د. علاء بكر - أوهام السلام مع إسرائيل - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2018-10-06 16:25:40

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد وصلت الأوضاع في المنطقة العربية بعد معاهدة السلام "المصرية - الإسرائيلية" أواخر السبعينيات، وبعد اتفاقيات السلام الفلسطينية الإسرائيلية في بداية التسعينيات، وبعد التطورات الأخيرة في المنطقة العربية، إلى مرحلة تجعل وضع إسرائيل هو الوضع الأفضل، الذي يمكنها مِن فرض شروطها وتصورها للسلام كما تريده هي -كما سنبينه-.

لقد أصبح العرب عامة "والفلسطينيون خاصة" في حالةٍ مِن الضعف لا يمكنهم معها -على أرض الواقع- أن يملوا تصورهم الحالي للسلام، على ما فيه مِن التنازلات والتفريط في الحقوق والأرض، بل لم يعد غريبًا أن يقال إن أي مباحثات مع إسرائيل أو مفاوضات ستكون غير مجدية، بل ستكون غطاءً لتحقيق المخطط الصهيوني في المنطقة، واستكمال الحلم الذي سعت -وتسعى إليه- الصهيونية العالمية، في غفلةٍ مِن أصحاب القضية الذين صاروا في تشتتٍ وتيه، فقدوا معه الحد الأدنى مِن الاتفاق على كيفية التعامل مع ما يُخطط لهم!

لقد قامتْ إسرائيل بعد أكثر مِن خمسين عامًا على إعلان قيامها مِن الاستيلاء والسيطرة على كل فلسطين التاريخية، بل وأعلنت القدس عاصمة أبدية لها! ولقد صادرت السلطات الإسرائيلية أكثر مِن نصف أراضي الضفة الغربية مصادرة كاملة، وحولتها إلى الملكية اليهودية، كما ضمت القطاع العربي مِن القدس الشرقية لها ضمًّا تامًّا، بقانون أصدره الكنيست الإسرائيلي في ديسمبر 1980 م، وهي بصدد تفريغه مِن بقية سكانه العرب، كي يتم تهويد القدس تهويدًا كاملًا "أرضًا وسكانًا"، كما أنها تقوم كذلك بتطويق القدس وجميع المدن العربية بعشرات المستوطنات اليهودية بهدف مد التواجد اليهودي مِن جهة، والتضييق على الفلسطينيين مِن جهة، وبالتالي دفعهم إلى النزوح مِن أراضيهم ومغادرة ديارهم.

إن إسرائيل تسعى حاليًا إلى تكريس الدولة اليهودية تكريسًا نهائيًّا في الواقع الجغرافي؛ لضمان أمنها، وتطورها السكاني، واستمرار الهجرة اليهودية إليها، وقد احتلت إسرائيل الجولان السورية، وأعلنت ضمها لدولة إسرائيلية، وقد زاد عدد اليهود في إسرائيل والأراضي المحتلة عن 3.5 مليون يهودي في التسعينيات مِن القرن العشرين.

ولقد طورت إسرائيل مِن قدراتها العسكرية تطورًا كبيرًا، بناءً على المساعدات الحربية والمالية الضخمة التي تقدمها لها حليفتها الاستراتيجية أمريكا، والأثرياء مِن رجال الأعمال اليهود وبيوت المال، واستطاعت إسرائيل أن تنهي حالة الحرب مع مصر والأردن، وأضعفت المقاومة الفلسطينية حتى كادت أن تصير خارج المعادلة.

وإسرائيل تعرف هدفها، وتضع كل ما لديها مِن قوةٍ عسكريةٍ، وقوةٍ سياسيةٍ، وقوةٍ إعلاميةٍ؛ لتحقيق هذا الهدف، وهو إقامة دولة إسرائيل الكبرى في المنطقة العربية (والشرق الأوسط)، كمرحلةٍ يعقبها السعي إلى سيطرة اليهود والصهيونية العالمية على العالم كله، كما دونه وصرح به كبار زعماء الصهيونية وإسرائيل على مدى العقود الطويلة الماضية.

ولتحقيق ذلك وفي مواجهة الشعب الفلسطيني:

 تسعى إسرائيل مِن خلال برامج الاستيطان ومصادرة الأراضي، واستخدام مختلف وسائل العنف والقمع، بل واللجوء إلى الحروب والاعتداءات العسكرية المحدودة مِن وقتٍ لآخر على سكان قطاع غزة إلى إرغام الآلاف مِن الفلسطينيين على النزوح مِن غزة والضفة الغربية، أما المناطق التي بها كثافة سكانية فلسطينية فتعمد السلطات الإسرائيلية إلى تحويلها إلى مناطق معزولة عن بعضها البعض أشبه بالمحميات، وتضعها بصفةٍ دائمةٍ تحت المحاصرة والسيطرة الإسرائيلية، بالتحكم في مداخلها ومخارجها والمعابر الموجودة بينها، أشبه بما كانت تفعله سلطات التمييز العنصري في جنوب إفريقيا -سابقًا- مع الأفارقة السود أصحاب الأرض مِن وضعهم في (كنتونات) معزولة ومحاصرة، لا تمكنهم مِن التحرك فيها أو التنقل بينها بحرية.

وتبني إسرائيل استراتيجيتها في أي مفاوضات مع الفلسطينيين على منع قيام دولة فلسطينية بالمفهوم المعروف للدولة، ورفض السماح للفلسطينيين اللاجئين، والذين أجبروا على مغادرة أرضهم وديارهم بالعودة إليها.

لقد بلغ عدد الفلسطينيين في التسعينيات نحو 5 مليون فلسطيني، منهم:

- 700 ألف فلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948م، والذين يطلق عليهم: (عرب إسرائيل).

- أكثر من 900 ألف فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية.

- أكثر من 500 ألف فلسطيني في قطاع غزة.

أي أن هناك أكثر مِن مليوني فلسطيني حاليًا داخل فلسطين المحتلة.

وهناك أكثر مِن مليون وربع مليون فلسطيني يعيشون في الأردن، وأكثر مِن نصف مليون فلسطيني يعيشون في لبنان، ونحو ربع مليون فلسطيني كانوا في سوريا قبْل الأحداث التي تعرضت لها سوريا في عام 2011م وما بعده، ونحو ربع مليون في الكويت، ونحوهم في السعودية والعراق ودول الخليج الأخرى، بالإضافة إلى مئات الألوف مِن الفلسطينيين يعيشون في باقي الدول العربية وباقي دول العالم.

وهذه الملايين مِن الفلسطينيين ترفض إسرائيل -وبشدة- أن يكون لهم حق العودة إلى فلسطين في يومٍ مِن الأيام، وهي تحاول إذابة مَن بداخل إسرائيل نفسها مِن العرب.  

إن إسرائيل لا تعترف بوجود شعب فلسطيني كان يعيش على أرض فلسطين ويمتلكها قبْل مجيء اليهود الصهاينة إليها، وإنما هم عرب موطنهم البلاد العربية، أما أرض فلسطين فهي لليهود دون غيرهم! هكذا سولت لهم أنفسهم، ويحاولون أن يرغموا غيرهم على تقبل هذا الفكر والاعتراف به.

ولا شك أن وجود هذه الأعداد الكبيرة مِن الفلسطينيين -كانت وما زالت، وستبقى إن شاء الله- مصدر قلق لإسرائيل على المدى القريب والبعيد؛ خاصة في ظل صمود شعب فلسطين وتمسكه بأرضه، رغم القمع والعنف والسياسات التعسفية لقوات الاحتلال الإسرائيلية، والحروب التي تشنها مِن آنٍ لآخر على سكان قطاع غزة الصامدين.

إن إسرائيل تتمسك بسياساتها تجاه الفلسطينيين بكل ما أوتيت مِن قوة، والفلسطينيون يتمسكون بصمودهم إلى أقصى حدٍّ ومهما كانت التضحيات، وهذا الأمر مما ينبغي استثماره والبناء عليه، بإعانة الشعب الفلسطيني الصامد ماديًّا ومعنويًّا، والتخطيط لمساندته ولتقويته ولإعداده الإعداد المناسب، إذ ينبغي أن يكون هو أول مَن يكون في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، وينبغي أن تكون له قيادة موحدة قادرة على الاضطلاع بهذه المسؤولية، مِن خلال هدف استراتيجي واضح، وأهداف مرحلية مدروسة.

لقد أخطأنا عندما لم نجعل الفلسطينيين في أول صفوف المعركة مع إسرائيل مِن بداية الصراع، وسنواصل خطأنا لو تركنا الفلسطينيين وحدهم اليوم في مواجهة إسرائيل بلا إمكانياتٍ ومساندةٍ، ودعم مادي ومعنوي يمكنها مِن الاستمرار في الصمود، فهم أصحاب حق يدافعون عنه، ونستطيع إقناع العالم الحر به، والشعوب العربية والإسلامية لم ولن تعدم القدرة على دعم ومساندة الفلسطينيين ماديًّا ومعنويًّا، والتخطيط المستقبلي المتدرج لتحقيق ذلك، حتى وهي في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة حاليًا، فالخطب جليل ولا يحتمل التأجيل.

وفي مواجهة الدول العربية:

تسعى إسرائيل للهيمنة على المنطقة العربية بطرقٍ متعددةٍ، منها:

1- محاولة تفكيك المنطقة إلى دويلاتٍ صغيرةٍ طائفيةٍ متناقضةٍ متناحرةٍ، فتزيد مِن فرصتها في بسط هيمنتها على المنطقة، إذ يقلل مِن فرصتها في الهيمنة وجود دول في إقليمها كبيرة وقوية، ويعصف بكل أحلامها تحقق الوحدة أو التضامن بيْن الدول العربية، وللأسف الشديد فإن الحكام العرب بنظرتهم القاصرة وتطلعاتهم المحدودة وانشغالهم بقضاياهم الخاصة على حساب قضيتهم العامة، إلى جانب ما تغوص فيه الأمة مِن مذاهب طائفية وفواصل حدودية وسياسة صنعها الاستعمار قبْل رحيله لتمزيق الأمة، كل ذلك هيأ ويهيأ لإسرائيل خاصة ولأعداء الأمة عامة ما يتطلعون إليه ويطمعون فيه، فمِن تقسيم السودان، إلى تهيئة العراق للتقسيم، إلى تصاعد القلاقل والنزاعات في لبنان بما يفقده استقراره، إلى الحروب الأهلية الطاحنة في سوريا وليبيا واليمن.

2- السعي إلى التطبيع مع الدول العربية لفك وإنهاء الحصار الاقتصادي المفروض عليها مِن الدول العربية في المنطقة، فالتطبيع أداة إسرائيل لانتعاشها اقتصاديًّا، وتغلغلها ثقافيًّا وإعلاميًّا في المنطقة، وبالتالي تقبلها كعضوٍ وشريكٍ دائم في المنطقة.

إن إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل مِن قِبَل جيرانها العرب قد يغلق باب الغزو العسكري، ولكنه قطعًا سيفتح باب الغزو الفكري -غير العسكري-؛ إذ أن إسرائيل جسم غريب عن المنطقة العربية يخالفها حضاريًّا ودينيًّا، ومشبع بالعنصرية والنزعة الاستعمارية، والدول في المنطقة تابعة للهيمنة الأمريكية والغربية اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا.

إن إنهاء حالة الحرب قد يترتب عليه ظاهريًّا توقف التمدد الإسرائيلي وتجمد أحلام المزيد مِن التوسع لدولة إسرائيل، ولكنه سيكون هدفًا مرحليًّا، يوفِّر لها الأمن والاستقرار، بما يساعد على زيادة الهجرة اليهودية إليها، ويفتح باب السيطرة والهيمنة الاقتصادية والإعلامية والثقافية فيها.

3- الدعوة إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي تكون فيه إسرائيل الطرف الفعال في المنطقة مِن خلال مشروعات مشتركة تمولها الدول العربية، وتديرها العقلية الإسرائيلية؛ لتتمكن مع الوقت مِن السيطرة على مقدرات الأمور.

وقد تعرض الدكتور أحمد شوقي الفنجري لقضية السلام مع إسرائيل في كتابه: (الجولة القادمة بيْن العرب وإسرائيل)، وهو كتاب مطبوع منذ سنواتٍ طويلةٍ، قال فيه ما مختصره: "هناك خرافة أطلقها بعض الحالمين أو المضللين تقول: هناك حل سلمي ستفرضه الأمم المتحدة أو الدول الأربع الكبرى"، والغريب "تعلق هذه الخرافة بعقولنا نحن العرب المسلوبي الحقوق، ولا تخطر ببال إسرائيل إلا كوسيلةٍ لادعاء السلام وكسب العطف... بل لقد أصبح بعض المفكرين العرب يتاجرون على شعوبهم بكلمة الحل السلمي، تمامًا كما كان بعضهم يتاجر بقضية فلسطين مِن قبْل -يريد المتاجرة بالحرب مع إسرائيل-، وذلك رغبة في تخدير الناس، وتفويت الفرصة على المنادين بالإعداد للعدو، ومعظم دول العالم الغربي ومعها وفي مقدمتها إسرائيل تساعد على إيجاد هذا الأمل الكاذب لدى الشعوب العربية دون أن تفعل شيئًا حقيقيًّا في هذا السبيل". "إن الحل السلمي لو تم فعلًا لن يحول دون جولة ثانية بيْن العرب وإسرائيل مهما طال الزمن لأمورٍ، منها:

1- إن وجود إسرائيل في حد ذاته خطر على كل بلد عربي حتى لو كان بعيدًا عن حدودها، فإسرائيل ما زُرعت في هذه المنطقة إلا لإضعافها، والحد مِن نموها وتقدمها والسيطرة عليها وعلى مقدراتها.

2- إن هذا الحل إن لم يشمل حل القضية الأصلية وهي القضية الفلسطينية حلًّا جذريًّا يعيد للشعب الفلسطيني أرضه وحقوقه، فإن الحل لن يكون مجديًا ودائمًا، وقد يظن البعض أنه بالإمكان إرضاء الشعب الفلسطيني بطريقة أو بأخرى إلى أن تموت قضيته، وتبرد همته، وهؤلاء السطحيون لا يفقهون حقيقة الشعوب وإصرارها وعنادها مِن أجل البقاء، ورفضها محاولات الإبادة وتشتيت الكيان.

ولقد أفلت الشعب الفلسطيني أخيرًا مِن وصاية أي زعيم عربي أو حكم فردي، وهذه نقطة تحول في كفاح الشعوب نحو الاستمرار والصمود؛ أن يصبح كفاحها مِن أجل المبدأ لا الفرد، والشعوب إذا انطلقت في ثورتها فلا يمكن إيقافها مهما طال بها الأمد، فثورة شعب الجزائر استمرت سبع سنوات، وثورة الجنوب العربي استمرت خمس سنوات، وثورة شعب فيتنام أكثر مِن عشرين سنة.

وقد كان الرأي السائد في إسرائيل وفي الغرب أنه عندما ينتهي جيل 48 مِن الشعب الفلسطيني فسوف تنشأ أجيال أخرى في المخيمات لا تعرف شيئًا عن فلسطين، ولكن خاب ظنهم وظهرت أجيال أشد إصرارًا وصلابة وعزمًا على السير والكفاح حتى النهاية.

3- إن إسرائيل لا يمكن أن تنسحب مِن أي موقع استولت عليه بالقوة؛ إلا إذا اضطرت إلى ذلك بالقوة، والذي نقصده ليس هو الضغط السياسي والدولي مِن أي مصدر كان، بل قوتنا العسكرية هي وحدها التي تستطيع أن تفرض الشروط، ومخطط إسرائيل الفعلي القديم يهدف إلى تحقيق حلم إسرائيل الكبرى مِن النيل إلى الفرات، وإسرائيل مع مرور الزمن تزيد مِن تقوية مراكزها في أراضينا التي احتلتها، فهي تبني الحصون والمستعمرات وتجلب لها السكان مِن يهود العالم.

وتهويد الأرض المحتلة الغرض منه الاحتفاظ بهذه الأرض عند إقرار أي حل سلمي أو المساومة بها، فكلما مرَّ بنا الزمن ضمنت إسرائيل التوسع في الأرض حتى عند الحل السلمي، كما أن هذا يعني ببساطة أنها قامت بهضم ما احتلته مِن أراضٍ سابقة، فصار جزءًا مِن دولتها؛ مما يعني قبول هذا الوضع الراهن، فلا يبقى للفلسطينيين إلا ما لم تستطع إسرائيل استيعابه وهضمه مِن الأراضي المحتلة، فيترك للفلسطينيين هذا الفتات باسم السلام، فهل نقبل ذلك؟ ولو قبلناه أفستقبله الأجيال القادمة؟! وماذا ستكون نظرتها لجيلنا الذي فرَّط في هذا الكم مِن الأرض، وهو ينظر ويتفرج ويتساهل، ولا يتحرك ليمنع هذه الكارثة! وأرض الوطن هي عرضه.

4- إن إسرائيل تتمسك دائمًا بأن تكون لها حدود آمنة، وترى قضية أمنها مقدمة على أي اعتبار، حتى تستطيع أن تحافظ على استمرارها ونموها وبقائها، أي أن إسرائيل نفسها لا يمكن أن تقبل بحلٍّ سلمي يعيدها إلى الوضع القديم الأول قبْل حرب حزيران 1967م، حدودها غيرها آمنة وتجارتها مقاطعة، ولا يوجد أي حل سلمي على ظهر الأرض يستطيع أن يهب إسرائيل الراحة والخلاص مِن هذا الوضع، بل لا يوجد أي حاكم عربي مهما كانت سلطاته يستطيع أن يضمن لإسرائيل في أي معاهدة سلمية هذا النوع مِن الأمان والاستقرار" (راجع: "الجولة القادمة بين العرب وإسرائيل" د.أحمد شوقي الفنجري - مطبعة مؤسسة فهد المرزوق الصحفية - الكويت - ص 16 - 20 باختصارٍ وتصرفٍ)