمال دؤوبة متتابعة.

واجعل لك ثغرًا مناسبًا لقدراتك ومهاراتك تقف عليه، تكفي فيه أمتك، وتمنع بوقوفك على ذلك الثغر أسهم الأعداء الموجهة إليها.

يا صاحبي: ما أكثر ثغور الأمة وأقل حراسها، وما أعجب أحوالنا حيالها!

يا صاحبي: كلنا يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها؛ فكن ذا أثر.