د. أحمد حمدي - في الجنة... إن شاء الله - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2018-10-30 15:52:56

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زال مسلسل فقد الأحبة والشباب مستمرًا، فلقد فجعنا يوم الأحد الماضي 5 صفر 1440هـ، الموافق 14 /10 /2018م بعد العصر بأخينا الفاضل د. عبد الله أبو بكر -رحمه الله- في حادث انقلاب سيارة الجيش العسكرية، وهو يؤدي واجب الخدمة لدينه وبلده ووطنه.

د. عبد الله أبو بكر عمره تقريبًا 25 عامًا، تخرج مِن كلية الطب البيطري جامعة دمنهور، مِن مواليد كفر الدوار محافظة البحيرة، منذ نعومة أظفاره تربى في بيوت الله، نحسبه ليس له صبوة، وقلبه معلق بالمساجد، نشأ في طاعة الله، حفظ كتاب الله وأتمه في الإعدادية، وشارك في الدعوة إلى الله وهو طالب في المدرسة، ثم بعد ذلك شارك في فريق عمل الجامعة في الشباب.

وكذلك كان مِن العاملين في قطاع الطلائع، وكان مِن الحريصين على طلب العلم ورياض الجنة، كان -رحمه الله- متميزًا ومشهورًا بيْن أقرانه بدماثة الخلق، واللين والبشاشة، والابتسامة التي لا تفارقه، كان وجهه محبوبًا لجميع زملائه في كل مراحل حياته حتى أثنى عليه أساتذته في المدرسة حتى الجامعة ، نحسبه كان سليم القلب مِن الأحقاد أو الغل والحسد لأحدٍ، نحسبه كان مِن المخلُصين، وكان رقيق القلب كريشة طائر أبيض، وكأفئدة الطير، وكان طيعًا في أيدي إخوانه.

كان لسانه لا يفتر عن ذكر الله حتى تغفل عيناه وينام، وكان حريصًا على اتباع الجنائز وعيادة المرضى وصيام النوافل، وتحصيل فضيلة يوم الصديق، وأن يكون مِن أهل الجنة، كان بارًّا بأبويه، خادمًا لإخوانه؛ فله فضل علي وعلى والدي، وكذلك والدته لها فضل على والدي ووالدتي في مرض وفاتها، فوفاءً وبرًّا نسأل الله أن يفرغ عليها الصبر والسلوان.

أولاده الذين تعلقوا به في سنِّ الطلائع كانوا ينتظرون قدومه أيام إجازته مِن تأدية الخدمة العسكرية، وحتى قائد الكتيبة التي كان يخدم فيها جعله إمامًا لمسجد الكتيبة، فكان يصلي بهم في رمضان والتراويح، ويخطب بهم الجمعة حتى يحكي أحد زملائه في الوحدة: أنه كان لا يبيع السجائر في الكانتين لعدم المعاونة على الإثم والعدوان.

وقد شارك منذ فترة قصيرة في مسابقة القوات المسلحة في القرآن والتفسير والسيرة النبوية، وقد حكى أحد أصدقائه في الوحدة بأنه ختم القرآن مرتين مراجعة منذ أيام قليلة، كذلك في عبادته كان دائمًا سباقًا، فقد كان حريصًا على صلاة الفجر، وقد قال رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ, بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وكان حريصًا على صلاة الجماعة، وقد قال رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَالصَّلَاةُ نُورٌ) (رواه مسلم)،  وكان حافظًا للقرآن وحريصًا على صيام النوافل، وقد قال رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

خطب له والده منذ قرابة شهر، وقدَّر الله ألا يتزوج مِن نساء الدنيا، وإن شاء الله يكون قدَّر الله له الزواج مِن الحور العين في الجنة.

ومِن علامات حسن الخاتمة: أن مَن غسله رآه كأنه نائم وعلى وجهه شبه الابتسامة، وكذلك أيضًا ثناء الناس عليه بعد موته، فنحن شهداء الله في الأرض، وكذلك حضور المئات مِن الشباب يبكون عليه، فلا تدري مَن المعزِي ومَن المعزًى؟! وقال رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إِلا شُفِّعُوا فِيهِ) (رواه مسلم).

ولقد مات في حادث، والعلماء قاسوه على صاحب الهدم، فنحسبه مِن الشهداء.

ولقد روى أحد الإخوة بأن والدته لم تستطع النوم منذ معرفة الخبر، وبعد الفجر غفلت عيناها ورأت أتوبيسًا أو أكثر -وفيه عبد الله- على صدر الشارع مُعلَّٓمًا بعلاماتٍ خضراء ملفتة وممتلئًا بالناس، وعند المسجد سريرًا سُمك "مرتبته" لم تره عينٌ مِن قبْل وعليه ملاءة بلونٍ مزهر مِن أخف درجات الورد، فجرى الدمع في عينيها، فقالت لها أختها الكبرى: لا تبكي إنه عريس الْيَوْمَ في الجنة.

ولقد حضر جنازته فضيلة الشيخ حسن عمر والشيخ فتحي مصطفى، وم. محمود هيبة نائب حزب النور عن كفر الدوار، والشيخ المربي مصطفى دياب، كما عودنا وفاءً لأحد كوادره وفريق عمله، وم. سامح بسيوني رئيس الهيئة العليا لحزب النور، كما حضر د. محمود عبد المنعم أستاذ التفسير بجامعة الأزهر الشريف، والشيخ رجب أبو بسيسة لتعزية والد عبد الله، وقام الشيخ رجب بصلاة الجنازة على قبره.

فلقد فقدنا كادرًا مِن كوادر شباب حزب النور والدعوة السلفية في خلال تأدية واجبه تجاه وطنه حتى لا يشكك أحدٌ في حبنا لبلادنا ووطنيتنا.

ففي لحظة تتحطم الآمال والطموحات والأماني، وينتهي كل شيء، فهل نعمل لآخرتنا ونؤثرها على العاجلة، ونسير على نفس الدرب والطريق ونثبت عليه، فمَن عاش على شيء مات عليه، ومَن مات على شيء بُعث عليه ومنَ مات قامت قيامته، فإن الأعمال بالخواتيم.

ولقد كان أخونا عبد الله يقرأ كثيرًا في الأسماء والصفات، والدار الآخرة، وحسن الخاتمة، فنصيحتي إلى الشباب -زملائه وإخوانه- أن يحملوا همَّ الإسلام، ويعملوا لنصرة دينهم، ويحرصوا على طاعة الله والعبادة، وطلب العلم، والبذل والتضحية، فالناس في غفلة فإذا ماتوا انتبهوا، قال -تعالى-: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ) (الأنبياء:1)، فموت الشباب وموت الفجأة قد كثر وجاءكم النذير، فهل مِن معتبر؟ وهل مِن متعظٍ؟ فمَن لم يكن له الموت واعظًا فلا واعظ له!

فاللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيرًا منها، وأفرغ علينا وعلى أهله الصبر والسلوان، فلله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجلٍ ومقدارٍ، فلنصبر ونحتسب.

نسأل الله -تعالى- أن يرحم أخانا عبد الله، وأن يغفر له ويعفو عنه، وأن يجعله في الفردوس الأعلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن يتقبله في الشهداء، ويدخله الجنة بغير حساب، ولا سابقة عذاب، وأن ينوِّر له قبره مد بصره، وأن يشفِّع فيه القرآن والصيام.. اللهم آمين.

وأخيرًا: لا ننسى الدعاء الدائم له، والوفاء والإكرام لأهله، وكذلك الصدقة الجارية عنه.