د. علاء بكر - الخلاف بيْن "فتح" و"حماس" وأثره على القضية الفلسطينية - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2018-10-14 17:22:19

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن الأمور العجيبة في القضية الفلسطينية أن حركة (فتح) الفلسطينية خرجتْ مِن (الإخوان المسلمين) في فلسطين في أواخر خمسينيات القرن العشرين، ومع مرور الزمن لم تعد فتح تمت بصلة إلى الإخوان المسلمين، أما حركة (حماس) فهي الآن تمثِّل الإخوان المسلمين في فلسطين، والحركتان الآن في مواجهة ساخنة، رغم انحدارهما مِن مصدرٍ واحدٍ مِن جهة النشأة، وهي مواجهة أثرت بشدة على مسار الحركة الوطنية الفلسطينية في صراعها مع إسرائيل.

فكيف كانت النشأة؟!

وكيف آلت الأمور إلى ما نحن فيه؟!

هذا ما سنحاول أن نجيب عليه بقدر الاستطاعة في هذه العجالة، ونسأل الله -تعالى- التوفيق فيها.

نشأة منظمة (فتح):

كانت حركة الإخوان المسلمين تعمل داخل قطاع غزة بصورةٍ علنيةٍ في بدايات الخمسينيات، وكان قطاع غزة بعد نهاية حرب 1948م تحت الإدارة المصرية، وقد لوحظ حتى خريف 1954م ظهور تيار له طابع جهادي قاده (خليل الوزير) مسئول شباب الإخوان في قطاع غزة، تبلورت عنه (كتيبة الحق)، برئاسة خليل الوزير نفسه، وبعد ضرب الإخوان المسلمين في مصر عقب الصدام مع عبد الناصر في أواخر 1954م، تحولت الجماعة في قطاع غزة للعمل تحت الأرض، وانفض عنها كثيرون، ممن كانوا يظنون أن حركة 23 يوليو هي حركة تابعة للإخوان المسلمين، فتدفقوا على شعب الإخوان في غزة، لكن سرعان ما انسحبوا عند التأكد مِن عدم استمرار العلاقة بيْن الإخوان وقادة ثورة يوليو، بل ووقوع الصدام الدامي بينهما -كما هو معلوم-.

وعقب مظاهرات اندلعت في غزة في أول مارس 1955م عقب عدوان إسرائيلي على القطاع راح ضحيته 39 جنديًّا مصريًّا وفلسطينيًّا وسودانيًّا شنت أجهزة الأمن المصرية حملة اعتقالات طالت 68 مِن الإخوان المسلمين والشيوعيين والمستقلين.

وخلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م احتلت إسرائيل قطاع غزة، ثم انسحبت منه في 7 مارس 1957م، ورأى بعض الإخوان في غزة أن العمل الفدائي سوف يهز الكيان الإسرائيلي، وأنه بعد مرور ثلاث سنوات مِن سيطرة فكرة الثأر مِن عبد الناصر -بسبب ضربته للإخوان في خريف 1954م- لم يجنِ الإخوان إلا العزلة والتضييق الأمني عليهم، وعليه تقدم خليل الوزير بمذكرة دعا فيها التنظيم الفلسطيني للإخوان إلى إقامة تنظيم جديد بجانب الإخوان، لا يحمل لونًا إسلاميًّا، ويعمل مِن أجل تحرير فلسطين عبْر الكفاح المسلح، بدون توجهاتٍ حزبيةٍ أو أيديولوجية، فيكسر الطوق الأمني الناصري، ويعيد فتح الأبواب للإخوان على الجماهير، ولكن قادة الإخوان في قطاع غزة رفضت مضمون تلك المذكرة، لكن التربة كانت خصبة لنمو الفكرة، فتكونت نواة مِن الشباب كانت مقتنعة بذلك، وسرعان ما ظهرت مجلة (فلسطيننا) الشهرية في بيروت، معبرة عن الفكر الجديد، الداعي إلى الارتفاع فوق الصراعات (العربية - العربية)، وعدم التدخل في الشئون الداخلية لأي دولة عربية، واتخاذ الكفاح المسلح طريقًا لتحرير فلسطين، وقد التقت المجموعة المؤسسة مِن غزة وسوريا في الكويت، وكانت نواة لمنظمة (فتح) عام 1958م.

وقد تأثر نمو الفكرة خلال الوحدة بيْن مصر وسوريا في 22 فبراير 1958م، وتعزز شعار: (الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين)، ومع حدوث الانفصال بيْن مصر وسوريا في 28 سبتمبر 1961م، تجددت الفكرة مِن جديد.

ظهور المنظمات الفلسطينية:

ومع إعلان استقلال الجزائر في صيف 1962م، ودعوة الرئيس الجزائي (أحمد بن بيلا) الشعب الفلسطيني للسير على خطى الثورة الجزائرية، ولدت العديد مِن المنظمات الفدائية الفلسطينية، كان مِن أبرزها منظمة (فتح)، والتي اختارت لنفسها اسم: (حركة التحرير الفلسطينية)، وحين أراد منظموها اختصار الاسم وجدوا الاسم المختصر هو (حتف)، فقلبوه إلى فتح، والتي بدأت تحركها في أكتوبر 1963م، وكان في مقدمة مؤسسيها خليل الوزير، الذي كان مِن قبْل في أوائل الخمسينيات مسئول شباب الإخوان في قطاع غزة، ومال إلى الاتجاه الجهادي والدعوة لتكوين تنظيم مسلح يعمل لتحرير فلسطين بعيدًا عن أي انتماء، ومعلوم أن (ياسر عرفات) الذي تولى رئاسة منظمة فتح، وكان رفيق درب خليل الوزير، كان أيضًا منتميًا للإخوان المسلمين أثناء دراسته في القاهرة، قبْل سفره للعمل في الكويت، ثم الانضمام إلى فتح، وكانت هذه الخلفية التاريخية لعرفات مِن أسباب عدم وجود صداقة قوية بينه وبين عبد الناصر حتى بعد توجه عرفات للقاهرة بعد هزيمة يونيو1967م، واعتراف عبد الناصر بالمنظمة، وتقديمه العون المادي والمعنوي لها.

وقد عارضت قيادة إخوان قطاع غزة مذكرة خليل الوزير إذ اعتبروها غير واقعية، ولن تصل إلى هدف تحرير فلسطين؛ إذ تفتقد القوة الأساسية اللازمة لذلك، وستقابلها العديد مِن المعوقات، كرفض الدول العربية لها، أو محاولة إخضاعها لسياساتها حال ممارسة نشاطها فوق أراضيها؛ لذا فالأولى مضاعفة الجهد في نصرة الحركة ورفع شأنها، لتقوم بدفع الأمة ككل لتحرير فلسطين.

وشهدت تلك الفترة درجة مِن محاولة انتزاع أفراد مِن الإخوان لصالح فتح، كانوا -ولفترة- الاتجاه اليميني في فتح في مقابلة الاتجاه الوطني السائد فيها، وسعي إخوان غزة إلى اصطفاف أعضائهم حول الإخوان مِن جديد (راجع في ذلك: "فتح وحماس: صراع الديكة أم تصادم مناهج؟) تأليف: عبد القادر ياسين ط. مكتبة جزيرة الورد القاهرة ط. الأولى 2011م، ص 9 -15).

خليل الوزير أبو جهاد:

هو خليل إبراهيم الوزير، واسمه الحركي (أبو جهاد)، مِن أهم القادة والسياسيين لفتح وجناحها العسكري، وُلد في 10 أكتوبر 1935 بمدينة الرملة، انتقل إلى غزة في أعقاب حرب 1948م، وانتخب أمينًا عامًّا لاتحاد الطلبة في غزة، وشكَّل منظمة سرية كانت مسئولة عن تفجير خزان كبير للمياه قرب قرية بيت حانون في عام 1955م، تخرج مِن جامعة الإسكندرية عام 1956م، وعمل بالسعودية في التدريس لأقل مِن عام، ثم غادرها إلى الكويت وظل بها حتى عام 1963م، حيث تعرف فيها على ياسر عرفات رفيق دربه، وشاركه في تأسيس منظمة فتح، تولى مسئولية مجلة (فلسطيننا) التي تحولت إلى منبرٍ لاجتذاب المنظمات الفلسطينية التي كانت متناثرة.

انتقل إلى الجزائر عام 1963م حيث تولى مسئولية أول مكتب لفتح هناك، وحصل على أذن بالسماح لكوادر فتح بالاشتراك في دورات عسكرية في الكلية الحربية في الجزائر، وعلى إقامة معسكر لتدريب الفلسطينيين المقيمين بالجزائر، غادر الجزائر إلى دمشق عام 1965م، حيث مقر القيادة العسكرية لفتح، وكلف بالعلاقات مع الخلايا الفدائية، وشارك في حرب 1967م، وقاد عمليات عسكرية ضد الجيش الإسرائيلي في الجليل الأعلى، تولى القطاع الغربي الذي يدير العمليات الفدائية داخل الأراضي المحتلة مِن عام 1976 إلى عام 1982م.

ساهم بشكلٍ كبيرٍ في الدفاع عن بيروت أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982م، وقام بدورٍ كبيرٍ في الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1978م، تم اغتياله في مقر إقامته في الضاحية الشمالية في العاصمة التونسية بقوةٍ إسرائيليةٍ مِن الكوماندوز في 16 أبريل 1988م، ودفن في مخيم اليرموك بدمشق في 21 أبريل في مسيرةٍ حاشدةٍ.

غزة في ظل الاحتلال الإسرائيلي:

حين احتلت إسرائيل غزة في يونيو1967م كان عدد الإخوان المسلمين فيها قليل، بينما كان عددهم في الضفة الغربية أكثر نسبيًّا، وكانوا مِن المؤيدين لملك الأردن ومعادين -لحد التصادم- مع القوى اليسارية والتقدمية (مِن الشيوعيين والبعثيين والقوميين العرب)، ولم يكن لهم مشاركة في أعمال المقاومة المسلحة للمحتل الإسرائيلي، مقتصرين في تلك الفترة على التربية، وإعداد قاعدة تستند إليها المقاومة الإسلامية، فكان تأسيس المساجد ورياض الأطفال والمستوصفات، ثم تأسيس (الجامعة الإسلامية) في غزةٍ بتبرعاتٍ مِن السعودية.

شهدت فترة السبعينيات وبداية الثمانينات تنامي العمليات الفدائية ضد إسرائيل، وازدياد التطوع للمشاركة في الحرب ضد الروس في أفغانستان؛ مما سبب نوعًا مِن الإحراج للإخوان في غزة بسبب العزوف عن المشاركة في هذه الأنشطة، خاصة بعد إنشاء (المجمع الإسلامي) الذي كونه إخوان القطاع بعد تمددهم وانتشارهم.

وقد شهدت هذه الفترة عداء الإخوان للقوى الوطنية الفلسطينية؛ خاصة اليسارية منها، ولم يخلو الأمر معها مِن مشاحنات وتعدٍّ على مؤسساتٍ وطنيةٍ ويساريةٍ، وانتهى الأمر بالانفصال التام بيْن فتح كحركة وطنية، والإخوان كحركة إسلامية.

بعد انتقال المقاومة الفلسطينية مِن لبنان إلى تونس بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982م، وتفجر الانشقاق داخل فتح عام 1983م، وتواري العمل المسلح، تآكلت شعبية فتح.

وفي المقابل تنامت الصحوة الإسلامية في الضفة وغزة في بداية الثمانينيات لأمورٍ، منها:

1- نمو الدور السياسي للأنشطة الإسلامية في الضفة وغزة، والتي تغاضت سلطات الاحتلال عنها فيما سبق؛ لكونها كانت منغمسة في أداء الفروض الدينية بعيدة عن ممارسة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

2- انتصار الثورة الإسلامية في إيران في عام 1979م.

3- اتساع دائرة التعليم الديني.

4- تأثر آلاف الفلسطينيين بالمد الإسلامي في الأقطار الإسلامية.

5- التراجع الملحوظ في الحركة الوطنية الفلسطينية العلمانية، والموقف العربي الرسمي، وما ترتب عليه مِن إحباطٍ انتاب الفلسطينيين، جعلهم يفتقرون إلى مَن يدافع عن قضيتهم بقوةٍ مِن جديدٍ.

6- الممارسات التعسفية والاعتداءات الإسرائيلية المتتالية على الأهالي وعلى دور العبادة في الضفة وغزة.

7- تزايد الضائقة الاقتصادية الفلسطينية، وتردي الأحوال المعيشية للفلسطينيين.

بدأ التنظيم الفلسطيني للإخوان يعد نفسه لمشروع إسلامي للقضية الفلسطينية، يملأ الفراغ الذي تركته فتح، في ظل رغبة نسبة غير قليلة مِن الشعب الفلسطيني في إعطاء الفرصة للحركة الإسلامية بعد إخفاق الحركات الوطنية القومية والعلمانية واليسارية في تحقيق المرجو منها، فكان إنشاء الإخوان للـ(المجمع الإسلامي)، وتولى رئاسته الشيخ "أحمد ياسين" الذي ألقي القبض عليه بتهمة تخزينه لأسلحةٍ قرب منزله في أواخر 1983 م، ولكن تم الإفراج عنه في اتفاق لتبادل الأسرى بيْن إسرائيل و(الجبهة الشعبية - القيادة العام) في مايو1985م.

ظهور حماس:

ومع اندلاع انتفاضة 1987م في وجه الاحتلال وامتدادها في كل الضفة وغزة وجدت قيادة (المجمع الإسلامي) نفسها ملزمة بالمشاركة رغم معارضة الكثير مِن قادتها، وبدأ التحضير للعمل المسلح، بظهور (حركة المقاومة الشعبية) التي اختصرت باسم (حماس)، بقيادة اثنين مِن قادة الإخوان في غزة: الشيخ "أحمد ياسين" والدكتور "عبد العزيز الرنتيسي".

وقد اعتقلت سلطات الاحتلال في أكتوبر 1991م الشيخ أحمد ياسين -رئيس حركة حماس- والمئات مِن أعضاء الحركة، وحكمت إحدى المحاكم العسكرية الإسرائيلية على الشيخ بالسجن مدى الحياة، ولكن أفرج عنه في عام 1997م في عملية تبادل، أفرج فيها عن اثنين مِن عملاء الموساد ألقي القبض عليهما في الأردن مقابل الإفراج عن الشيخ.

موقف حماس مِن الحركة الوطنية الفلسطينية:

دخلت حماس معمعة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي مع تنامي الصحوة الإسلامية وتراجع مطرد للحركة الفلسطينية الوطنية العلمانية، فعملت باستقلالية دون تحالف أو اندماج مع الحركات الوطنية الفلسطينية الأخرى، وإن أقرت في ميثاقها أن منظمة التحرير -على علمانيتها- أقرب الحركات إليها دون غيرها، بما فيها القيادة الوطنية الموحدة (قاوم).

ورغم معارضة حماس لـ(اتفاق أوسلو) في سبتمبر 1993م، لكنها انضمت -مع بقية المعارضين له- في انتظار ما سيسفر عنه، وسارت الأمور في البداية وكأنها تعزز جماعة أوسلو، فنمت سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود (السلطة الفلسطينية)، في ظل عدم تقديم بديل، وصمت حماس.

تجاوزات للسلطة الفلسطينية:

في محاولة لتطبيق الجانب الأمني مِن اتفاق (أوسلو) تصدت السلطة الفلسطينية لأعمال المقاومة الفلسطينية، مما أوقعها في مواجهاتٍ مع حركة حماس، كان مِن أشدها المواجهة الدامية بيْن رجال أمن السلطة الفلسطينية والمصلين في مسجد فلسطين في غزة انتهت بسقوط 13 قتيلًا، وأكثر مِن مائتي جريح، حيث كانت حماس قد قررت الخروج بصورةٍ سلميةٍ عقب صلاة الجمعة في يوم 8 نوفمبر 1994م إلى منزل منفذ (عملية نيتساريم) الاستشهادية، فتصدى لهم رجال الشرطة الفلسطينيون وعناصر الأمن الوقائي المسلحون، فنزعت مكبرات الصوت مِن السيارة المرافقة للمسيرة، فرشقهم المصلون بالحجارة، فردت عليهم الشرطة وعناصر الأمن بإطلاق النار، فكانت المواجهة الدامية، والتي أعقبها اعتقال العديد مِن قيادات وكوادر حماس، وترددت أنباء عن تعرضهم للتعذيب الشديد في المعتقلات.

وحين جرت انتخابات المجلس التشريعي الأول عام 1996م، قاطعتها حماس، ولكن بعض كوادرها رشح نفسه فيها.

نفذت حماس العديد مِن العمليات الاستشهادية ضد إسرائيل، وفي أعقاب إحدى عمليات التفجير في غزة في أكتوبر 1998م فرضت السلطة الفلسطينية الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين، وفي 22 مارس 2004م اغتالت إسرائيل الشيخ، ثم اغتالت بعده في 17 أبريل 2004 م الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي خلفه رئيسًا للحركة.

ترددت الأنباء عن مظاهر للفساد الإداري والمالي داخل السلطة الفلسطينية، حيث كان معظم موظفي السلطة أعضاءً في منظمة فتح التابعة لياسر عرفات، وقد أحاط عرفات نفسه بالعديد مِن المشبوهين بالتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي بذرائع واهية، وقد تبوأ بعضهم مواقع قيادية فراح يلاحق المناضلين.

 وقد آلت الانتفاضة الفلسطينية عام 1987م إلى وجود رأسين وجسدين للانتفاضة، كلاهما يخالف الآخر في المنهج، حماس التي نبتت مِن الانتفاضة وتبنت المقاومة المسلحة للاحتلال، والسلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح، والتي تبنت التفاوض مع إسرائيل، وقطعت خطوات عملية في العمل السياسي ونبذ العمل المسلح.

وفي 11 نوفمبر 2004م توفي ياسر عرفات بعد رحلة مرض، ووجه الاتهام لإسرائيل بدس السم له عن طريق بعض عملائها، لما أبداه مِن تلكأ في تنفيذ ما طلب منه مِن خطوات، فجاءت وفاته نهاية لمرحلةٍ مِن الصراع بيْن الطرفين وبداية لأخرى؛ حيث انتخب محمود عباس (أبو مازن) خلفًا لعرفات في رئاسة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في انتخاباتٍ قاطعتها حماس ترشيحًا وتصويتًا، وربما تكون بذلك قد أضاعت فرصة تولي الرئاسة أو -على الأقل- إضعاف موقف محمود عباس فيها.

وقبل محمود عباس شروط (خارطة الطريق) مع إسرائيل، فدمج الأجهزة الأمنية في ثلاثة أجهزة فقط: جهاز الأمن الداخلي: ويضم رجال الشرطة وعناصر الأمن الوقائي، والدفاع المدني: ويتبع وزارة الداخلية، والمخابرات العامة والأمن الوطني: وتتبع رئاسة السلطة.

 واتفق عباس في مارس 2005م مع إدارة بوش وحكومة شارون على تشكيل فريق تنسيق أمني أمريكي لتدريب وتجهيز قوات الأمن الفلسطينية، والإشراف على التنسيق الأمني بيْن سلطة الاحتلال والسلطة الفلسطينية.

وفي مارس 2005م تم التوصل إلى (اتفاق القاهرة) بيْن قيادات الفصائل الفلسطينية، الذي قضى بهدنة مع العدو الإسرائيلي، وتشكيل لجنة تتولى إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية بعد دخول كل الفصائل الفلسطينية فيها، وهو ما لم يُنفذ في الواقع.

وفي 12 سبتمبر 2005م انسحبت القوات الإسرائيلية مِن قطاع غزة بالكامل، وعدت حماس في ذلك انتصارًا لها.

حماس في الانتخابات:

شاركت حماس في الانتخابات المحلية في الضفة الغربية وغزة فحصلت على 38% مِن أصوات الناخبين، وفي 25 يناير 2006 م شاركت حماس في الانتخابات التشريعية الثانية، فنالت أغلبية المقاعد، حيث حصدت 74 مقعدًا مِن إجمالي 132 مقعدًا للمجلس التشريعي (أي أكثر مِن 50% مِن المقاعد)، بينما حصلت فتح على 45 مقعدًا (أي أكثر قليلًا مِن ثلث المقاعد).

وقد أرجع المحللون فوز حماس لأمورٍ، منها:

1- ارتفاع منسوب العمليات الاستشهادية التي قامتْ بها حماس، وكانت مِن أسباب الانسحاب الإسرائيلي مِن غزة.

2- فقد حماس لأكبر قادتها في مواجهة إسرائيل، منهم: الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي.

3- تدهور القضية الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو بيْن فتح وإسرائيل.

4- تردي الأوضاع داخل فتح، وتردد الاتهامات حول الفساد الإداري والمالي لمؤسساتها.

5- تطلع الأهالي لحماس لتولي نصرة القضية الفلسطينية التي تجاوزت اتفاق أوسلو، الذي تعارضه حماس والكثير مِن الفصائل الفلسطينية، خاصة وأنه لم يحقق الحد الأدنى مِن المطالب الفلسطينية، وللتخلص أيضًا مِن الفساد الذي انتاب فتح والسلطة الفلسطينية.

6- التهديدات المتتالية التي نقلتْ لقادة حماس بقرب الإجهاز عليهم وعلى الحركة إذا استمرت في خطها الجهادي.

لماذا خسرت فتح الانتخابات؟

أرجع المحللون ذلك لأمورٍ، منها:

1- إن حماس خاضت الانتخابات موحدة ومنظمة، أما فتح فدخلتها مبعثرة؛ إذ أن 87 مِن أعضاء فتح خاضوا الانتخابات في الدوائر الـ66 إلى جانب مرشحي فتح الـ66 المعتمدين مِن القيادة، مما شتت أصوات فتح.

ورغم أن مجموع الأصوات التي حصلتْ عليها فتح في القائمة النسبية والدوائر بلغت نحو 51% مِن مجموع الأصوات، فإن فتح لم تنل إلا 45 مقعدًا، منها 28 في القائمة النسبية؛ مما يؤكِّد أن الخلل كان في الدوائر، لتنافس أعضاء فتح في الدائرة الواحدة.

أما حماس فنالت 41% مِن مجموع الأصوات، ولكن حصدت 74 مقعدًا فيما أخفقت خمس قوائم في تجاوز نسبة 2%، وتجاوزت أربع قوائم هذه النسبة، فحصلت الجبهة الشعبية على 3 مقاعد، وتحالف (الديمقراطية - حزب الشعب - فدا) على مقعدين، ومثلهما لقائمة (فلسطين المستقلة)، التي ترأسها دكتور مصطفى البرغوتي الأمين العام للمبادرة الوطنية، ومثلهما لقائمة (الطريق الثالث) الليبرالية، التي يتصدرها سلام فياض، وفي الدوائر لم ينجح إلا مرشحي حماس وفتح، وأربعة مستقلين ساندتهم حماس.

2- إن الانتخابات جاءت نزيهة ونظيفة وبدون أي تزوير، وقد أقر الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) الذي رأس وفد دولي لمراقبة الانتخابات بنزاهتها، وإن لم يخف تحفظه على تصدر حماس.

3- اطمئنان فتح إلى نتيجة الانتخابات طبقًا للتقديرات والتقارير الأمنية التي سبقتها، التي أكَّدت أن حماس لن تتجاوز الـ 40% من الأصوات في الانتخابات.

4- يرى البعض أن هناك دورًا أمريكيًّا إسرائيليًّا خفيًّا شارك في تحديد الملامح الجديدة للقيادة الفلسطينية رغبة في استغلال فرصة الاختلاف المنهجي والصراع المحتدم بيْن فتح وحماس؛ إذ أن تأجيج هذا الخلاف يؤثر وبشدة على القضية الفلسطينية بما يخدم الأهداف الإسرائيلية في هذه المرحلة.

أحداث ما بعد الانتخابات:

- ظهرت العقبات أمام تشكيل حماس للحكومة، فرئيس السلطة الفلسطينية (أبو مازن) مِن فتح، و94% مِن موظفي السلطة مِن فتح، وكذلك أجهزة الأمن، بل منظمة التحرير التي تعد المرجعية للحكم الذاتي تهيمن عليها منظمة فتح، وقد عطلت فتح إعادة هيكلة منظمة التحرير أو إصلاحها ديمقراطيًّا، وعطلت إدخال حركة حماس ومنظمة الجهاد فيها، وأصبح على حماس الجمع بيْن المقاومة وأعباء السلطة -التي هي تحت الاحتلال الإسرائيلي- في آنٍ واحدٍ.

- عرضت حماس تشكيل حكومة وحدة وطنية، لكن الفصائل الأخرى أحجمت عن المشاركة.

- بادر مسئولو الفصائل في السجون والمعتقلات الإسرائيلية بصياغة مشروع برنامج الإجماع الوطني، الذي عُرف باسم: (وثيقة الأسرى)، والذي اعترضت عليه حماس؛ لتضمنه بندًا يدعو إلى الاعتراف بالاتفاقات الدولية، ثم عادت ووقعت عليه في 27 يونيو2006م باسم: (وثيقة الوفاق الوطني).

- عارضت إسرائيل تولي حماس للحكم، ومنعت وصول أموال السلطة إليها، واستحوذت على الرسوم التي تجبيها لحساب السلطة الفلسطينية؛ مما زاد مِن البطالة وتردي الحالة الاقتصادية في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني.

- أعلنت الإدارة الأمريكية مقاطعة حكومة حماس، وتأييدها لمحمود عباس، الذي عاد مِن زيارة له لواشنطن، وقد أدار ظهره لوثيقة الوفاق الوطني، مطالبًا بتشكيل حكومة وحدة وطنية تلبي المطالب الدولية وتكون حكومة (تكنوقراط).

- تعددت الاشتباكات التي اندلعت بين فتح وحماس، كان أولها في 22 أبريل 2006م، وراح ضحية هذه الاشتباكات حوالي 350 شخصًا، و1900 جريح، وحاول مجهولون اغتيال وزير داخلية حكومة حماس في 10 ديسمبر 2006م، بل وحاولوا اغتيال رئيس حكومة حماس (إسماعيل هنية) في غزة في 24 ديسمبر 2006م.

- وبعد جهودٍ لحل الأزمة تم التوصل إلى (إعلان مكة) في 8 فبراير 2007م، وعليه قدَّم هنية استقالة حكومته، وكلف بتشكيل وزارة جديدة في مناطق الحكم الذاتي، لكن لم يمنع اتفاق مكة حالة التدهور والاقتتال، مما دفع حماس إلى السيطرة بالقوة على قطاع غزة في الفترة مِن 9 إلى 14 يونيو 2007 م لتنفرد بحكمه، وتفصله سياسيًّا وجغرافيًّا عن الضفة الغربية، وهو الأمر الذي اعتبرته فتح انقلابًا عسكريًّا.